بسم الله الرحمن الرحيم
الإسلام و المؤسسة الديمقراطية (1)
الآن وأكثر من اي قت مضى يحتاج المسلمون لمراجعة مواقفهم وأوضاعهم المعرفية والسلوكية التي تفسر رؤيتهم للوجود(اقصد الرؤية التي شكلتها ظروفهم التاريخية والعقدية والسلوكية والتي تراكمت عبر تاريخهم والتي انتجتها تجربة التفاعل بين الدين في نصوصه ومصادره الأسا سية وبين التجربة والإرادات البشرية للمسلمين)وهم بذلك يحتاجون لبذل جهد معرفي أكبر وجبار تجاه إستعادة الرؤية النقدية والفكرية والعقلانية للوجود والكون وحتى الدين والتي لم يحرمها الله بل حث عليها كما ذكر في كتابه الكريم:"وقل انظروا ماذا في السموات والأرض" والنظر هنا بمعني التأمل العقلي والتفكير المنطقي في الوجود،هذه الرؤ ية التي تم تصفيدها في التاريخ المعرفي والسلوكي للمسلمين بفعل قوى معينة ولأغراض معينة لإفساح المجال لسيادة الرؤية الجبرية الإستسلامية التي تجعل المؤمن كالبريء المحكوم عليه بالسجن المؤبد حتى تثبت براءته في خاتمة المطاف والتي تخلق حالة من الإستسلام للقدر المتمثل لافي قدر الله تعالى ولكن قدر القوى المتسطة وفرض رؤيتها بديلا عن الرؤية الإلهية وبإسمها...
لابد من بذل الجهد المعرفي للتمييز بين الإلهي والبشري في الإسلام والحكم على كل جانب بما يستحق حتى يستطيع الإسلام كدين وكرؤية كونية وكسلوك بشري أن يلعب دوره الصحيح في عالم اليوم. لقد وصل الإسلام الى القرن الواحد والعشرين على يد المسلمين وحالهم أنهم عاجزين تماما ليس على المبادرة الإيجابية والإضافة بل حتى على مواكبة التحديات والتعايش معها المتمثلة في القوة الإقتصادية والتاثير والحداثة التقنية والمعرفية والثقافة أكثر من ذلك فأن الإسلام عند بعض اهله ينتكس ليعبر عن روح الإنهزامية والإنكفاء والتقوقع بل التخريب... .أنا لست مع الرأي الذي ينفي وجود الإلهي كفعل وتأثير واقعي في التاريخ(وهو رأي علماني مادي يحيل كل ماحدث منذ لحظة الوحي وحتى الآن الى أسباب بشرية وناريخية ، ويفسر الإحالات الإلهية في التاريخ إما لإعتبرات أيديلوجية سياسية مقصودة()او باعتبارها أسطورة شعبية ، هذا الرأي يستند على رؤية مادية أما تاريخية(الماركسية)أو وضعية(العلمانية الغربية) ولاتستطيع أن ترى التاريخ كحقيقة(إنسانية)لا أعنى بشرية وحسب ولكن إنسانية بأبعادها المتكاملة المادية والروحية على السواء، ولاتستطيع أن تؤمن بالغيب.
الإسلام حقيقة تاريخية وحقيقة واقعية تجمع بين ماهو إلهي في التجربة متمثل في الوحي بجانبيه المباشر في القرآن وغير المباشر في أقوال النبي وأفعاله الثابتة تاريخيا وهي حقيقة واقعية باعتبار إستمرارتاثيرها الروحاني على البشر،وبين ماهو بشري يظهر بحكم الأغراض البشرية والمصالح المادية الدنيوية. فهوبذلك دين وتاريخ ودنيا. فما كان دينا ووضعا الهيا يجب ان يحكم عليه بحسب وضعه ووفقا لشروطه الخاصة ، وما كان عملا دنيويا وفعلا بشريا يجب ان يحكم عليه بحسب الشروط الموضوعية العقلانية التي تحكم أفعال البشر في التاريخ الدنيوي. والمشكلة تكمن في الإلتباس التاريخي الذي حدث ويحدث بين ماهو الهي وماهو بشري ، فما هي الحدود بين البشري والإلهي ؟ أو ماهي حدود الدين وحدود الإسلام؟ومتى يمكن أن ننسب فعلا إنسانيا ما الى الإسلام ونسميه إسلاما ويكون ذلك صحيحا ؟ ومتى لايمكن؟
حتى نستطيع تحديد هذه الحدود بدقة لابد أولا من الحديث عن الإسلام وتحديد مفهومه الأساسي وقد تحدثت في ورقة سابقة عن مدى حرية الإنسان وعن الإسلام باعتبار إستهدافه لهذه الحرية، هنا أريد الحديث عن الإسلام في سياق علاقته بالمؤسسة الزمنية في مفهومها المطلق وأعني بهذه العلاقة تحديدا كقانون عام يحكم علاقة الإنسان بالله من جانب وبالكون من جانب آخر وتماس هاتين العلاقتين من جانب ثالث .ومن ثم تنزيل هذه العلاقة الجوهرية كقانون عام وهو الشريعة والقضايا المتعلقة بها خصوصا قضية علاقة الإسلام كدين بالدولة وقضية الديمقراطية.
الإسلام كمفهوم شامل وكقانون الهي يريد أن يحكم الفعل الإنساني عموما وإطلاقا على مستوييه الرؤيوي والسلوكي تأسيسا على مبدأ التسليم الكامل لله باعتباره الخالق والمالك الأصلي والمتصرف في الوجود الإنساني . هذه الرؤية تدخل التاريخ البشري والإنساني على أساس الإدراك الصحيح والإحترام لقوانين التاريخ والصراع البشري التي وضعها الله سبحانه وتعالى والتي تقوم على مبدأإتخاذ الأسباب الموضوعية وتعدد واختلاف غايات هذا الصراع بين البشر الذي يتجسد في المصلحة الذاتية الضيقة وسيادة الأنا على الكون وتحكم الغرائزالدنيا المسماة بالهوى وبين الخير الذي يتجسد في العمل من أجل المصلحة العامة وخير الإنسان كإنسان وحسب.وبين هذين القطبين الجوهريين تتعدد وتختلف مقامات ودرجات الفعل الإنساني معرفيا وسلوكا ومصلحيا تعددا فائقا وكبيرا والحاكم على ذلك قوانين التطور الإنساني التي تقوم على مبدأي المعرفة واختيار الأصلح،والدين يريد في هذا السياق تصحيح الرؤية المعرفية وتصحيح السلوك الإختياري للإنسان ليتماشى وفقا لهذه القوانين الكونية.
ورفضا لأسلوب الفهر والجبر تتخذ هذه الرؤية الإلاهية في علاقتها مع التاريخ البشري اسلوب الدعوة بالحسني وبالجاذبية السلوكية المتمثلة في ضرب المثل الأعلى والقدوة الحسني والحكمة من ذلك الإدراك الدقيق لطبيعة النفس البشرية التي ترفض التعامل مع أسلوب القهر ولا تخلص لقاهريها حتى ولو إستسلمت لهم.
وبالرغم من مبدأ القدوة والدعوة فأن الإسلام يعول أساسا في اختيار الطريق السليم على مبدأ المعرفة الكونية التي تؤدي الى الإدراك الدقيق لطبيعة الأشياء ومن ثم الإختيار الصحيح، لذلك فهو يحث على العلم إطلاقا عن طريق وسيلتين جوهريتين وهما (التعلم)و(التدبر) بمعنى إتخاذ أسلوب (أكتساب) العلم والمعرفة بشتى الوسائل الى جانب أسلوب (إنتاج)العلم والمعرفة بشكل أصيل . والإسلام يستهدف بذلك كما قلنا تصحيح رؤية الإنسان للوجود ومن ثم تصحيح سلوكه مع هذا الوجود.
العبارة الجوهرية التي تتأسس عليها هذه الرؤية الإلهية والتي تتنزل وتتفصل في الوحي القرآني والنبوي والذي يراد له أن يصبح دستورا للوجود والسلوك الإنساني هي(لاإله الاّ الله) والمسماة بالشهادة او هي جوهر الشهادة التي تنطق باللسان كإعلان للدخول في الدين أما الشق الآخر منها (محمد رسول الله) فهو مظهر للشهادة وطريقها ولون للدين ومذهبه وهي العبارة التي تميز الإسلام عن غيره كدين محمدي.
لاإله الاّ الله هي دستور الإسلام والنظام الأساسي فيه وعليها تتأسس كل قواعد الدين في العقيدة وفي العبادة وفي المعاملة وفي الأخلاق. والقضية الأساسية في الدين هي قضية الإيمان وهو مفهوم شامل يبشمل الى جانب الإيمان بالغيب طريقا مستقيما به يتحول الدين من مراد الهي الى مراد وهدف إنساني بمعنى أن تصبح تلك العبارة الجوهرية هي قضية الإنسان وضميره الحي الذي منه تنطلق كل حركته الوجودية والسلوكية واختياراته الدينية والدنيوية والمعول الأساسي ان يختار الإنسان ذلك بقناعة معرفية وإيمان قلبي وصدق وحب وجداني وروحاني متين، لذلك فهناك تمييز بين مستويين للإسلام :الإسلام بمعنى النطق بالشهادة والدخول في دائرة المسلمين، والإسلام بمعنى التحقق الكامل والصادق بمعاني لاأله الاّ الله وهذه متروكة للتجربة الروحية للإنسان في تاريخه الخاص وعلى التجربة المعرقية وتطبيقها في التاريخ العام ، وهي تعول على الصدق والإخلاص والمعرفة العميقة.هذا الفهم يدعو الى تغيير جوهري في المفهوم الذي ترسخ عبر التاريخ في أذهان الناس عن الدين باعتباره شرعا ربانيا قاسيا على الإنسان أن يخضع له بصرف النظر عن وعيه ووجوده ومصالحه الدنيوية وتجربته الروحية وهذا يحول الدين الى عبء إجباري يمارسه الإنسان مكرها وبغير حب. الإسلام يريد أن يعطينا مفهوما جديدا للدين ليس باعتباره قرارا فوقيا جبريا ولكن باعتباره ضميرا إنسانيا واعيا ونابعا من روحه ينطلق منه وعيه وفهمه للوجود وينطلق منه سلوكه وأخلاقه قال تعالى:"لكم دينكم ولي دين" وفي داخل الحدود التي قررها الشرع وألزم الإنسان المسلم الذي إختارها طوعا تتسع المساحة الشاسعة للفعل الإنساني للإضافة والتصحيح والتجديد ويتم إغناء الدين بإستمرار وإثراؤه . ولكن ماهي هذه الحدود ؟ وهل معنى إعتبار الدين ضميرا إنسانيا أن يترك الإنسان على هواه فيغير فيه ما يشاء ؟ هذا بالضبط معنى الحدود : على الإنسان الاّ يتعدى حدود الله في تجربته التاريخية والروحية لإغناء الدين لينسب إلى الدين ماأنتجته تجربته الخاصة ليستعير قداسة الدين ليقدس نفسه وعمله ولا أن ينسب لنفسه الدين ليحتكره ويحتكر فهمه وتفسيره من دون الناس ليتهم الآخرين المخالفين له بالخروج عن الدين ، فحدود الله تعالى هي الحد الفاصل بين ما أتى به الله في دينه قرآنا ونبيا وبين أفعال البشر وأفكارهم فكما قالوا فإن كل إنسان يؤخذ منه ويترك إلا الله ورسوله
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق