الاثنين، 5 ديسمبر 2011

العبد (مفهوم الحرية عند الصوفية)

بسم الله الرحمن الرحيم

العبد (مفهوم الحرية عند الصوفية)

العبد عكس الحر، وهو المملوك لصاحبه كما يملك صاحبه اي متاع آخر ، فليس للعبد أي إرادة في أمره ومعاشه وحركته وسكنته ، فهو تحت إمرة مولاه وخدمته لايستطيع أن يخرج من طوعه وقهره حتى يشتريه مالك آخر فينتقل من عبودية إلى أخرى بغير إرادة منه وبلا حول ولا قوة، وهو بذلك مقهور لصاحبه قهرا قد يصل به الى مستوى أعلى من العبودية وهو مستوى العبادة فيصير مالك العبد إلها له في كثير من الأحيان وهذا هو الأساس الذي يمكن أن نفرق به بين ما يمكن تسميته الأديان السماوية والأديان الأرضية ، فكل نظام إجتماعي أو فكر أو أيديلوجيا يجعل الإنسان عبدا لكائن أرضي مهما كان، يمثل دينا أرضيا وإن لم يسمى في التاريخ دينا ، ولكن يمكن أن نقسم الأديان الأرضية في التاريخ الى قسمين:1- ما سمي دينا : وهي كل الأديان البشرية التي وجدت في التاريخ ونلاحظ أن جميعها إستعبدت الإنسان الى كائنات أرضية أو سماوية( بخلاف الإنسان) كعبادة الشمس والقمر أو الحيوانات أو الملائكة أو غيرها من الأشياء وهي بالرغم أنها قامت على قهر الإنسان لهذه الأشياء إلاّ أننا يمكن أن نفسرها تاريخيا كمراحل إنسانية تطلبتها حاجات عقلية أو إجتماعية أو سلوكية أو إقتصادية أو حتى دينية وروحية في تاريخها ذاك،وهي كانت افي غالبها محاولة الإنسان لتحرير نفسه من تلك الظروف والحاجات بالطريقة التي هداه اليها عقله في ذلك الزمان ، لذلك فهي تكتسب شرعيتها التاريخية ولكن داخل هذا السياق وحسب . 2- ما لم يسمى دينا : وهو الذي سمي في التاريخ نظاما أو سلطة زمنية إما سياسية أو إقتصادية، ولكنها سلطة وصلت في تحكمها على الإنسان مرحلة إستعبدته فيها لأصحاب السلطة والثروة، فهو(أي الإنسان) متارجح فيها بين العبودية والعبادة فالأنظمة التي عاش فيها الإنسان عبوديته التاريخية لغيره من البشر هي أنظمة سياسية وإقتصادية وإن لم يختلط الدين فيها بالدولة ، وهذه الأنظمة هي المذكورة في الدراسات الإجتماعية بالمراحل العبودية من تاريخ البشرية ، أما الأنظمة التي عاش فيها الإنسان عبادته للأنسان هي تلك التي اختلط فيها الدين بالدولة (دولة فرعون،مثلا) وهذه بالطبع لاتجد شرعية في أي مرحلة من مراحل التاريخ . إذا اعتبرنا أن الدين هو إستعباد الإنسان فإن كل التاريخ البشري هو في حقيقته تاريخ ديني وأن الحرية المطلقة للإنسان بمعنى أن يتحرر الإنسان تماما فلا يكون عبدا لشيء وهم مطلق فقد أثبتت التجربة الإنسانية في التاريخ أن الإنسان بالرغم من هذا النضال التاريخي لإنتزاع حريته المطلقة (إطلاقا مطلقا) مازال مستعبدا ولو لنفسه، وحتى في هذا المستوى فإنه يعيش دينه الخاص (الأنانية)، وسنعود الى هذا المستوى بعد قليل.

. أما الأديان السماوية فهي التي تستعبد الإنسان لله وحده وقد مثلت مراحل تاريخية مختلفة لتحرير الإنسان من عبوديته الأرضية، وهذا ما يجعلها تختلف جذريا عن الأديان الأرضية بل على النقيض منها لأن عبودية الإنسان وعبادته لله لاتقوم إبتداء الاّ على أساس حريته المطلقة في الأرض (نلاحظ أن الأطلاق هنا لايتناقض مع نسبية الحرية) لأنه إطلاق بالنسبة الى الأرض فقط وفي هذا السياق فإن الحرية المطلقة ممكنة بشرط أن تنبني على عبودية لله، أما التحرر من الله غير ممكن إطلاقا الاّ في حال الإستعباد لشيء أرضي، وذلك فقد كامل للحرية ، لذلك فإننا نجد أن الأديان السماوية كلها جاءت لتؤكد حقيقة واحدة وهي أن لاإله إلاّ الله وهي أديان التوحيد وهي تمثل ثورة الإنسان التاريخية بل والمستقبلية لانتزاع حريته.

يلتبس في هذا العصر الحديث مبدأ الحرية مع مبدأ العلمنة خصوصا في مستواه الأيديلوجي (لا السياسي المتخصص) لأن العلمنة في هذا المستوى تنبني على إفتراض أن الإنسان قادر على بناء نفسه وحريته إنطلاقا من معرفته العلمية بواقعه وقدرته المعرفية على حل مشكلاته ولايحتاج في عصر العقل والحرية والتكنلوجيا الفضائية وتكنلوجيا الجينات والمعلومات الى دين يتوصى به ويخط له وبالنيابة عنه طريق سلوكه ومعرفته فالعقل الإنساني وصل الى مرحلة رشده ولايحتاج الى وصي .لكن وبالرغم من ذلك ولهذا االسبب تحديدا فإن هذا العصر هو أكثر العصور البشرية إحتياجا للدين، لأنه أتنج الى جانب العقل والمعرفة والحرية بل وبسببهما آلة الحرب والدمار وهدد الوجود تالبشري ذاته حفاظا على المصالح الذاتية والأيدلوجية وتلك تعبير عن أقصى مرحلة يصلها الإنسان عبودية لذاته . فهل استطاع الإنسان في هذا العصر أن يصل الى الحرية ؟؟؟؟

هذا الإلتباس بين الحرية والعلمنة هو التباس قديم ظهر في الماضي في صورة تناقض بين حرية الإنسان ومبدأ التسيير الذي تقوم عليه الأديان وهو إلتباس متوهم منشؤه إعتقاد أن حرية الإرادة هي ما يسمى بالإشباع بمعنى سعي الإنسان لإشباع حاجاته الخاصة وهو المبدأ الذي تقوم عليه الحضارة الغربية المادية .

والعبودية تختلف عن العبادة في أن السيد في المجتمعات العبودية يستطيع أن يقهر عبيده قهرا ماديا بحتا فيتحكم في أنشطتهم الحياتية ومعاشعهم ويسخرهم لمصلحته وينتزع إرادتهم ، ولكنه بأي حال لا يستطيع أن يمتلك قلوبهم ورغباتهم وينال محبتهم ويجعلهم يخدمونه برغبتهم ويبذلون له إراداتهم وأنفسهم ، وذلك فقط لأنه توقف عند العلاقات المادية مع هؤلاء ولم يخلط أمره بالدين ولم يجعل نفسه إلها لهم.وتلك هي المجتمعات العبودية ، أما المجتمعات الدينية ا لقديمة فالسيد هو الإله وعبيده هم عباد له وتلك العلاقة هي الأسوأ في تاريخ البشرية وما جاءت الأديان السماوية الاّ لتصفيتها ، وإذا تأملنا في الواقع المادي الحالي نجده ليس واقعا عبوديا وحسب بل أكثر من ذلك يمثل أسوأ الصور للمجتمعات الدينية القاهرة للإنسان والمنتزعة لحريته،فالسيد هنا هو الحاجة الخاصة والذاتية التي تستعبد إرادة الإنسان بل قلبه ورغبته، فتجعله مندفعا بكل حواسه لإشباع تلك الحاجةإشباعا كاملا والإشباع هو الإستعباد إلا أنه إستعباد ينطلق من رغبة أصيلة في النفس( ولكن في هذه الحدود تكون الرغبة مشروعة إذا أشبعت حاجات شرعية بمعنى أن تكون أخلاقية وخيرة أو موضوعية بمعنى أن تحقق حاجات أكبرقدر من الناس دون أن تمس مصلحتهم وحريتهم أو أن تحقق إحتيلجات معاشية حقيقية) ، أما إشباع الحاجات الذاتية التي تقوم على حساب الآخرين وضد مصالحهم إبتداء من خدش حيائهم وانتهاء بقتلهم ، تلك حاجات غير مشروعة والإستعباد لها بمعنى العبودية للنفس وهو ما يسمى بالأنانية بكل مستوياتها وأنواعها الشخصية أو الأيديلوجية أو الإجتماعية تصل في أقصى منتهاها إلى عبادة النفس وهو الأساس الذي تنبني عليه أيديلوجية قهر الآخرين واستعبادهم والتي تتأسس عليها الدولة الدينية القاهرة . إن الأديان السماوية في أصولها الجوهرية تؤسس لما يمكن تسميته بمجتمعات الإنسان الحر أو (العبد) في المفهوم الصوفي وهو الذي لا ترتبط حاجاته الإنسانية بأي شيء سوى الله تعالى فهو متحرر تماما من أي نوع من الإستعباد للحاجة ، بل هو يعتقد أن الحاجة للأشياء وهم فكل شيء مسخر له بمعنى أن كل حاجة هي تحت سلطة العقل ويستطيع بقليل من التدبر العقلي وبتوفيق من الله أن يحقق حاجاته كافة فلا يستعبده شيء ودون أن يتعدى على حرية ألاخرين او حاجاتهم الموضوعية .

وفق هذا المفهوم فإن للإنسان وجهتان وجهة تجاه الله تعالى يكون فيها عبدا كامل العبودية والعبادة بمعنى أن علاقته مع الله تعالى هي علاقة مزدوجة : تكوينية ووجدانية، فهو من ناحية عبد مملوك ومن ناحية أخرى عابد لله بكل وجدانه. ووجهة تجاه الوجود الأرضي أو الكوني كله لأن الأرض (في المفهوم الصوفي) هي تعبير عن كل الوجود الكوني المادي في مقابل السماء وهي الوجود الروحاني، وهو في هذه الوجهة حر حرية تمكنه من السيطرة الإيجابية على الكون المادي وتسخيره،هتين الوجهنين هما العقل والروح ، بالروح يتعامل مع الله تعالى وبالعقل يتعامل مع الوجود الكوني . الحرية وفق هذا المفهوم الصوفي لاتعني باية حال التحلل من الإلتزام كما هي في الفلسفة البراجماتية ولكنها تعني المسؤولية الكاملة ليس عن الذات أو المحيط الإجتماعي ولكن المسؤولية عن الوجود الكوني بأكمله ، لأن الحرية تعني مباشرة العبودية لله تعالى والإنسان الحر هو العبد المملوك القائم على خدمة مولاه في أملاكه بما يحب ويرضى وكل الوجود الكوني هو ملك الله سبحانه وتعالى فالإنسان مسؤول عنه قال تعالى : " إني جاعل في الأرض خليفة "

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق