الاثنين، 5 ديسمبر 2011

الإحسان(المؤسسة الجمالية في الإسلام)

بسم الله الرحمن الرحيم

الإحسان(المؤسسة الجمالية في الإسلام)

الإحسان هو دعوة الإسلام الخصوصية، فإذا كان العدل موقفا وجوديا أو تكوينيا بمعنى أنه موقف تتطلبه حقيقة الوجود البشري الإنساني في العالم ورتبته في الوجود ، فإن الإحسان موقف شهودي (رؤيوي) ، بمعنى أنه موقف جمالي رحماني يشهد العالم كحقيقة ربانية رحمانية أي يظهر من خلالها الإلهي من حيث كونه رحمة وجمال بالعالم..إذا فهي دعوة أخلاقية في المقام الأول ومثلما كان العدل يؤسس جذريا لعلاقات الوجود(حقوقيا وتنظيميا) فالإحسان أيضا يراد له أن يكن مؤسسة لعلاقة جمالية بين الموجودات ، وكأنما الإسلام يريد أن يبني العلاقات على أساسى مزدوج وجودي شهودي أو بلغة أخرى : قانوني / أخلاقي، ولتوضيح أكثر : فإن في الإسلام مرتبتان : االرخص والعزائم فهو يرخص للإنسان أن يأخذ حقه عدلا(العين بالعين والسن بالسن والجروح قصاص) ولكنه يبيح العفو إحسانا (فمن عفى وأصلح فأجره على الله )وهو يحث هنا على العفو كقيمة أخلاقية أعلى من قيمة القصاص العدل وإن كان مطلوبا ، وقيمة العفو هنا مثلا كقيمة أخلاقية أدرجت في مرتبة العزائم لأنها تحتاج الى قوة النفس واحتمال الأذى والصبر وصولا الى الإصلاح ، ولكن الإحسان له حدود فهو مؤطر داخل إطار العدل بمعنى أن الإحسان غير مطلوب في حالة إنتفاء العدل أي عند وقوع الظلم الظاهر والمقصود عندها القصاص أولى من الإحسان بل هو يعتبر نوعا من الإحسان إذا كانت المقصود ابه رد الظالم عن ظلمه (أنصر أخاك ظالما أو مظلوما) هذا يقودنا مباشرة الى تعريف مفهوم الإحسان . وكما هو وارد في نص الحديث: (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فهو يراك) فإن الإحسان مرتبة من مراتب الدين بإعتباره درجة أعلى من درجات الإيمان أو هو ثمرة من ثمرات الإيمان العميق، وإذا كان الإحسان علاقة بين الناس فإن إعتباره مرتبة من مراتب الدين يبين القصد الواضح والأكيد لتنمية العلاقات بين الناس حتى يكون النكوص عنها والإخلال بها قصدا خروجا عن الدين، والإحسان مفهوم شامل لكل ماهو أحسن وأجمل وأفضل ولم يتحدد في الإسلام معنى معين للإحسان حتى يتسع ليشمل كل ما يراه الإنسان حسن وأحسن ولكنه ربط بمفهوم الإيمان حتى يرتبط عند المؤمن برضا الله ليختار ما هو أحسن وفي ذات الوقت ما يرضي ربه.

فإذا كان العدل هو الأساس الذي يقوم عليه الإسلام كشريعة وقانون عام يحكم العلاقات الأساسية للإنسان مع الناس والكون الطبيعي فإن الإحسان هو أساس الدين كدعوة لترقية الإنسان وعلاقاته معرفيا وسلوكيا حتى يصل الى مقام (الخلافة) وهو مقام مقصود به مستوى من الرقي يسلك فيه الإنسان مع الكون من حوله سلوكا ربانيا تتجلى فيه صفات الله تعالى من العلم والإرادة والقدرة والرحمة بالناس والأشياء والحب الخ... وهو النموذج المحمدي المتحقق باتباع القدوة وتطبيق المنهج ، وإذا كان الإسلام كقانون عام أمر ثابت لا يصح تعديله لأنه:

أ- وضع إلهي لم يضعه بشر وبالتالي لايحق لبشر أن يعدله وإذا حدث هذا فهو خروج من الدين(ومن ناحية لايصح إلزام من لم يؤمن به أو قسره عليه :"لكم دينكم ولي ديني").

ب- قانون عام متعلق بطبيعة العلاقات الأساسية المتصلة بالإنسان (كإنسان وحسب ) وبالتالي فإن تعديله خرق لهذا القانون الطبيعي (الفطرة) مما يؤدي الى بناء علاقات الإنسان على أساس غير إنساني وهذا ما يحدث في القوانين الوضعية التي تنزع لشرح وتفسير هذه العلاقات الأسالسية ، وكونه قانون عام يدل على صلاحيته لكل زمان وزمكان بحكم كونه لايحدد تفاصيل السلوك الإنساني في التاريخ الاّ من حيث إتصالها بالعلاقات الأساسية . فإذا كان ذلك كذلك فإن الإسلام كدعوة تريد ترقية وتنمية تلك العلاقات يفتح الباب واسعا للإنسان للإسهام مستخدما عقله وروحه في تحقيق هذا الهدف وبناء تجربته في التاريخ ، فهو بذلك دين متجدد بتجدد حياة الإنسان وتعدد تجاربه التاريخيةفي مختلف العصور.

ومع الإلتزام بالدين كشريعة وقانون عام يمثل الروح العامة والذات الكلية للأمة الإسلامية كأمة ذات خصوصية إنسانية مفتوحة وليست عرقية أو جغرافية أو قومية أو ثقافية ، يمثل الإحسان مدخلا للأسلام الى العصر الحديث الذي تتحدد صفته الأساسية المركزية بالعتباره عصر تعامل الإنسان مع الوجود والكون ومع الآخرين والمجتمع بعقلانية وديمقراطية فهو يرفض اللا عقلانية والجمود والأسطورة على المستوى المعرفي ويرفض على المستوى السلوكي والتنظيمي الظلم والإستعلاء والديكتاتورية والتعدي على حقوق انسان ، هذه هي صفات العصر الحديث والمسماة بالحداثة ، وهي – كما هو ظاهر- لاتتناقض مع الإسلام في شيء:

أةلا تتفق مع الإسلام في أساسه العدلي الفطري.

ثانيا تستطيع أن تكون سياقا تاريخيا جديدا لتجديد الدين في مستواه دعوي وفي هذا السياق يمكن تجديد مفهوم الإحسان الإسلامي كمفهوم حديث على ثلاثة مستويات:

1- الإحسان كعلاقة معرفية وجدانية تعتمد على العقل والقلب معا بمعنى تضامن المعرفة الحسية والعقلية بالكون مع (الإيمان والإعتقاد) بالله الذي يؤدي الى استشفاف الوجود الإلهي في الوجود الكوني ، وهي رؤية ليست أسطورية بقدر ماهي رؤية جمالية تصفي التجربة الإنسانية المعرفية من جفاف وقسوة المادية البموضوعية المجردة منن الروح الإنساني.

2-الإحسان كعلاقة عملية تؤدي الى تطوير تجربة الإنسان العملية والفنية وترقية علاقته بالبيئة والطبيعة باعتبار أن احسان هو إتقان العمل وتجميله وسكب الروح فيه فيأتي العمل المادي حاملا الروح والثقافة، قال صلى الله عليه وسلم:"إن الله يحب إذاعمل أحدكم عملا أن يتقنه " قال المفسرون أي يجمله ويحسنه.

3-الإحسان كعلاقة إجتماعية أخلاقية تقوم على احترام الآخر وتنمية العلاقة معه عن طريق الحوار الفكري الذي يؤدي الى التجانس والتوحد الوجداني بدون تمييز، قال تعالى:"وأحسن كما أحسن الله إليك.." وقال :"وادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن" وهي علاقة كما هو ظاهر تحترم الإختلاف والتعدد ولا تستثني من الإحسان والحوار السلمي الاّ من يتخذ من الإسلام موقف(العداء الفعلي)أي المقاتلين هولاء هم أهل الحرب والذي يجب فيهم الجهاد الحربي والذين تحرم مودتهم وموالاتهم ، أما فيما عدا ذلك حتى (الكفار) المسالمين الذين يختلفون مع الإسلام في (العقيدة) الأساسية ماداموا أهل سلم ومودة فأن الأحسان يشملهم وهم أهل الدعوة بالحسنى. هذا بالطبع إلى جانب الإحسان كعلاقة إنسانية مع الآخر الذي يحتاج إلى المساعدة والدعم المادي والمعنوي.

بهذه المفاهيم يمكن اعتبار الدين الإسلامي دينا إنسانيا حديثا غير متناقض مع اتجاهات هذا العصر الحديث (بل هو أكثرتطابقا مع اتجاهات ما بعد الحداثة).. الاّ أن هناك قضايا تفصيلية تتم إثارتها عادة باعتبارها نقاط تقاطع وتعارض بين الإسلام في أصله وجوهره وبين الحداثة ودالة على وجود حرب وصراع بينهما ، من أهم هذه القضايا قضيتان كبيرتان:

1- مسألة العلمانية وحقوق الإنسان في إطار الدولة الدينية

2- قضية المرأة.

سنفرد لهتين القضيتين أوراقا منفصلة بإذن الله كل على حدى

سامي القريش26/مارس/2009

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق