الاثنين، 5 ديسمبر 2011

الحقوق والمؤسسة الإنسانية في الإسلام (مستوى العدل)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحقوق والمؤسسة الإنسانية في الإسلام (مستوى العدل)

الشرع الشريف هو الإطار العام للدين وهو مقرر ومكتمل قال تعالى :"اليوم اكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا"أما الجوهر والمعنى العميق للدين والمضمون فهو ثاو ضمنيا داخل العلاقات الأساسية المضمنة في (لا إله الاّ الله)، وبين مستويي الشرع الظاهري والجوهر الثاوي تكتسب كلمة التوحيد صفة النهج السلوكي الذي يجب أن تسير فيه التجربة الإنسانية متوسلة بوسيلتين تتضامنان وتكملان بعضهما ولاغنى لأحدهما عن الأخرىوهما: العقل والنقل، ولا مجال هنا للتفصيل الفقهي العميق فيما يخص التشريع ومصادره ولكن ننتقل الى مايخصنا وهو الغاية والهدف الإجتماعي للدين: قلنا أن الدين كله مبني على الجوهر الثاوي في كلمة التوحيد إذا فهي البنية الأساسية التي تحدد وتؤسس العلاقات الأساسية للدين وهي:

1/العلاقة الدينية وهي علاقة الإنسان بالله.

2/العلاقة الدنيوية وهي علاقة الإنسان بالكون والآخر.

3/الصلة بين الديني والدنيوي، أي علاقة الإلهي بالبشري.

أولا: العلاقة الدينية تستند على مبدأ أن الله هو الخالق والمالك الحقيقي الموجد والممد للإنسان وهي الرؤية الإيمانية للوجود الإنساني ومن خلالها فإن الإنسان ليس اكثر من عبد ومظهرلتجليات وظهور الله كإله وحيد ورب للإنسان فكل حقيقة وجود الإنسان وتجربته المادية والروحية في الأرض إنما ترجع لمشيئة موجدها سبحانه ، وفي داخل هذا الإطار فإن تجربة الإنسان كلها تتأرجح بين مستويي الإرادة والرضا الإلهيين(وهي رؤية تمثل حلا لقضية حرية الإنسان في الإطار الإسلامي- ارجع لمقالة بعنوان العبد)بمعنى ان كل ما يفعله الإنسان خيرًا أو شرا فإنما يخضع للإرادة والمشيئة ولكن الله يدعو الإنسان أن يختار دائما رضا الله في كل ما يفعل بمعنى أن يسعى ويجتهد للخروج مما يغضب الى مايرضي حتى يفوز بالرضا وهو يبين للإنسان تلك المراضي .الله سبحانه إستند حتى في مستوى العلاقة الدينية البحتة على مفهوم الدعوة بالحسنى والبيان ورفض خيار القهرعلى المراضي بالرغم من أن الإنسان مقهور للإرادة (لاتناقض بين القهر للإرادة وحرية الخيار بين طريقين الخير والشر فحرية الإنسان هي بالضبط تحقق للإرادة الإلهية. فالله سبحانه أراد الإنسان حرا مختارا أما مضمون إختيار الإنسان خاضع لإرادة الإنسان ولكنه كان ضمن العلم الإلهي القديم) حتى يختار الإنسان جانب ربه عن قناعة وحب لاعن قهر. الإطار الشرعي للدين نفسه مبني على هذه الكلمة وهوإطار للدين بمعنى أنه ذو إتجاهين : إطار قانوني وأطار سلوكي: فالإطار القانوني هو الشريعة وهي تشريع يستهدف به الفرد والجماعة على السواء وكل مستوى من مستويات التشريع

هذه هي المؤسسة الدينية في الإسلام وهي مؤسسة روحانية في اتلساستظهر كضمير جوهري للإنسان تنبني عليها علاقته بالله في كل أشكالها العقدية والسلوكية في العبادة والمعاملة والأخلاق، ثم هي مؤسسة معرفية وسلوكية تظهر في شكل ممارسة الإنسان المؤمن لواجبه كداعية الى الله ، وليس هناك في الإسلام مؤسسة دينية بمعنى (جماعة خاصة) تحتكر الله تعالى وتحتكر الدعوة اليه من دون الناس ، ولكن الدين في الإسلام ملك لكل المؤمنين به يساهم كل واحد منهم في الدعوة اليه وإظهاره في نفسه من خلال تحقيقه تطبيقا وسلوكا في حقلئقه الجوهرية وهي القلب والعقل والإرادة إيمانا ومعرفة وسلوكا وأخلاقا .

ثانيا : العلاقة الدنيوية : وهي علاقة الإنسان بالكون المادي الذي وجد فيه وفيه تولد تجربته وتتطور وإذا كانت العلاقة الدينية مع الله تعالى تعتمد الإيمان أساسا لأن الله غيب عن الإنسان فإن علاقته بالكون ستعتمد على العلم والعقل ، والإسلام له تجاه هذه العلاقة رؤيتان :

الأولى معرفية فالإسلام يدعو الإنسان أن يبني علاقته بالكون على أساس مرفي وعقلاني مفتوح يهدف الى إكتشاف حقيقة الكون كمظهر لله ولتجليات أسمائه وصفاته باعتباره(آية)الحكمة منها بيان الحق.

الثانية سلوكية تدعو الإنسان الى التعامل الإيجابي مع الكون من أجل تسخيره وتعميره باعتبار أن الإنسان (خليفة)عن ربه في الكون بمعنى أنه المخلوق الوحيد الذي له حق التصرف في الكون بحكم رتبته الإنسانية.

والكون له مظهران الأل مادي وهو ما يسمى بآيات الآفاق والثاني إنساني ويسمى بآيات النفس ، فعلاقة الإنسان بالكون اتلمادي علاقة تسخير ومعرفة واستمتاع به باعتباره نعمة من الله ، وموقف الإسلام من الكونالمادي يدل على تطور كبير على المستوى الديني واحترام لعقل الإنسان إذا نظرنا الى ذلك في المقارنة مع الأديان الأقل تطورا والتي تقدس الموجودات الكونية وتسخر الإنسان لها ، فالإسلام يحترم العقل الإنساني باعتباره الحاكم على الوجود المادي لذلك نجده يقرر ضرورة العلم التجريبي الذي يؤدي الى إكتشاف خصائص الأشياء المادية بغرض تسخيرها والإستفادة منها وبغرض اكتشاف قدرة الله الظاهرة فيها من أجل تدعيم الإيمان (وبذلك يفتح الباب واسعا لإستيعاب أي تطور علمي وتضمينه داخل السياق الواسع والمنفتح للوجدان والحضارة الإسلامية) وبين الإستفادة المادية والحب والإيمان بالله تكمن متعة الإنسان بالكون . أما علاقته بالكون الإنساني من حوله فلا تقوم على التسخير بل على العكس من ذلك تقوم على الإحترام المتبادل والمساواة فإلى جالنب مبدأ المعرفة واكتشاف قدرة الله الكامنة في الإنسان (وتدخل في ذلك كل علوم الطب وعلم وظائف الأعضاء الى جانب العلوم الفيزيوكيميائية الأخرى)الى جانب ذلك تقوم العلاقة بين الناس على أساس مبدأي العدل والإحسان . وفي اللحقيقة فإن هذين المبداين عامان في الإسلام يستغرقان علاقة الإنسان بالكون كله حتى المادي والطبيعي كله ، فالإنسان يجب أن يتعامل معه وفق هذين المبدأين ، فالعدل فيما يخص الوجود المادي يغني احترام الطبيعة وعدم إفسادها واحترام الغاية منها باعتبارها خلقت من أجل الإستفادة منها في الخير ، أما الإحسان بالطبيعة فيتضمن معاني الرحمة والجمال والإتقان في العمل والحب ، فالإنسان يجب أن يتعامل مع الطبيعة ةفق هذه القيم ، ويظهر مبدآ العدل والإحسان بشكل أجلى في معاملة الإنسان مع الإنسان، والإنسان كموجود كوني يكتسب في الإسلام مقاما رفيعا بحكم تركيبته الوجودية الثنائية : مادية وروحانية، فهو يتميز ويمتاز عن الكون بهذه الخاصية وبهذا المقام وخاصية اكتسبها الإنسان بصفته (إنسان)وحسب بصرف النظر عن لونه أو نوعه أو جنسه أو اثقافته...الخوهو الأساس الذي يقوم عليه مبأ المساواة وهو خاصية التكريم التي تصل الى ادرجة الحرمة في بعض الأحيان ، والإسلام لا يفرق بين البشر الاّ بمعيار واحد وهو (التقوى)وهي تعني فيما يخص العلاقات الإنسانية (إتقاء) الله وغضبه في الناس فالله لايرضى أقل ظلم للإنسانأو أقل أذى له بغير ذنب إرتكبه حتى الكافر(وهو تعبير إسلامي إذا تم تفسيره وفق هذه الرؤية الإنسانية فهو توصيف معرفي أكثر منه موقف صراعي)فالله تعالى لايرضى لحتى الكافر أن يقاتل ظلما الاّ إذا ابتدأ هو بالعداء للإسلام . إذا قيمة إحترام الإنسان كماهو وتكريمه قيمة أساسية في الإسلام ، والناس متساوون فلا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود الاّ بالتقوى، والإنسان بهذا هو عدل اتلإنسان والإستعلاء مرفوض جدا لأنه مقام خاص بالله تعالى وحسب لذلك فإن الإسلام يقيم بناء العلاقات الإلنسانية وما تتطلبها من نظم وقواعد ومؤسسات غلى قاعدة العدل والتسوي وهذا هو الأساس الذي انبنت عليه الشرية كمفاهيم وأسس عامة وكقانون عام وترك للناس أن تفصيل النظم والقوانين الخاصة بحسب مقتضيات الحال والمصلحة(ليس هناك في الإسلام ما يسمي بالدولة الدينية التي تنبني على مؤسسة دينية كنسية تتحتكر الله وتمايز بين الناس على هذا الأساس بل دولة الإسلام دولة مدنية تقوم على الحقوق والواجبات)وعلى هذا الأساس من العدل انبنت التحقوق الأساسية في الإسلام . والعدل هو إعطاء كل ذي حق حقه :فلله تعالى ولرسوله حقوق على المؤمنينوللإنسان حقوقوللمؤمنين حقوق ولكل إنسان في المجتمع حقوق بحيب وضعه داخل منظومة العلاقات الإجتماعية ليس ذلكفحسب ولكن للطبيعة والبيئة أيضا حقوق ، ويتم تنظيم هذه الحقق علاى أساستراتبي خاص يستند على رؤية إنسانية للكون لا تنظر للإنسان الفرد باعتباره مجرد رقم في المجتمع متساوي مع الآخرينكما يتساوى(1=1)هذا تجريد مخل وتسطيح لحقيقة الإنسان ولواقع العلاقات الإجتماعية فالرياضيات ليست هي التي تحكم هذه العلاقات والإنسان ليس كئنا نمطيا مثل الحيوانات ، وبالرغم من أن جميع البشر يشتركون في الخاصية الاثنائية (المادةو الروح)وهي التركيبة الجوهرية للإنسان بل يشتركون مع بقية الكائنات الأخري في الخواص الفيزيائية والأحيائية العامة الاّ أن كل فرد من أفراد النوع الإنساني بصمة لوحده لاتكاد تجد إثنان متطابقان تمام التطابق وهذا هو معنى الفرد والفردانية في الإسلام، وإذا كان هذا الإختلاف والتعدد ظاهر على المستوى الطبيعة الحيوية والفيزيقية للناس فهو أظهرأكثر على مستوى أوضاعهم النفسية وأكثر من ذلك أوضاعهم الإجتماعية والثقافية ، ولكن الإسلام ينظر للفرد الإنساني كلبنة في بناء إجتماعي متكامل ومتماسك ، ولأن وجوده ضروري لأداء دور ضروري متكامل مع أدوار الآخرين فإنه متساوي معهم بهذا الإعتبار (نلاحظ أن هذه الرؤية الإنسانية تستوعب كل الحقول البمعرفية والعلمية والتي توصل اليها العلم وتتجاوزها الى نسق معرفي وعلمي جديد يقوم على تعددية المداخل في النظر الى الكون والإنسان)لذلك فإن الحقوق تنظم بين الناس على أساسين هامين:

1-حق الإنسان كإنسان.

2-حقه بحسب وضعيته الإجتماعية الواقعية التي هو عليها واللازمة للتماسك الإجتماعي(أي الشخصية).

إن الجور على حقوق الآخرين ظلم عظيم يعاقب عليه الجائر عقابا عظيما ، وحرية الفرد تتوقف فقط عند حدود حرية الآخرين ، أي إذا تحولت الى ظلم ، وعند هذه الحدود يقف الإسلام بالمرصاد أكثر من ذلك فإنه يسميها حدود الله بما يعني أن التعدي عليها جريمة تكاد تضع صاحبها في عداوة مع الله.

ثالثا: الصلة بين الإلهي والبشري في الإسلام

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق