الاثنين، 5 ديسمبر 2011

الإحسان(المؤسسة الجمالية في الإسلام)

بسم الله الرحمن الرحيم

الإحسان(المؤسسة الجمالية في الإسلام)

الإحسان هو دعوة الإسلام الخصوصية، فإذا كان العدل موقفا وجوديا أو تكوينيا بمعنى أنه موقف تتطلبه حقيقة الوجود البشري الإنساني في العالم ورتبته في الوجود ، فإن الإحسان موقف شهودي (رؤيوي) ، بمعنى أنه موقف جمالي رحماني يشهد العالم كحقيقة ربانية رحمانية أي يظهر من خلالها الإلهي من حيث كونه رحمة وجمال بالعالم..إذا فهي دعوة أخلاقية في المقام الأول ومثلما كان العدل يؤسس جذريا لعلاقات الوجود(حقوقيا وتنظيميا) فالإحسان أيضا يراد له أن يكن مؤسسة لعلاقة جمالية بين الموجودات ، وكأنما الإسلام يريد أن يبني العلاقات على أساسى مزدوج وجودي شهودي أو بلغة أخرى : قانوني / أخلاقي، ولتوضيح أكثر : فإن في الإسلام مرتبتان : االرخص والعزائم فهو يرخص للإنسان أن يأخذ حقه عدلا(العين بالعين والسن بالسن والجروح قصاص) ولكنه يبيح العفو إحسانا (فمن عفى وأصلح فأجره على الله )وهو يحث هنا على العفو كقيمة أخلاقية أعلى من قيمة القصاص العدل وإن كان مطلوبا ، وقيمة العفو هنا مثلا كقيمة أخلاقية أدرجت في مرتبة العزائم لأنها تحتاج الى قوة النفس واحتمال الأذى والصبر وصولا الى الإصلاح ، ولكن الإحسان له حدود فهو مؤطر داخل إطار العدل بمعنى أن الإحسان غير مطلوب في حالة إنتفاء العدل أي عند وقوع الظلم الظاهر والمقصود عندها القصاص أولى من الإحسان بل هو يعتبر نوعا من الإحسان إذا كانت المقصود ابه رد الظالم عن ظلمه (أنصر أخاك ظالما أو مظلوما) هذا يقودنا مباشرة الى تعريف مفهوم الإحسان . وكما هو وارد في نص الحديث: (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فهو يراك) فإن الإحسان مرتبة من مراتب الدين بإعتباره درجة أعلى من درجات الإيمان أو هو ثمرة من ثمرات الإيمان العميق، وإذا كان الإحسان علاقة بين الناس فإن إعتباره مرتبة من مراتب الدين يبين القصد الواضح والأكيد لتنمية العلاقات بين الناس حتى يكون النكوص عنها والإخلال بها قصدا خروجا عن الدين، والإحسان مفهوم شامل لكل ماهو أحسن وأجمل وأفضل ولم يتحدد في الإسلام معنى معين للإحسان حتى يتسع ليشمل كل ما يراه الإنسان حسن وأحسن ولكنه ربط بمفهوم الإيمان حتى يرتبط عند المؤمن برضا الله ليختار ما هو أحسن وفي ذات الوقت ما يرضي ربه.

فإذا كان العدل هو الأساس الذي يقوم عليه الإسلام كشريعة وقانون عام يحكم العلاقات الأساسية للإنسان مع الناس والكون الطبيعي فإن الإحسان هو أساس الدين كدعوة لترقية الإنسان وعلاقاته معرفيا وسلوكيا حتى يصل الى مقام (الخلافة) وهو مقام مقصود به مستوى من الرقي يسلك فيه الإنسان مع الكون من حوله سلوكا ربانيا تتجلى فيه صفات الله تعالى من العلم والإرادة والقدرة والرحمة بالناس والأشياء والحب الخ... وهو النموذج المحمدي المتحقق باتباع القدوة وتطبيق المنهج ، وإذا كان الإسلام كقانون عام أمر ثابت لا يصح تعديله لأنه:

أ- وضع إلهي لم يضعه بشر وبالتالي لايحق لبشر أن يعدله وإذا حدث هذا فهو خروج من الدين(ومن ناحية لايصح إلزام من لم يؤمن به أو قسره عليه :"لكم دينكم ولي ديني").

ب- قانون عام متعلق بطبيعة العلاقات الأساسية المتصلة بالإنسان (كإنسان وحسب ) وبالتالي فإن تعديله خرق لهذا القانون الطبيعي (الفطرة) مما يؤدي الى بناء علاقات الإنسان على أساس غير إنساني وهذا ما يحدث في القوانين الوضعية التي تنزع لشرح وتفسير هذه العلاقات الأسالسية ، وكونه قانون عام يدل على صلاحيته لكل زمان وزمكان بحكم كونه لايحدد تفاصيل السلوك الإنساني في التاريخ الاّ من حيث إتصالها بالعلاقات الأساسية . فإذا كان ذلك كذلك فإن الإسلام كدعوة تريد ترقية وتنمية تلك العلاقات يفتح الباب واسعا للإنسان للإسهام مستخدما عقله وروحه في تحقيق هذا الهدف وبناء تجربته في التاريخ ، فهو بذلك دين متجدد بتجدد حياة الإنسان وتعدد تجاربه التاريخيةفي مختلف العصور.

ومع الإلتزام بالدين كشريعة وقانون عام يمثل الروح العامة والذات الكلية للأمة الإسلامية كأمة ذات خصوصية إنسانية مفتوحة وليست عرقية أو جغرافية أو قومية أو ثقافية ، يمثل الإحسان مدخلا للأسلام الى العصر الحديث الذي تتحدد صفته الأساسية المركزية بالعتباره عصر تعامل الإنسان مع الوجود والكون ومع الآخرين والمجتمع بعقلانية وديمقراطية فهو يرفض اللا عقلانية والجمود والأسطورة على المستوى المعرفي ويرفض على المستوى السلوكي والتنظيمي الظلم والإستعلاء والديكتاتورية والتعدي على حقوق انسان ، هذه هي صفات العصر الحديث والمسماة بالحداثة ، وهي – كما هو ظاهر- لاتتناقض مع الإسلام في شيء:

أةلا تتفق مع الإسلام في أساسه العدلي الفطري.

ثانيا تستطيع أن تكون سياقا تاريخيا جديدا لتجديد الدين في مستواه دعوي وفي هذا السياق يمكن تجديد مفهوم الإحسان الإسلامي كمفهوم حديث على ثلاثة مستويات:

1- الإحسان كعلاقة معرفية وجدانية تعتمد على العقل والقلب معا بمعنى تضامن المعرفة الحسية والعقلية بالكون مع (الإيمان والإعتقاد) بالله الذي يؤدي الى استشفاف الوجود الإلهي في الوجود الكوني ، وهي رؤية ليست أسطورية بقدر ماهي رؤية جمالية تصفي التجربة الإنسانية المعرفية من جفاف وقسوة المادية البموضوعية المجردة منن الروح الإنساني.

2-الإحسان كعلاقة عملية تؤدي الى تطوير تجربة الإنسان العملية والفنية وترقية علاقته بالبيئة والطبيعة باعتبار أن احسان هو إتقان العمل وتجميله وسكب الروح فيه فيأتي العمل المادي حاملا الروح والثقافة، قال صلى الله عليه وسلم:"إن الله يحب إذاعمل أحدكم عملا أن يتقنه " قال المفسرون أي يجمله ويحسنه.

3-الإحسان كعلاقة إجتماعية أخلاقية تقوم على احترام الآخر وتنمية العلاقة معه عن طريق الحوار الفكري الذي يؤدي الى التجانس والتوحد الوجداني بدون تمييز، قال تعالى:"وأحسن كما أحسن الله إليك.." وقال :"وادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن" وهي علاقة كما هو ظاهر تحترم الإختلاف والتعدد ولا تستثني من الإحسان والحوار السلمي الاّ من يتخذ من الإسلام موقف(العداء الفعلي)أي المقاتلين هولاء هم أهل الحرب والذي يجب فيهم الجهاد الحربي والذين تحرم مودتهم وموالاتهم ، أما فيما عدا ذلك حتى (الكفار) المسالمين الذين يختلفون مع الإسلام في (العقيدة) الأساسية ماداموا أهل سلم ومودة فأن الأحسان يشملهم وهم أهل الدعوة بالحسنى. هذا بالطبع إلى جانب الإحسان كعلاقة إنسانية مع الآخر الذي يحتاج إلى المساعدة والدعم المادي والمعنوي.

بهذه المفاهيم يمكن اعتبار الدين الإسلامي دينا إنسانيا حديثا غير متناقض مع اتجاهات هذا العصر الحديث (بل هو أكثرتطابقا مع اتجاهات ما بعد الحداثة).. الاّ أن هناك قضايا تفصيلية تتم إثارتها عادة باعتبارها نقاط تقاطع وتعارض بين الإسلام في أصله وجوهره وبين الحداثة ودالة على وجود حرب وصراع بينهما ، من أهم هذه القضايا قضيتان كبيرتان:

1- مسألة العلمانية وحقوق الإنسان في إطار الدولة الدينية

2- قضية المرأة.

سنفرد لهتين القضيتين أوراقا منفصلة بإذن الله كل على حدى

سامي القريش26/مارس/2009

الحقوق والمؤسسة الإنسانية في الإسلام (مستوى العدل)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحقوق والمؤسسة الإنسانية في الإسلام (مستوى العدل)

الشرع الشريف هو الإطار العام للدين وهو مقرر ومكتمل قال تعالى :"اليوم اكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا"أما الجوهر والمعنى العميق للدين والمضمون فهو ثاو ضمنيا داخل العلاقات الأساسية المضمنة في (لا إله الاّ الله)، وبين مستويي الشرع الظاهري والجوهر الثاوي تكتسب كلمة التوحيد صفة النهج السلوكي الذي يجب أن تسير فيه التجربة الإنسانية متوسلة بوسيلتين تتضامنان وتكملان بعضهما ولاغنى لأحدهما عن الأخرىوهما: العقل والنقل، ولا مجال هنا للتفصيل الفقهي العميق فيما يخص التشريع ومصادره ولكن ننتقل الى مايخصنا وهو الغاية والهدف الإجتماعي للدين: قلنا أن الدين كله مبني على الجوهر الثاوي في كلمة التوحيد إذا فهي البنية الأساسية التي تحدد وتؤسس العلاقات الأساسية للدين وهي:

1/العلاقة الدينية وهي علاقة الإنسان بالله.

2/العلاقة الدنيوية وهي علاقة الإنسان بالكون والآخر.

3/الصلة بين الديني والدنيوي، أي علاقة الإلهي بالبشري.

أولا: العلاقة الدينية تستند على مبدأ أن الله هو الخالق والمالك الحقيقي الموجد والممد للإنسان وهي الرؤية الإيمانية للوجود الإنساني ومن خلالها فإن الإنسان ليس اكثر من عبد ومظهرلتجليات وظهور الله كإله وحيد ورب للإنسان فكل حقيقة وجود الإنسان وتجربته المادية والروحية في الأرض إنما ترجع لمشيئة موجدها سبحانه ، وفي داخل هذا الإطار فإن تجربة الإنسان كلها تتأرجح بين مستويي الإرادة والرضا الإلهيين(وهي رؤية تمثل حلا لقضية حرية الإنسان في الإطار الإسلامي- ارجع لمقالة بعنوان العبد)بمعنى ان كل ما يفعله الإنسان خيرًا أو شرا فإنما يخضع للإرادة والمشيئة ولكن الله يدعو الإنسان أن يختار دائما رضا الله في كل ما يفعل بمعنى أن يسعى ويجتهد للخروج مما يغضب الى مايرضي حتى يفوز بالرضا وهو يبين للإنسان تلك المراضي .الله سبحانه إستند حتى في مستوى العلاقة الدينية البحتة على مفهوم الدعوة بالحسنى والبيان ورفض خيار القهرعلى المراضي بالرغم من أن الإنسان مقهور للإرادة (لاتناقض بين القهر للإرادة وحرية الخيار بين طريقين الخير والشر فحرية الإنسان هي بالضبط تحقق للإرادة الإلهية. فالله سبحانه أراد الإنسان حرا مختارا أما مضمون إختيار الإنسان خاضع لإرادة الإنسان ولكنه كان ضمن العلم الإلهي القديم) حتى يختار الإنسان جانب ربه عن قناعة وحب لاعن قهر. الإطار الشرعي للدين نفسه مبني على هذه الكلمة وهوإطار للدين بمعنى أنه ذو إتجاهين : إطار قانوني وأطار سلوكي: فالإطار القانوني هو الشريعة وهي تشريع يستهدف به الفرد والجماعة على السواء وكل مستوى من مستويات التشريع

هذه هي المؤسسة الدينية في الإسلام وهي مؤسسة روحانية في اتلساستظهر كضمير جوهري للإنسان تنبني عليها علاقته بالله في كل أشكالها العقدية والسلوكية في العبادة والمعاملة والأخلاق، ثم هي مؤسسة معرفية وسلوكية تظهر في شكل ممارسة الإنسان المؤمن لواجبه كداعية الى الله ، وليس هناك في الإسلام مؤسسة دينية بمعنى (جماعة خاصة) تحتكر الله تعالى وتحتكر الدعوة اليه من دون الناس ، ولكن الدين في الإسلام ملك لكل المؤمنين به يساهم كل واحد منهم في الدعوة اليه وإظهاره في نفسه من خلال تحقيقه تطبيقا وسلوكا في حقلئقه الجوهرية وهي القلب والعقل والإرادة إيمانا ومعرفة وسلوكا وأخلاقا .

ثانيا : العلاقة الدنيوية : وهي علاقة الإنسان بالكون المادي الذي وجد فيه وفيه تولد تجربته وتتطور وإذا كانت العلاقة الدينية مع الله تعالى تعتمد الإيمان أساسا لأن الله غيب عن الإنسان فإن علاقته بالكون ستعتمد على العلم والعقل ، والإسلام له تجاه هذه العلاقة رؤيتان :

الأولى معرفية فالإسلام يدعو الإنسان أن يبني علاقته بالكون على أساس مرفي وعقلاني مفتوح يهدف الى إكتشاف حقيقة الكون كمظهر لله ولتجليات أسمائه وصفاته باعتباره(آية)الحكمة منها بيان الحق.

الثانية سلوكية تدعو الإنسان الى التعامل الإيجابي مع الكون من أجل تسخيره وتعميره باعتبار أن الإنسان (خليفة)عن ربه في الكون بمعنى أنه المخلوق الوحيد الذي له حق التصرف في الكون بحكم رتبته الإنسانية.

والكون له مظهران الأل مادي وهو ما يسمى بآيات الآفاق والثاني إنساني ويسمى بآيات النفس ، فعلاقة الإنسان بالكون اتلمادي علاقة تسخير ومعرفة واستمتاع به باعتباره نعمة من الله ، وموقف الإسلام من الكونالمادي يدل على تطور كبير على المستوى الديني واحترام لعقل الإنسان إذا نظرنا الى ذلك في المقارنة مع الأديان الأقل تطورا والتي تقدس الموجودات الكونية وتسخر الإنسان لها ، فالإسلام يحترم العقل الإنساني باعتباره الحاكم على الوجود المادي لذلك نجده يقرر ضرورة العلم التجريبي الذي يؤدي الى إكتشاف خصائص الأشياء المادية بغرض تسخيرها والإستفادة منها وبغرض اكتشاف قدرة الله الظاهرة فيها من أجل تدعيم الإيمان (وبذلك يفتح الباب واسعا لإستيعاب أي تطور علمي وتضمينه داخل السياق الواسع والمنفتح للوجدان والحضارة الإسلامية) وبين الإستفادة المادية والحب والإيمان بالله تكمن متعة الإنسان بالكون . أما علاقته بالكون الإنساني من حوله فلا تقوم على التسخير بل على العكس من ذلك تقوم على الإحترام المتبادل والمساواة فإلى جالنب مبدأ المعرفة واكتشاف قدرة الله الكامنة في الإنسان (وتدخل في ذلك كل علوم الطب وعلم وظائف الأعضاء الى جانب العلوم الفيزيوكيميائية الأخرى)الى جانب ذلك تقوم العلاقة بين الناس على أساس مبدأي العدل والإحسان . وفي اللحقيقة فإن هذين المبداين عامان في الإسلام يستغرقان علاقة الإنسان بالكون كله حتى المادي والطبيعي كله ، فالإنسان يجب أن يتعامل معه وفق هذين المبدأين ، فالعدل فيما يخص الوجود المادي يغني احترام الطبيعة وعدم إفسادها واحترام الغاية منها باعتبارها خلقت من أجل الإستفادة منها في الخير ، أما الإحسان بالطبيعة فيتضمن معاني الرحمة والجمال والإتقان في العمل والحب ، فالإنسان يجب أن يتعامل مع الطبيعة ةفق هذه القيم ، ويظهر مبدآ العدل والإحسان بشكل أجلى في معاملة الإنسان مع الإنسان، والإنسان كموجود كوني يكتسب في الإسلام مقاما رفيعا بحكم تركيبته الوجودية الثنائية : مادية وروحانية، فهو يتميز ويمتاز عن الكون بهذه الخاصية وبهذا المقام وخاصية اكتسبها الإنسان بصفته (إنسان)وحسب بصرف النظر عن لونه أو نوعه أو جنسه أو اثقافته...الخوهو الأساس الذي يقوم عليه مبأ المساواة وهو خاصية التكريم التي تصل الى ادرجة الحرمة في بعض الأحيان ، والإسلام لا يفرق بين البشر الاّ بمعيار واحد وهو (التقوى)وهي تعني فيما يخص العلاقات الإنسانية (إتقاء) الله وغضبه في الناس فالله لايرضى أقل ظلم للإنسانأو أقل أذى له بغير ذنب إرتكبه حتى الكافر(وهو تعبير إسلامي إذا تم تفسيره وفق هذه الرؤية الإنسانية فهو توصيف معرفي أكثر منه موقف صراعي)فالله تعالى لايرضى لحتى الكافر أن يقاتل ظلما الاّ إذا ابتدأ هو بالعداء للإسلام . إذا قيمة إحترام الإنسان كماهو وتكريمه قيمة أساسية في الإسلام ، والناس متساوون فلا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود الاّ بالتقوى، والإنسان بهذا هو عدل اتلإنسان والإستعلاء مرفوض جدا لأنه مقام خاص بالله تعالى وحسب لذلك فإن الإسلام يقيم بناء العلاقات الإلنسانية وما تتطلبها من نظم وقواعد ومؤسسات غلى قاعدة العدل والتسوي وهذا هو الأساس الذي انبنت عليه الشرية كمفاهيم وأسس عامة وكقانون عام وترك للناس أن تفصيل النظم والقوانين الخاصة بحسب مقتضيات الحال والمصلحة(ليس هناك في الإسلام ما يسمي بالدولة الدينية التي تنبني على مؤسسة دينية كنسية تتحتكر الله وتمايز بين الناس على هذا الأساس بل دولة الإسلام دولة مدنية تقوم على الحقوق والواجبات)وعلى هذا الأساس من العدل انبنت التحقوق الأساسية في الإسلام . والعدل هو إعطاء كل ذي حق حقه :فلله تعالى ولرسوله حقوق على المؤمنينوللإنسان حقوقوللمؤمنين حقوق ولكل إنسان في المجتمع حقوق بحيب وضعه داخل منظومة العلاقات الإجتماعية ليس ذلكفحسب ولكن للطبيعة والبيئة أيضا حقوق ، ويتم تنظيم هذه الحقق علاى أساستراتبي خاص يستند على رؤية إنسانية للكون لا تنظر للإنسان الفرد باعتباره مجرد رقم في المجتمع متساوي مع الآخرينكما يتساوى(1=1)هذا تجريد مخل وتسطيح لحقيقة الإنسان ولواقع العلاقات الإجتماعية فالرياضيات ليست هي التي تحكم هذه العلاقات والإنسان ليس كئنا نمطيا مثل الحيوانات ، وبالرغم من أن جميع البشر يشتركون في الخاصية الاثنائية (المادةو الروح)وهي التركيبة الجوهرية للإنسان بل يشتركون مع بقية الكائنات الأخري في الخواص الفيزيائية والأحيائية العامة الاّ أن كل فرد من أفراد النوع الإنساني بصمة لوحده لاتكاد تجد إثنان متطابقان تمام التطابق وهذا هو معنى الفرد والفردانية في الإسلام، وإذا كان هذا الإختلاف والتعدد ظاهر على المستوى الطبيعة الحيوية والفيزيقية للناس فهو أظهرأكثر على مستوى أوضاعهم النفسية وأكثر من ذلك أوضاعهم الإجتماعية والثقافية ، ولكن الإسلام ينظر للفرد الإنساني كلبنة في بناء إجتماعي متكامل ومتماسك ، ولأن وجوده ضروري لأداء دور ضروري متكامل مع أدوار الآخرين فإنه متساوي معهم بهذا الإعتبار (نلاحظ أن هذه الرؤية الإنسانية تستوعب كل الحقول البمعرفية والعلمية والتي توصل اليها العلم وتتجاوزها الى نسق معرفي وعلمي جديد يقوم على تعددية المداخل في النظر الى الكون والإنسان)لذلك فإن الحقوق تنظم بين الناس على أساسين هامين:

1-حق الإنسان كإنسان.

2-حقه بحسب وضعيته الإجتماعية الواقعية التي هو عليها واللازمة للتماسك الإجتماعي(أي الشخصية).

إن الجور على حقوق الآخرين ظلم عظيم يعاقب عليه الجائر عقابا عظيما ، وحرية الفرد تتوقف فقط عند حدود حرية الآخرين ، أي إذا تحولت الى ظلم ، وعند هذه الحدود يقف الإسلام بالمرصاد أكثر من ذلك فإنه يسميها حدود الله بما يعني أن التعدي عليها جريمة تكاد تضع صاحبها في عداوة مع الله.

ثالثا: الصلة بين الإلهي والبشري في الإسلام

الإسلام و المؤسسة الديمقراطية

بسم الله الرحمن الرحيم

الإسلام و المؤسسة الديمقراطية (1)

الآن وأكثر من اي قت مضى يحتاج المسلمون لمراجعة مواقفهم وأوضاعهم المعرفية والسلوكية التي تفسر رؤيتهم للوجود(اقصد الرؤية التي شكلتها ظروفهم التاريخية والعقدية والسلوكية والتي تراكمت عبر تاريخهم والتي انتجتها تجربة التفاعل بين الدين في نصوصه ومصادره الأسا سية وبين التجربة والإرادات البشرية للمسلمين)وهم بذلك يحتاجون لبذل جهد معرفي أكبر وجبار تجاه إستعادة الرؤية النقدية والفكرية والعقلانية للوجود والكون وحتى الدين والتي لم يحرمها الله بل حث عليها كما ذكر في كتابه الكريم:"وقل انظروا ماذا في السموات والأرض" والنظر هنا بمعني التأمل العقلي والتفكير المنطقي في الوجود،هذه الرؤ ية التي تم تصفيدها في التاريخ المعرفي والسلوكي للمسلمين بفعل قوى معينة ولأغراض معينة لإفساح المجال لسيادة الرؤية الجبرية الإستسلامية التي تجعل المؤمن كالبريء المحكوم عليه بالسجن المؤبد حتى تثبت براءته في خاتمة المطاف والتي تخلق حالة من الإستسلام للقدر المتمثل لافي قدر الله تعالى ولكن قدر القوى المتسطة وفرض رؤيتها بديلا عن الرؤية الإلهية وبإسمها...

لابد من بذل الجهد المعرفي للتمييز بين الإلهي والبشري في الإسلام والحكم على كل جانب بما يستحق حتى يستطيع الإسلام كدين وكرؤية كونية وكسلوك بشري أن يلعب دوره الصحيح في عالم اليوم. لقد وصل الإسلام الى القرن الواحد والعشرين على يد المسلمين وحالهم أنهم عاجزين تماما ليس على المبادرة الإيجابية والإضافة بل حتى على مواكبة التحديات والتعايش معها المتمثلة في القوة الإقتصادية والتاثير والحداثة التقنية والمعرفية والثقافة أكثر من ذلك فأن الإسلام عند بعض اهله ينتكس ليعبر عن روح الإنهزامية والإنكفاء والتقوقع بل التخريب... .أنا لست مع الرأي الذي ينفي وجود الإلهي كفعل وتأثير واقعي في التاريخ(وهو رأي علماني مادي يحيل كل ماحدث منذ لحظة الوحي وحتى الآن الى أسباب بشرية وناريخية ، ويفسر الإحالات الإلهية في التاريخ إما لإعتبرات أيديلوجية سياسية مقصودة()او باعتبارها أسطورة شعبية ، هذا الرأي يستند على رؤية مادية أما تاريخية(الماركسية)أو وضعية(العلمانية الغربية) ولاتستطيع أن ترى التاريخ كحقيقة(إنسانية)لا أعنى بشرية وحسب ولكن إنسانية بأبعادها المتكاملة المادية والروحية على السواء، ولاتستطيع أن تؤمن بالغيب.

الإسلام حقيقة تاريخية وحقيقة واقعية تجمع بين ماهو إلهي في التجربة متمثل في الوحي بجانبيه المباشر في القرآن وغير المباشر في أقوال النبي وأفعاله الثابتة تاريخيا وهي حقيقة واقعية باعتبار إستمرارتاثيرها الروحاني على البشر،وبين ماهو بشري يظهر بحكم الأغراض البشرية والمصالح المادية الدنيوية. فهوبذلك دين وتاريخ ودنيا. فما كان دينا ووضعا الهيا يجب ان يحكم عليه بحسب وضعه ووفقا لشروطه الخاصة ، وما كان عملا دنيويا وفعلا بشريا يجب ان يحكم عليه بحسب الشروط الموضوعية العقلانية التي تحكم أفعال البشر في التاريخ الدنيوي. والمشكلة تكمن في الإلتباس التاريخي الذي حدث ويحدث بين ماهو الهي وماهو بشري ، فما هي الحدود بين البشري والإلهي ؟ أو ماهي حدود الدين وحدود الإسلام؟ومتى يمكن أن ننسب فعلا إنسانيا ما الى الإسلام ونسميه إسلاما ويكون ذلك صحيحا ؟ ومتى لايمكن؟

حتى نستطيع تحديد هذه الحدود بدقة لابد أولا من الحديث عن الإسلام وتحديد مفهومه الأساسي وقد تحدثت في ورقة سابقة عن مدى حرية الإنسان وعن الإسلام باعتبار إستهدافه لهذه الحرية، هنا أريد الحديث عن الإسلام في سياق علاقته بالمؤسسة الزمنية في مفهومها المطلق وأعني بهذه العلاقة تحديدا كقانون عام يحكم علاقة الإنسان بالله من جانب وبالكون من جانب آخر وتماس هاتين العلاقتين من جانب ثالث .ومن ثم تنزيل هذه العلاقة الجوهرية كقانون عام وهو الشريعة والقضايا المتعلقة بها خصوصا قضية علاقة الإسلام كدين بالدولة وقضية الديمقراطية.

الإسلام كمفهوم شامل وكقانون الهي يريد أن يحكم الفعل الإنساني عموما وإطلاقا على مستوييه الرؤيوي والسلوكي تأسيسا على مبدأ التسليم الكامل لله باعتباره الخالق والمالك الأصلي والمتصرف في الوجود الإنساني . هذه الرؤية تدخل التاريخ البشري والإنساني على أساس الإدراك الصحيح والإحترام لقوانين التاريخ والصراع البشري التي وضعها الله سبحانه وتعالى والتي تقوم على مبدأإتخاذ الأسباب الموضوعية وتعدد واختلاف غايات هذا الصراع بين البشر الذي يتجسد في المصلحة الذاتية الضيقة وسيادة الأنا على الكون وتحكم الغرائزالدنيا المسماة بالهوى وبين الخير الذي يتجسد في العمل من أجل المصلحة العامة وخير الإنسان كإنسان وحسب.وبين هذين القطبين الجوهريين تتعدد وتختلف مقامات ودرجات الفعل الإنساني معرفيا وسلوكا ومصلحيا تعددا فائقا وكبيرا والحاكم على ذلك قوانين التطور الإنساني التي تقوم على مبدأي المعرفة واختيار الأصلح،والدين يريد في هذا السياق تصحيح الرؤية المعرفية وتصحيح السلوك الإختياري للإنسان ليتماشى وفقا لهذه القوانين الكونية.

ورفضا لأسلوب الفهر والجبر تتخذ هذه الرؤية الإلاهية في علاقتها مع التاريخ البشري اسلوب الدعوة بالحسني وبالجاذبية السلوكية المتمثلة في ضرب المثل الأعلى والقدوة الحسني والحكمة من ذلك الإدراك الدقيق لطبيعة النفس البشرية التي ترفض التعامل مع أسلوب القهر ولا تخلص لقاهريها حتى ولو إستسلمت لهم.

وبالرغم من مبدأ القدوة والدعوة فأن الإسلام يعول أساسا في اختيار الطريق السليم على مبدأ المعرفة الكونية التي تؤدي الى الإدراك الدقيق لطبيعة الأشياء ومن ثم الإختيار الصحيح، لذلك فهو يحث على العلم إطلاقا عن طريق وسيلتين جوهريتين وهما (التعلم)و(التدبر) بمعنى إتخاذ أسلوب (أكتساب) العلم والمعرفة بشتى الوسائل الى جانب أسلوب (إنتاج)العلم والمعرفة بشكل أصيل . والإسلام يستهدف بذلك كما قلنا تصحيح رؤية الإنسان للوجود ومن ثم تصحيح سلوكه مع هذا الوجود.

العبارة الجوهرية التي تتأسس عليها هذه الرؤية الإلهية والتي تتنزل وتتفصل في الوحي القرآني والنبوي والذي يراد له أن يصبح دستورا للوجود والسلوك الإنساني هي(لاإله الاّ الله) والمسماة بالشهادة او هي جوهر الشهادة التي تنطق باللسان كإعلان للدخول في الدين أما الشق الآخر منها (محمد رسول الله) فهو مظهر للشهادة وطريقها ولون للدين ومذهبه وهي العبارة التي تميز الإسلام عن غيره كدين محمدي.

لاإله الاّ الله هي دستور الإسلام والنظام الأساسي فيه وعليها تتأسس كل قواعد الدين في العقيدة وفي العبادة وفي المعاملة وفي الأخلاق. والقضية الأساسية في الدين هي قضية الإيمان وهو مفهوم شامل يبشمل الى جانب الإيمان بالغيب طريقا مستقيما به يتحول الدين من مراد الهي الى مراد وهدف إنساني بمعنى أن تصبح تلك العبارة الجوهرية هي قضية الإنسان وضميره الحي الذي منه تنطلق كل حركته الوجودية والسلوكية واختياراته الدينية والدنيوية والمعول الأساسي ان يختار الإنسان ذلك بقناعة معرفية وإيمان قلبي وصدق وحب وجداني وروحاني متين، لذلك فهناك تمييز بين مستويين للإسلام :الإسلام بمعنى النطق بالشهادة والدخول في دائرة المسلمين، والإسلام بمعنى التحقق الكامل والصادق بمعاني لاأله الاّ الله وهذه متروكة للتجربة الروحية للإنسان في تاريخه الخاص وعلى التجربة المعرقية وتطبيقها في التاريخ العام ، وهي تعول على الصدق والإخلاص والمعرفة العميقة.هذا الفهم يدعو الى تغيير جوهري في المفهوم الذي ترسخ عبر التاريخ في أذهان الناس عن الدين باعتباره شرعا ربانيا قاسيا على الإنسان أن يخضع له بصرف النظر عن وعيه ووجوده ومصالحه الدنيوية وتجربته الروحية وهذا يحول الدين الى عبء إجباري يمارسه الإنسان مكرها وبغير حب. الإسلام يريد أن يعطينا مفهوما جديدا للدين ليس باعتباره قرارا فوقيا جبريا ولكن باعتباره ضميرا إنسانيا واعيا ونابعا من روحه ينطلق منه وعيه وفهمه للوجود وينطلق منه سلوكه وأخلاقه قال تعالى:"لكم دينكم ولي دين" وفي داخل الحدود التي قررها الشرع وألزم الإنسان المسلم الذي إختارها طوعا تتسع المساحة الشاسعة للفعل الإنساني للإضافة والتصحيح والتجديد ويتم إغناء الدين بإستمرار وإثراؤه . ولكن ماهي هذه الحدود ؟ وهل معنى إعتبار الدين ضميرا إنسانيا أن يترك الإنسان على هواه فيغير فيه ما يشاء ؟ هذا بالضبط معنى الحدود : على الإنسان الاّ يتعدى حدود الله في تجربته التاريخية والروحية لإغناء الدين لينسب إلى الدين ماأنتجته تجربته الخاصة ليستعير قداسة الدين ليقدس نفسه وعمله ولا أن ينسب لنفسه الدين ليحتكره ويحتكر فهمه وتفسيره من دون الناس ليتهم الآخرين المخالفين له بالخروج عن الدين ، فحدود الله تعالى هي الحد الفاصل بين ما أتى به الله في دينه قرآنا ونبيا وبين أفعال البشر وأفكارهم فكما قالوا فإن كل إنسان يؤخذ منه ويترك إلا الله ورسوله

الجمعة، 21 أكتوبر 2011

سياحة روحية في مواجيد الإمام أبي العزائم بقلم: سامي عثمان القريش 2003

إضاءة

الحمد لله الأول والآخر والظاهر والباطن البديع المبدع ، الذي أشرقت أنواره فأضاءت كيان الوجود فتلألأ بدرر أسماء الجمال والكمال التي كانت ظلالا للجمال المطلق، جمال الذات الأحدية القديمة التي هي نور النور. والحمد لله القائل في كتابه العزيز):فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين) الآية.

والصلاة والسلام على بيت الله المعمور بالله ونور الله الدال على الله زيت مصباح الزجاجة والسراج المنير سيدنا ومولانا محمد وعلى آله سرج الهدى ومصابيح الإهتداء،وأصحابه النجوم الزاهرةالذين بأيهم اقتديتم اهتديتم كما قال صلى الله عليه وسلم..ورضوان الله الأكبر يغشى روضة إمامنا ومرشدنا الإمام المجدد السيد محمد ماضي أبي العزائم الروح المنطلقة في الوجود ومشكاة أنوار الجمال المحمديّ والهادي إلى سراط مستقيم والقائل رضوان الله عليه:

رأيت الجمال أراني الجميل فوضح جلّ إليه السبيل

ومتعنا الله تعالى وأدام لنا متعة مطالعة الجمال البهيّ في الوجه والروح والذات إسما ووصفا لسماحة سيدي العارف بالله الإمام السيد محمد علاء الدين ماضي أبي العزائم، وأدام لنا صحبة ورضا أستاذنا ومربي أرواحنا سماحة سيدي الشيخ سيف الدين الشيخ محمد احمد أبي العزائم صورة الأسرار ومرآة الأنوار المحمديّة الماضويّة العزميّة .. وبعد

فإنّ الإبحار بالروح في بحار المواجيد العزمية سفر لا نهائي الى العيون حيث منابع السحر والسكر والجمال ، سياحة في فضاء جمالي لانهائي تتفجر فيه الأنوار في مشارقها الأولية حيث بداءة الروح قبل أن تتخلق فتكون فتمازج حمأة الجسد الأولى فيكون المشهد الجمالي الأول الذي أسجد الملائكة-وهي الكائنات الروحانية-إنبهارا بعبقرية الإبداع الإلهي وعجزا عن إدراك كنه حكمة الخلق والإبداع. بل هي غياب كامل وفناء الذات وعن سياحتها في الغمر المطلق للأنوار القديمة التي هي قبل لروح ، فناء عن الذات حيث يغيب التعبير وتسجد الكلمات والمباني وتسجد الإشارات والمعاني.

إنّ حقيقة المعرفة هي إطلاق للروح من معاقلها الى فضاء الإطلاق الجمالي ، وما الحس بمقتضياته من شئون الحياة والعقل بمقتضيات الإدراك والعلم، والشعور الاّ معابر-إذا تدبرت-للروح تعبر فيها وفوقها الى عوالمها الخاصة .وماخلق الإنسان الاّ لهذا، عليه أن يكابد وعورة الطريق عبر مراحله المختلفة: مرحلة الحس المادي وغرائز الحياة ،الى مرحلة الإدراك العقلي والسمو الى الحياة العقلية من المعرفة والعلم والثقافة، ثم الى مرحلة الشعور بالوجود والفضاء الكوني والسمو الى حياة الشعور والشفافية ،ومن ثمّ الإنطلاق بالروح وفك كل تلك القيود الىفضاء الجمال فيكون الوجود كله أمام الروح لوحة ومشهدا تشهد فيه معنى ويكون المعنى مرآة تتواصل فيها مع الروح حينما ترى أصلها في مرآة المعاني فلاترى في الوجود والكون الاّ الروح الأصلي فتأنس بهذا المشهد وتغيب عن نفسها في سعادة غامرة هي سعادة الوصول:

تحنّ الروح للعليا وتهوى منازل أنسها بعد البيان

وحينما تصل الروح الى غايتها تعلم حقيقة أصلها فتشرب من هذا الكأس حتى الثمالة :

وتسعى باشتياق نحو أصل لتشرب من رحيق في الدنان

ثم بعد الصحو تعود الروح لأداء رسالتها فتفضض فضاء الكون من جديد وتملأه بالأنوار بعد أن بدلت وشربت وتلونت بلون الجمال الأصلي الذي هو الغاية الكبرى للوجود.

فالمتأمل لقصيد الإمام أبي العزائم والمتواجد مع هذه المواجيد المتمايل معها طربا ، لايرى في هذه القصائد الاّ إبحارا في محيط الجمال الإلهي الظاهر والبادي في الوجود ، بل شراب من خمر هذا الجمال حتى تشرق الروح بهذا النور وحتى تتبدل النفس وحتى يظهر التبديل في الإنسان فيكون جميلا جمالا حقيقيا ذاتا ووصفا ومظهرا وجوهرا...فقضية الجمال عند الإمام أبي العزائم رضي الله عنه هي القضية الأساسية-عند المتأمل- تكاد تستغرق كل آثاره خصوصا الأدبية منها نظما ونثرا ،وهنا نجد الإتساق الكامل في هذه الآثار الأدبية بين المبنى والمعنى أو كما يسمى الشكل والمضمون، فالجمال يحيط بهذه الآثار إحاطة تامة فالشكل جمالي نجده في لغته وفي أسلوبه وفي موسيقاه وفي أوزانه وفي أخيلته وتعبيراته وفي جزالته وتماسك معانيه. والمضمون جمالي نجده في معاني الأبيات وتنسيقها وفي فكرتها وغايتها إجمالا وتفصيلا ،والروح الشعري روح جمالي متكامل ينفذ اليك عبر الكلمات والتعبيرات والخطاب ليسري في تفاصيل روحك فتكون هذه التعبيرات الجميلة جسورا للتواصل مع روح الإمام المنطلقة في فضاء الوجود. فلا تكاد تطالع قصيدة من هذه القصائد الاّ وتشهد صورة الإمام وروحه أمامك فهو يجمع في أسلوبه بين الخطاب والتعبير الذاتي فيحول القصيدة الى مرآة شفافة تضعك أمامه مباشرة حيث تواجه الروحُ الروحَ بدون حجاب:

قد كنت أشهد فيّ قبلا هيكلا أعضاؤه قد سخرت لمرام

حتى لقد ظهرت شموس نعوته منه بسر تنزل العلاّم

فرأيتني بيت الجميل مجملا من يأته يتحلىّ بالإحرام

لذلك فإن هذه القصائد العزمية يصعب أن تصنف ضمن الشعر بقواعده وقوانينه الصارمة وقوالبه الجاهزة الجامدة التي تصلب القول وتقيدالروح وتحدد المعاني الشيء الذي يحول الشعر الىصناعة وحذق أكثر من كونه تعبيرا عن الروح . ولكن قصائد الإمام معابر للروح الى فضائها الخاص ، لذلك نجد الإمام أبو العزائم رضي الله عنه برغم صيانته لقواعداللغة وحراسته لشرفها ورفعتها الا أنه لم يستهدف في الأساس العمل اللغوي أو صناعة النظم بقدر ما كان يستهدف توصيل المعاني وربط روحه بروح قارئه من أجل ربطها بسماء المعاني الشفيفة وصبغها بلون الجمال المكنونفي الرسالة والدعوة العزمية، لذلك تراه لايعتبر هذه القصائد شعرا بل هي كما أسماها (مواجيد) تعبيرا عما يجده في القلب من تقلبات الروح في سماء المعاني ، أو هي الخمر يحتسى في الوجود كما قال:

ليس شعرا ما قلت حال شهودي بل هو الخمر يحتسى في الوجود

فمواجيد الإمام أبي العزائم ليست جهدا فكريا يبذله بعقله ولالغويا يصوغه بحسب قدرته في اللغة ، وإنما هي الهام عرفاني يفاض علىقلبه بقدر صفاء الروح فينطلق به لسانه إنطلاقا حرا يبدأ من حيث يبدأ وينتهي حيث ينتهي ، وقد يتوقف الفيض عند شطر غير مكتمل ولايهتم بعد ذلك بإكماله بل يعتبره عطاء الهيا توقف عند هذه اللحظة لايلبث الاّ ويسترسل في قصيدة جديدة ، وهذا يفسر الكم الهائل لأعداد القصائد التي تصل الى مئات الألوف مما يدل على أنها إمدادوسيل لاينقطع الاّ ويسترسل ليكاد لايمنح حتى فرصة الكتابة والصياغة والتمحيص كما يفعل الشعراء عادة بل هوإملاء مستمر لقصائد تكاد تكون مكتملة الصياغة والجمال تملى جملة واحدة بدون مراجعة.

والإمام في هذه المواجيد يعبر عن فكر راقي ومتكامل وشمولي يدل على قدم الوراثة العالية للرسالة المحمدية، ومن هذا المنطلق يتجلى تميزالفكر العزمي باعتياره فكرا جماليا خالصا بحكم المقام المحمدي الذي هومقام الرسالة الجمالية والرحمانية في الوجود والتي ماجاءت الاّ لتخلص الوجود من شقائه الجلالي لتزج به بحار من الجمال الإلهي والرحمة الإلهية الأزلية واللانهائية . الاّ أن هذا الفكر الجمالي الخالص هو في حقيقته فكر رسالي بحكم الرسالة المحمدية، بل إن هذه الجمالية في الفكر لاتظهر بصورتها الحقيقية الاّ من خلال رسالتها الدعوية ، فإن الجمالية العزمية ليست جمالية تهويمية محلقة في فضاء سماوي لاعلاقة له بالأرض والحياة ومايدور فيها ، ولكن الجمالية العزمية تجمع بين الطرفين أي الجانب الروحاني الخالص المسمى بأحمدية الرسالة أو المقام الأحمدي والجانب الدعوي والرسالي المسمي بالمقام المحمدي . وفي الحقيقة فإن الأمام أبو العزائم يختلف عن أولئك الفلاسفة الذين نظروا للجمال نظرات سطحية أو أحادية أوأيديلوجية ، فمنهم من نظر الى الجمال باعتباره شكلا خالصا ولم يهتم بالمضمون والغاية الإجتماعية والروح الجماعي للجمال ، فمهد لظهور حركات جمالية شكلانية خالص إتسمت بسمة (الموضة) والإشباع اللحظوي ، وهذه إرتبطت بالحركات الإجتماعية الرأسمالية والأرستقراطية الأوروبية ومنهم من نظر للجمال باعتباره زيفا حضاريا وبناء فوقي للرأسمالية والإقطاع ونادى بتحطيم الجمال الزائف ونادى بأن الجمال الحقيقي هو الجمال المرتبط بعملية الإنتاج الإقتصادي والإشتراكية. كل هذه الحركات والفلسفات نظرت للجمال من وجهة نظر محددة ومن جانب معين تبعا لمصلحتها االدنيوية والإقتصادية والإجتماعية. الاّ أن الإمام أبي العزائم وهو ينتمي في فكره الى العقيدة والفكر والفلسفة الإنسانية وهي فلسفة متكاملة ذات رؤية شاملة للوجود، يضع لنا تصورا متميزا للجمال ساحاول في الامستقبل إبرازه في دراسة تفصيلية لتراث الإمام ولفكره الجمالي ، المهمأن هذا التصور مستمدمن العقيدة الإسلامية الحقة التوحيدية التي تجمعبين الوجود الإلهي وهو وجود مطلق وقديم ، وبين الوجود الكوني وهو وجود محدث ، والعلاقة بين الوجودين ليسنت هي الإنفصال الكامل ولا الغتحاد الكامل فالله سبحانه وتعالى واحد أحد وهو مطلق لايحده زمان ولامكان ولايحيط به شيء وهو محيط بعلمه بكل شيء، وصلة الوجود الكوني المحدود والنسبي بالوجود الإلهي المطلق هي صلة الظاهر بالخفي والمشهود بالغيبي والظاهر بالباطن ،وهي صلة (دلالية) بحكم الخلق وبحكم كون الوجود أثر للموجد فهو دليل عليه فهذه الصلة تجعل الباطن ظاهر في الظاهر بحيث يكون الوجود مظهرا للموجد ، وهذه الصلة تسمى عند الإمام أبي العزائم ومن ورائه الفكر الصوفي الإشراقي والفكر الإسلامي عامة (بالتجلي)فالإمام أبو العزائم لايؤمن بفكرة وحدة الوجود التي تعني الإتحاد الكامل بين الوجود والموجد وحلول الله في العالم ، ولا يؤمن بالإنفصال الكامل التي تلغي الوجود الإلهي لصالح المادية المطلقة ، فكلتا الفكرتين أحادية غير توحيدية ، ولكن الإمام يؤمن بالفكر التوحيدي الذي يميز بين الخالق والمخلوق والعابد والمعبود فهما منفصلان بحكم الوجود ومتصلان بحكم علاقة الخلق والإحتياج فهي فكرة توحيدية من حيث تفريد الحق عز وجل بالصفات الواجبة له في العقيدة الإسلامية، ولكنها تؤمن بالمثنوية (ليست مثنوية الإله ولكن مثنوية العوالم) ومن ثم بتعدد الوجود ، وهو تعدد يبرز ويجلي واحدية وأحدية الحق من ورائه وفق علاقة التجلي والظهور والدلالة(تجلي الواحد في العدد، وتجلي الأحد في الواحد) ..

والفكر الجمالي عند ال‘مام أبي العزائم يستمد من هذه العقيدة ، فالله سبحانه وتعالى هو الجميل المطلق الجمال وهومنبع الجمال في الكون ، لنه أول ما تجلى في الوجود تجلى بالجمال وجعل الجمال في الكون لحكمة تؤدي في خاتمتها الى الجمال المطلق ، وحينما تنزل هذا الجمال من إطلاقه وأحديته ىالى الوجود المتعدد تجلى أسماء كثيرة ومتعددة إسمها أسماء الجمال وهي التي تفسر مظاهر الوجود الكوني كله ، لذلك فإن التأمل في الوجود وفي المظاهر الكونية إنما هو سياحة في ملكوت من الجمال المطلق والجمال الإلهي .. وهذا الجمال ظهر في الكون في مستويي الإجمال والتفصيل ، فيمكنك أن ترى الجما لفي كلية الوجود كله تعبيرا عن الجمال والنور الإلهي ، ويمكنك أن تراه في كل تفصيلة من تفاصيل الوجود . لذلك فإننا نرى أن الإمام أبو العزائم يلخص هذا الفكر الجمالي في مفهوم الكمال فالجمال إنما يتجلى في الكمال ، وبهذا حتى يدخل الجلال والقبح والشر الموجود في العالم تحت مظلة الجمال الإلهي ، وهذا لا يعني تصالح مع هذه الصفات وإنما الجمال يأتي من كونها مثل أنبوبة الإختبار لإظهار الصفات الحسنة والجميلة في الكون(الضد يظهر حسنه الضد) فهي تخدم الجمال أيضا فتكامل الصفات القبيحة عند البشر والجلال الموجود في الكون مع الصفات الحسنة والجمال إنما يبرز هذا الجمال الكوني الشامل والمطلق .

إذاً عند الإمام أبي العزائم فإن أهم مظهر للجمال بل المظهر الاساسي هوالكمال ، وكمال الوجود إنما يظهر قدرة الحق المطلقة وإبداعه الذي خلق وجودا متجانسا متسقا بهذا القدر حيث لاترى فيه عوجا ولا أمتا، يقول الحق عز وجل:"فارجع البصر هل ترى من فطورثم ارجع البصر كرتين ينقلب اليك البصر خاسئا وهو حسير" الاية..

لذلك فإننا نرى أن الإمام أبي العزائم يكثر من الحديث عن التجانس والإتساق فهويعلي من مفهوم (النسق) باعتباره مفهوما جماليا خالصا ، فاي شيء لا يكتسب جماله وصلته بالحق عزوجل الاّ من خلال كماله واتساقه ، أي تكامله واتساقه مع نفسه وأجزائه وتكامله واتساقه مع الوجودالكوني من حوله بحسب رتبته ومكانته في هذا الوجود ،وبحيث ينسجم مع منظومة الإتساق الكلي للوجود ، وهي سنة الله في خلقه، وخير مثال برز لناهذا الفكر الجمالي عند الإمام أبي العزالئم هو قصيدته (الآثار):


أسمعيني أيها الآثار لحنا بيني لي الغيب آيات ومعنى


قد أرى إتقان صنعك ثم شكلا وانتساقك في ظهورك ثم مبنى

فيك يا آثار ما حيرني قدألحت الحسن ياآثار لونا

بيني ما فيك من غيب علا جذبة حتى به آثار أفنى

رتلي الآيات فيك تلوح لي كرري التبيان ياآثار مثنى

أظهري الغيب المصون مشاهدا كي بنور الوجه ياآثار أهنى

رب أبدعت العوالم حكمة كي نرى غيبا به نحيا ونهنا

كل شيء جاذب لك منبيء كوننا عنها بها لي قد تغنى

غن لي ياكون أسمعني عسى ان أنيل جماله إنسا وجنا

ان أمكن باليقين وان أرى نور وجه قد يريني الكون حسنا

وسعن لي الخير من فضل هدى أشهد الأخفى بفضل الله عينا

واغفرن لي واعف عني رضني فالعبُيد الى رضا الرحمن حنا

وارض عني وامنح الأولاد خيرا يا مجيب السؤل كي أهنا وأغنا

والواقع فإن الإمام ابو العزائم يعبر عن فكرة(النسق الجمالي) الذي هو المظهر المادي للجمال ليس باعتباره غاية في حد ذاته ، بل عند الإمام ابي العزائم فإن الجمال نفسه ليس غاية إنما القضية هي قضية طريق يمر عبر مراحل نعبر فيه من مظهرللجمال الى الجمال الظاهر فيه ، وممن الجمال الى الجميل الذي هو منبع ذلك الجمال (نلاحظهنا الجميل ليس هوالنسق الجمالي وإنما الحميل هو الحق عز وجل ،والنسق إنما يقوم مقام الرمز إو المثال لجمال الحق كما سنبين ذلك)

إذاً فالضية هي قضية رسالية في المقام الأول ، والجمال عند الإمام أبي العزائم ليس من أجل الجمال كما روج فلاسفة الجمال الأوروبيون ، ولكن الجمال من أجل الحق ، والجما ل هو لوجه الله تعالى، فهي رسالة دعوية ذات طريق جمالي ، لذلك فإننا نجده عبر عن ذلك النسق الجمالي باعتباره (مثالا)، فالمثال هو النسق منظورا اليه من ناحية غايته الرسالية الدعوية ، والغاية من ذلك أن يحقق – أي المثال- وصل (الرائي) الذي هو الإنسان – مستهدف الرسالة والدعوة – (بالمرئي) الظاهر في المثال والذي هو الجميل الحق وهو الله تعالى. فالمثال إذاً هو الرابط في العلاقة الجمالية بين الإنسان والله. والمثال قديحقق عملية الوصل والربط أو لايحققها ، بمعنى أنه قديكون(صلة وصل) او (صلة قطع) بحسب إستعداد الرائي للرؤية، فالمرئي ظاهر في المثال ولكن هل الرائي يرى؟ إذا المثال الذي يمثل مشهدا يحتاج لرؤية نافذة من المشاهد للنفاذ الى ماوراء المشهد من المعاني النورانية والحقية هو حقيقته(حجاب) بين الإنسان المشاهد والله المشهود، هذا الحجاب يمكن أن يرفع تماما من عين المشاهد فر يرى لحظتها الاّ الوجه المقدس. ومابين رؤية الحجاب وغيبة الوجه(وهو مايسمى بالتحجّب) وبين رؤية الوجهالجميل سافررا تكمن مقامات الرؤية بحسب شفافية الرائي واستعداده. وفي الحقيقة فإن الرائي عند الإمام أبي العزائم هو مثال أيضا يتجلى فيه الجمال بصورة أكبر ، بل أكثر منذلك فإن الإنسان عند الإمام أبي العزائم هو المثال الأمثل،وهذا هوالجانب الثاني لهذه الرؤية والغفكر الرسالي ، فغاية هذا الفكر هوالوصول الى أنقى وأصفى صورة للمثال حتى تظهر أصفى صورة للحق وهي صورةالرحمن، أو مايسمى عند الإمام أبي العزائم بالمثال المحمدي أوالصورة أوالحقيقة المحمدية للإنسان. فبحكم كون الإنسان مثله مثل بقية الوجود هو أثر للموجد سبحانه يكون (مثالا)، وبحكم كونه مركزدائرة هذا الوجود الكوني فإنه المؤهل ليكون أصفى صورة للمثال ، عندها تكون الرؤية الجمالية رؤية بين المثل : بين الإنسان وهو المثال الراقي للوجود الإلهي وبين الوجود الكوني ، يرى فيه الإنسان ذاته كجمال إلهي صرف ويرى من خلال ذلك جمال الوجده طاغيا بنوره على الوجود وعليه ، فلا يرى عندها الاّ الجميل سبحانه .. والإمام أبو العزائم يمثل هذا الأمر بالمرآة والمرآة من الرؤية ، فالإنسان مرآة الوجود الكوني والوجود مرآة الإنسان، وعند تلاقي المرايا والمرائي لاينجلي الاّ الجمال المطلق ، يقول تعالى :"وفي أنفسكم أفلا تبصرون"

وأصفى مثال للجمال الإلهي على الإطلاق بحيث ينجذب نحوه الوجود كله المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي هو المثال الإلهي النقي الذي لاتشوبه أية شائبة فلا يظهر فيه الاّ النور الخالص. والله سبحانه وتعالى عبّر عن فكرة المثال هذه في سورة النوروهي أرقى صورة جمالية في سورة قرآنية ، يقول تعالى :" الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لاشرقية ولاغربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء.."

وفي إعتقادي أن هذه الاية الكريمة هي المرجع الذي يرجع اليه كل هذا الفكر الجمالي العزمي. إن الغاية من هذا الفكر الجمالي ليس الغرق النهائي في مشاهد من الجمال المطلق والبقاء في سموات شاهقة بعيدا عن واقع الحياة الإنسانية، ولكن هذا الفكر كما ذكرت هو فكر رسالي في المقام الأول جمالي من حيث لونيته ولكن الغاية منه دعوية تستهدف تخليص الإنسان من شوائبه وقبحه وتنقيته بعد غسله في بحار من الجمال الإلهي ومن ثم إعادته روحا نقية جميلة لتساهم في تصفية وتنقية الوجود الأرضي والواقع الإنساني وذلك بمساهمتها في نشر الجمال والنور الإلهي في الوجود، بل فتح الأعين المغلقة والمحجبة لترى تلك الرؤية الجمالية . وهذا الدور الرسالي للجمال يتحقق عبر تحقيق المثال المحمدي والرسالة المحمدية كرسالة جمالية أمام الوجود كله وذلك عبر تطبيق مستوييها الشرعي والذاتي في النفس الآفاق ..

تجليات تعبيرية وأسلوبية:

هذه الروح العزمية المنطلقة في الوجود ، التي إغتلست بماء الغيب وتطهرت بطهور القدس وشربت من رحيق القرآن فسكرت بشراب الصفات القدسية فاشرقت عليها شمس جمال المحبوب فتجلت في مرآتها صورة الوجه ، هذا في مقام جمعها وتلوينها ، عادت بعد تمكينها لتعبر عن تجربتها وتصف الطريق لمن تهيموا وشغلهم الوجد والشوق الى لقاء محبوبهم ومشاهدة جمال وجهه والتمتع بمتعة النظر اليه عما سواه، ولكن كيف السبيل الى التعبير والتجربة تفوق الخيال والعقل واللغة ، بل تدق عن النفس وعن الروح ، لأنها تجربة في فضاء الإطلاق الذي لاتصفه العبارة ولاتحدده الإشارة .لاسبيل الى ذلك الاّ بوصل الروح مع الروح ، ومواجهة القلب السليم من الأغيار مع القلب السليم، وفي الحقيقة فإن قصائد الإمام أبي العزائم لايصل الى عمق معناها وذوق صافي شرابها الاّ قلب خلص مما سوى محبوبه وروح راقت لراحها:

فلا خمر ولاقدح إذا عاينت إصلاحا

أما غير ذلك ، فإن هذه القصائد رموز وكنوز وطلاسم وألغاز، لاتفك الاّ لمن نظرت له عين العناية ، وجذبته جواذب المحبة الخالصة ، لأنها تعبير عن الروح قبل الفكر وعن المعنى قبل المبنى ، والروح نفسها طلسم عصي عن الفهم :" يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي" الآية.. فهي من عالم الأمر لامن عالم الخلق فلا يكاد مخلوق يدرك كنه روحه فكيف يستطيع العقل بل القلب أن يدرك كنه جمال ربه ، لذلك فإن الإمام أبي العزالئم ومن قبله من أئمة الرجال الذين خاضوا التجربة أشاروا الى التجربة لاتحكى ولايخبر عنها وهي شراب لمن أراد أن يتذوقها، والذوق معرفة وهي معرفة فوق الخبر وفوق العقل. إذاً لابد من السير على ذات الطريق حتى نعرف من المشاهدة والذوق لامن الخبر ، ومن رأى ليس كمن سمع، فعلمهم هذا علم يقين بل هو تحقيق باليقين وليس خبرا .. فلا يبقى أمامنا بعد هذا الاّ خوض التجربة والسير على طريق مشاهدة الجمال ..ولكن كيف؟ الإمام إبو العزائم يمنحنا الفرصة لنرى بأنفسنا ما رآه، فهذه القصائد ليست إخبارا عن تجربة عاشها الإمام ، وإنما هي دعوة وفرصة وباب يفتحه لنا لنلج معه حرم ذلك الجمال القدسي لنشاهد بأعيننا آيات السحر وننفذ من ورائها الى بحار النور والجمال المحمدي والإلهي.

إذاً نحن عندما نريد أن ندخل الى حرم القصائد ونتجول في مساحاتها ، لانريد أن نأتي بذواتنا مدعين المعرفة ومحاولين القراءة بادعاء التفسير ، فهذا الحرم هوالوادي المقدس (طوى) الذي طويت فيه الحقائق ، فعلينا أن نخلع النعلين : نعلي الحس والذات ، فقط نتلقى من روحه فنرى بعين القلب ونسمع بأذن الروح، واقفين بالأدب عند العجز عن الإدراك وهو يفتح لنا أبواب الدخول ..

والإمام ابو العزائم رضي الله عنه وهو يقودنا من أيدينا عبر قصائده لنخوض معه تجربة الجمال يضع بين أيدينا مفاتيح الولوج الى ذلك الحرم المقدس ، يدلنا على الطريق تارة بالعبارة وتارة بالأشارة ، تصريحا وتلويحا ، يخاطب فينا العقل مرة لنفتح أعيننا للحقائق ، ومرة يخاطب القلب والعاطفة ، ومرة يغازل أرواحنا لتسي وتنطلق محطمة قيود الحس والمادة التي هي سجن نأي، قال:

ألا خلصوا الأرواح من سجن نأيها وجدّوا لتزكية النفوس وسابقوا

ومرة يسري عبر أسرارنا الى قدس العزة والجبروت ليضعنا في المواجهة الحقة مع الحق عزوجل، وهي قمة المشاهدة لقلب صفى ورق حتى شعر ان هذا القول وهذا الخطاب إنما ينطلق من عمق أسراره الذاتية مخاطبا الوجود كله..لافقط يسمعه من غيره ولكنه روح تسري في روحه وصورة إنعكست في مرآته الخاصة .. والإمام أبو العزائم ينوع في قصائده هذه الأساليب ليخاطب بها حقائق فينا متعددة وليتقلب بنا في الوان من الجمال اللانهائي، فتارة يسكب لنا الإمام في قصائده شرابا واحدا صافيا راقيا يخاطب به فينا واحدية الروح السارية في أوصال الجسد ، وأحيانا ينوع بين المباشرة وغيرها وبين الحقيقة والمجاز وينتقل من الخطاب الى الحكي ومن الحكي الى الخطاب الى المناجاة الذاتية ، ومن الظهور الى الغموض ، ومن الغموض الى الظهور أي من البوح الى الإسرار ومن الإسرار والإشارة الى البوح حين تسكر الروح ويعلو عليها حال الشهود في الغيبة والجمع . فتصريح الذات عند الإمام أبي العزائم وتلويحها تعبير عن تقلبها بين حالي الغيبة والحضور ، أي بين حالي السكر والصحو ، فهو غائب عن الوجود حاضر مع الشهود ، ثم حاضر في الوجود مراعيا الشهود ..

في دراسة قدمت لنيل درجة الماجستير في الآثار الشعرية للإمام المجدد السيد محمد ماضي أبي العزائم، أبان الباحث سري محمد الحسن أن للإمام أسلوبان عبر بهما عن فكره ومعانيه في هذه المواجيدوهما : المباشرة وغير المباشرة ، أي أسلوبا التصريح والتلويح . فالمباشرة إستخدمها لبيان الحقائق الواضحة والثابتة في رسالته ودعوته، وذلك يتسم بعدة سمات هي :

1- منهج الإلتزام بالبحث عن الحقائق والنظر الى بواطن الأمور وحقائقها ومن أمثلة ذلك النظر الى

حقيقة الإنسان والغاية من خلقه، يقول:

يأيها الإنسان من طين فخار تكونت كي ترأى مظاهر أسراري

ومن نطفة أنشئت آيا جلية وصرت بمحض الفضل حصن قراري

2- الأسلوب الفلسفي الصوفي ، ومن أمثاة ذلك حثه على السياحة الفكرية في الكون والتدبر في آيات

الحق:

سح في السما مافوقها في العرش بل ما فوقه من غيهب الأنوار

بعد السياحة فافن عنك بمن علا عن مشهدالأرواح والأفكار

3- الحرص على إبراز قضايا المجتمع السياسية والإجتماعية والفكرية بأسلوب النصح والإرشاد.

4- النزعة الإيمانية والصوفية في السير والسلوك، يقول

كل ذنب وإن تراه صغيرا فهو نار إن لم تنل غفراني

صغر الذنب جاهل بمقامي وبفضلي وعزتي وحناني

اما غير المباشرة من التلميح والإشارة والرمزواستخدام التعبير البياني فقد استخدمها للتعبير عن الجوانب المعنوية والذاتية التي تعبر عن وجدان الذات واتصالها بمعشوقها في درجاتالوصل والتعبير المتصاعدة الى درجة الإطلاق التي يستحيل التعبير عنها حتى بالإشارة ، وقداستخدم للتعبير عن تلك المعاني أكثر من أسلوب :

1- الأسلوب الرمزي ، وله في ذلك متنوعة مثل رموز الحب الإلهي كالشوق والغرام والهيام ورموز الخمر والسكر ويشير بها الى خمر الحب الإلهي :

سقوني الراح في ليل التداني بكأس النور من بحر المعاني

ورموزاستخدمها في سياق هجومه السياسي على الإستعمار والدول الإستعمارية باستخدام مقلوب الكلمات مثل (زيلنكا) إشارة الى الإنجليز و(سنرفا)إشارة الى فرنسا وهكزا،ورموز الإشارة الى الأعوام الهجرية مثل غاشم وغاشن ورموز المناجاة الإلهية وهي رموز تشير الى الذات الإلهية مثل كان – كينون – أهيا – ديهور – دهر.

أياكان ياكينون يا فرد يا صمد أيا دهر يا ديهور يافرد ياأحد

كذلك استخدم الإمام المجدد رمز(العين) مشيرا به الى الذات الإلهية كقوله:

أهل المحبة في شوق الى العين والعين في غيهب التنزيه واللون

2- الأسلوب البياني ، مثل التشبيه والإستعارة والمجاز الكناية يقول :

وقفت مرتديا ذلا ومسكنة وحسن ظني إنقاذي من الكرب

ويقول:

لكن ووجه جميل لعين قلبي تجلى

والإمام أبو العزائم يمزج جميع هذهالأساليب بمزيج مركب من الأساليب الشكلية التي تمنح القصائد بتكاملها الداخلي والخارجي المعنوي والمبنى إتساقا جماليا متكاملا يجعلها مثلا لذات الإمام وشخصيته المتوجهة الى الحق مرتدية ثيابا من البهاء والجمال ، ومن هذه الأساليب الشكلية بعض الجوانب البديعية كالجناس والسجع والطباق بالإضافة الى لاموسيقى الداخلية في تلاؤم الألفاظ والمعنى وتناسقهما والرنين والجرس الموسيقي يقول مثلا:

التحلي بالتخلي بعد محوي لمحلي

وانفصالي عن فعالي وسروري بالتجلي

وشهودي لوجودي إنه نوريحلي

ولم يترك الإمام أبو العزائم قصائده للبناء الفني والجمالي المحض وإنما أراد لها أن تكون ذات تأثير كبير على نفس المتلقي وروحه لذلك نوع في أساليبه المعنوية فتارة يستخدم أسلوب الامر وتارة يستخدم النداء، ومرة أسلوب الإستفهام والشرط والتوكيد والنفي والإيجاب وأسلوب القصر والحذف والتكرار والتقديم والتأخير...الخ.

هذا مجمل مابينه الباحث سري محمد الحسن في دراسته التفصيلية عن آثار الإمام أبي العزائم الشعرية في جانبها الفني ، لكن في الحقيقة فإن هذه المواجيد يصعب بل يستحيل أن تستقصيها دراسة واحدة مهما كانت دقيقة وشاملة . يقول السيد محمد علاء الدين ماضي أبوالعزائم معلقا على هذه الدراسة :" .. لاريب أن مهمة الباحث كانت غاية في الصعوبة ولكن الذي نحب أن نلفت النظر اليه هو أن الباحث في هذه الرسالة قد تناول ظاهر المواجيد الإمام المجدد.. لم تكن مهمته تناول معانيها وبواطنها وأسرارها ، وظاهر المواجيد لابد أن تخضع للدراسات النقدية واللغوية ، ولنفس المقاييس التي يخضع لها الشعر العربي عامة . مع التسليم بأن مواجيد الإمام المجدد الهامية عرفانية كما أثبت الباحث.."

ولاتعليق لنا بعد هذا التعليق بل نتجه بسياحتنا في ملكوت من هذه المواجيد لابروح الدراسة والعلم العقلي ولكن بروح التمتع والشرب من رحيق يسقينا له الإمام أبو العزائم بكأس النور من بحر المعاني.

سامي عثمان القريش

2003 م