الأربعاء، 21 أبريل 2010

الجبهة الثقافية

رؤية حول مشروع الجبهة الثقافية
سامي عثمان القريش
مقدمة :
منذ أزمان طويلة والنهضة الوطنية الشاملة حلم يداعب أفئدة شعبنا، وقد ظل السودانيون طوال عقود يحلمون بسودان حر وموحد وديمقراطي ومتقدم إقتصاديا وإجتماعيا وثقافيا، تسود فيه قيم العدالة والتنمية وحرية الأنسان،ومساسا بنظام سياسي عادل يستجيب لكل تطلعات أبنائه معبرا في بنائه التنظيمي والإداري والثقافي والإعلامي عن كل ألوان طيفه الإجتماعية والثقافية والحضارية. وقد إرتبطت هذه الأحلام عند جماهير الشعب منذ بداية الحركة الوطنية وتأسيس الأحزاب السودانية بحلم التحرر الوطني من الإستعمار وتأسيس دولة سودانية مستقلة ذات سيادة كانت هي الوحيدة في عقيدة الشعب التي تجانس وتحقق حلم النهضة العزيز.
وعندما تأسست الأحزاب السودانية صهرت في بوتقتها شعارات النهضة الوطنية مع شعارات التحرر الوطني مما حدا بهذا الشعب المناضل الصبور أن يلقي إليها بعصا النضال الطويل ويحمّلها شعلة حملها في مراثونه الممتد عبر التاريخ. ولكن سرعان ما تحقق التحرر الوطني دون أن تتحقق النهضة الوطنية، ووجدت الأحزاب نفسها في قمة السلطة السودانية وفي خضم واقع غريب وطريق مبهمة وتركة مثقلة:شعب ألقى بعصا الترحال وجلس مترقبا، سلطة سودانية بغير مقومات السلطة الحديثة الاّ تلك الكراسي في شارع البرلمان، مؤسسات وطنية تبدأ أعمالها من الصفر وبغير كوادر مؤهلة الاّ فيما ندر ، تخلف عام وسيادة شاملة لمؤسسات التعليم القديم التي لاتعرف الاّ التلقين والتكرار والإستظهار غافلة عن أساليب التعليم الحديثة والتعليم الإنساني الديمقراطي، رؤية سياسية عاجزة توقفت عند حدود مرحلة الإستقلال والتحرر الوطني،إقتصاد زراعي ضعيف لايفي بمتطلبات الخدمات والرواتب ناهيك عن التنمية بل موجه إستعماريا.هذا الواقع جعل القوى السياسية عاجزة الاّ عن الإحتراب والإقتتال والسياسي والحزبي غافلة مكتسبات الشعب ومتطلباته، ولكنها غير غافلة عن مكتسباتها الحزبية في السلطة والبرلمان فذهبت لحمايتها لاجئة الى القوى الطائفية ناسية أو متناسية أن هذه القوى بالذات هي من صنع واقع التخلف وهي تمثله فهي الأحرص على بقائه في مواجهة أيّة قوى للنهضة قد تصعد في المستقبل، وبدلا من أن تتوحد هذه القوى المستنيرة في مواحهة قوى التخلف أخذت تتحالف معها ضد بعضها البعض فضاعت بذلك قضية النهضة في أقبية السياسة الضيقة، وظلت القوى السيلسية محافظة دائما على مكاسبها السياسية ومواقعا السيادية وعينها باستمرار على القوى الحليفة داخل الجيش كحارس أمين لسلطتها المؤبدة والمستردة، ومايستفيق الشعب من غفوته الاّ ومكاسبه منتهكة وأحلامه ممزقة إربا تحت جنازير الدبابات ،والاّ وهو بين يدي كذابين يمنّونه بالأوهام الكاذبة والنفاق المضل.
هذا الواقع المزري المزمن والمستمر جعل العزلة تسري رويدا رويدا تبني جدارها عاليا بين الشعب وبين قادته السياسيين والحزبيين ، وفقد الناس الثقة تماما في الأحزاب بصورتها القديمةوفي قدرتها في بناء النهضة، وتحولت الأحزاب الى أدوات للصراع السياسي لاتستطيع أن تقدم أي نجاح أو تقدّم الا في إطار حقلها الضيق الأفق والإهتمامات.
إن الأحزاب والقوى السياسية بصورتها الحاليةعاجزة تماما عن تحقيق أي نجاح في مشروع النهضة الوطنية الشاملة ، وهي غير وؤهلة لقيادةمثل هذا المشروع لوحدها وفي معزل عن قوى الشعب الحيّة الأخرى لأن هذه التنظيمات بصورة أساسية هي تنظيمات (سياسيةمحضة)بمعنى أن السياسة عندها تحولت إلى مهنة وغاية تقصد لذاتها لاوسيلة للتغيير أوالنهضة،وقد ساهمت التجربة السياسية السودانية بظروفها المعروفة في نشأتها وبنائها بصورة معزولة عن قواعد الشعب وقضاياه اليومية، فهي لم تنشأ نتيجة لحركة جماهيرية نهضوية بدأت من القاعدة وتصاعدت متطورة حتى تحولت الى قوة سياسية(بمعنى أن تكون لها جذور إجتماعية كما حدث في النهضة الأوروبية) بل لم تعبر بصورة فعلية في برامجها عن قضايا أو مطالب جماهيرية حقيقية، ولكنها نشأت إستجابة لأفكار أصحابها وانتشرت نتيجة لنضالاتهم ووعيهم الوطني وعبرت عن مجهودات صادقة ولكنها تكاد تكون فردية ومعزولة ، جسدت مدى هوة وعمق التخلف المستشري في أوصال جسد هذا الشعب ، لذلك ظلت أبنية مقامة فوق رؤوس الجماهير لم تستطع أن تنزل الى أرضها وتلتحم بقضاياها.وفي حدود حقلها السياسي الضيق المعزول إنبنت هذه القوى فكريا وتنظيميا وحركيا، وجسدت في بنائها الداخلى هذا الحقل بصورته الشاذة التي تضيع فيها الرؤى والأهداف وتنبهم الطرق وتصبح السياسة فيه صراعا في الظلام.
لقد تأسست القوى الداخلية لهذه الأحزاب والتنظيمات على أساس سياسي محض(كمهنة وتخصص فاشل أو كشلليات فاسدة)وغير نهضوي : تكتلات منفعلة بقضايا ومصالح شخصية أو طائفية أو أيديلوجيّة بعيدة كل البعد عن المفاهيم النهضوية:التخطيط والتنظيم والعلمية والديمقراطيّة والمؤسسية.. (وهي المفاهيم الوحيدة القادرة على إنجاز النهضة)، وانبنت على أساس تنظيمي مركزي لايكرس الاّ لتركيز السلطة في أيدي القيادة العليا مما يؤدي الى شخصنة القضايا والرؤى الفكرية المزاجيّة، وسيادة الهوى على الفكر السياسي.وبذلك لاتصلح هذ القوى لقيادة أية حركة نهضوية الاّ بشروط الأصلاح الفكري والتنظيمي والتحالف مع القوى الإجتماعية الحية الأخرى غير السياسية .
وفي المقابل أي الجانب الآخرمن جدار العزلة ، يقبع الشعب الصبور معانيا أسوأ أوضاع للتخلف تشهدها البشرية في كل جوانب الحياة ، ومن ويلات الحرب والتمزق التي جرتها عليه إجتهادات السياسيين وشهواتهم مترقبا الوحي الذي يمكن أن ينزل من السماء على أحد من هولاء السياسيين لينقذه والنتيجة دائما لهذا الوحي المزيد من التخلف والمزيد من الفقر والمعاناة والإحتراب والإغتراب، حتى بدأ اليأس يتسلل الى قلوب الناس وبدأ الشعب يفقد الثقة في نفسه وفي نهضته وفي مستقبله حتى وصل اليأس الى درجة مخاصمة الوطن وفقدان الرغبة في الإنتماء اليه كوطن يسع الجميع وبدلا من ذلك أستيقظت من منامها الهويات القديمة والنعرات الذميمة واتسعت دائرة الإحتراب والمخاصمة وبدأت نجمة الوطن في الأفول.
إن الأزمة الوطنية الشاملة التي تجلت في أجلى مظاهرها في هذا الحال تعود في جوهرها الى سببين:
1/القوى السياسية كافة يمينها أو يسارها لم تستطع منذ الإستقلال وحتى الآن أن تصل الى برنامج وطني للنهضة يستطيع أن يحلل بصورة علمية مشكلات الوطن ويصل الى حلول جذرية لها ، وأن يصل الى رؤية واضحة للنهضة السياسية والإقتصادية والثقافية تجمع بين عناصر العدالة الإجتماعية والكفاية والنظام السياسي الديمقراطي الراشد، برنامج يمكن أن تجتمع عليه قوى الوطن تتوحد عليه وتتطور تحت رايته، تتخلى عن قديمها البالي وتتجدد بالأساليب الديمقراطية والمناهج العلمية ، وتطور من نظمها الفكرية والإدارية ومن برامجها السياسية والثقافية. وهي لن تستطيع أن تصل الى مثل هذا البرنامج مادامت تعتقل نفسها داخل أقبيتها الضيقة ومالم تنفتح على إنسان الوطن الكبير وعلى القوى الحية الكامنة في داخله.
2/ سيطرة الوهم القائل أن مشروع النهضة مشروع سياسي لن تستطيع إنجازه الاّ الدولة أوالقوى السياسية في معزل عن المشاركة الواسعة لقوى المجتمع الحية والناهضة ، وهي القوى الوحيدة صاحبة الحق والمصلحة في النهضة ، هذه العزلة أثرت حتى على هذه القوى فأصبحت قوى خاملة منشغلة بقضاياها الجزئية واليومية غافلة عن دورها الوطني فأدى ذلك الى تراجع الروح الثورية والنهضوية وحلت محلها روح الإنهزامية والإنكفاء والعزلة فأثر ذلك على الرؤى والبرامج والأشكال التنظيمية والإدارية للمؤسسات والمنظمات المدنية والإتحادات والأندية والروابط الجماهيرية فأصبح الشعب بعيدا تماما عن المشاركة .
إن بناء برنامج وطني وثوري للنهضة سيعتمد على ثلاثة عناصر جوهرية وضرورية:
أ‌- الإصلاح السياسي والحزبي وبناء المؤسسات الوطنية على مستوى الدولة على أسس ديمقراطية جوهرية وعلمية.
ب‌- المشاركة الجماهيرية الواسعة من خلال تنظيمات المجتمع المدني المتنوعة بما يحقق بناء لمجتمع مدني مندفع بقوة نحو النهضة والتقدم الإقتصادي والسياسي والثقافي والتعليمي وعلى أسس العدالة والديمقراطية والشفافية.
ت‌- المقاومة العنيفة لكل أشكال التخلف العقلية والتنظيمية والسلوكية ، ومقاومة قوى التخلف الداعمة لمؤسساته وتحافظ على قيمه وقواه الجوهرية ،وذلك بإصلاح البنيات الإجتماعية القاعدية كبنيتي(التربية والتعليم)و(الإنتاج المعرفي والإقتصادي) وتصفيتها من هذه القوى .
مثل هذا البرنامج يقتضي وجود (قوى نهضوية) قائدة تتميز ببرامجها وقيمها الفكرية وتناضل بقوة ضد التخلف وقواه ومؤسساته على جبهتين :
1- الجبهة الثقافية:وهي التحالف الواسع بين قوى الشعب المدنية المختلفة والمتنوعة سياسيا واجتماعيا وثقافيا من أجل ترسيخ ونشر ثقافة النهضة والنضال على مستوى القواعد الجتماعية من خلال المساهمة الواسعة في بناء الإنسان الجديد فكريا وتنمويا واجتماعيا وتفجير قواه الحية والكامنة في الشعب وبناء مؤسساته ومنظماته وتجفيف منابع التخلف المتجذرة عميقا في الشعب.
2- الجبهة السياسية: وهي جبهة المقاومة السياسية للأشكال التنظيمية والقانونية والمؤسسية للتخلف والتي تبنيها وتحافظ عليها قواه السياسية ، وهذه الجبهة هي التحالف العريض للقوى الديمقراطية التي تعتبرالإنسان ونهضته قيمة جوهرية في فكرها.
هذه الورقة تحاول التعرض بشيء من التفصيل (للجبهة الثقافية) في أسسها الفكرية وبرامجها وقضاياها وصولا لصيغة عملية وتنظيمية يجب التعرض لها في ورقة أخرى، هذا بدون التعرض للجوانب السياسية التفصيلية المرتبطة بمشروع الجبهة الثقافية.
العناصر السياسية والإجتماعية للنهضة:
لقد خلقت إتفاقية السلام (نيفاشا) مناخا إيجابيا للسلام بين قوى الوطن ، وإن لم يتحقق هذا السلام بصورته الكاملة في دارفور،الاّ أن الإتفاقية صالحة لتكون أساسا لسلام الوطن بما تؤسسه لدولة ودستور ديمقراطيين.وبالرغم من أن هذا الإتفاق بني على أساس الشراكة بين الحركة الشعبية والمؤتمر الوطني-وهذه هي طبيعة إتفاقيات السلام التي تتم بين المتحاربين-الاّ أن البعض ظن أنه يمكن أن يبني عليها برنامجا وطنيا للنهضة والتنمية والشراكة الإجتماعية الإستراتيجية ،فانطلقت دعوات ومبادرات تحاول جمع شتات كل البيض والأحجار في سلة واحدة لالتبني برنامجا سياسيا معينا ولكن لبناء مشروع النهضة تدفعها النوايا الحسنة أحيانا والسيئة أحيانا أخرى مثل مبادرة البرنامج الوطني (الشريف) والمؤتمر الجامع (الصادق)- في أبعاده الإجتماعية والفكرية-ومبادرة جمع الصف الوطني(سوار الدهب)...الخ.وكلها كتب لها أن تبوء بالفشل الذريع لأنها لاتتأسس على رؤية معرفية وإجتماعية واضحة وموحدة وإيجابيةلقضية الوطن بل تدفعها الأماني ويكذبها الواقع.فالسلام يعني فض النزاع بين المتحاربين ويمكن أن يخلق مناخا للإستماع للآخر والعيش المشترك، ولكنه غير كاف لإقناع الناس بترك أيديلوجياتهم القبيحة وسلوكهم الشاذ، والآليات الديمقراطية كما هي صالحة لإنجاز النهضة أيضا صالحة لهدمها ، والذين جاءوا عبر الدبابات يمكن بذات العقلية أن يزوروا الإنتخابات.
إن مشروع النهضة كمشروع يستهدف حرية إنسان السودان وكرامته ورفعته الإقتصادية والإجتماعية لايمكن بحال من الأحوال أن يتجانس أو يتحالف مع أيديلوجيا تضطهد الإنسان تأسيسا على مبدأمن مباديء العبودية الإجتماعية التي تتأسس عليها الثقافة السلفية التي تنظر للناس باعتبارهم رصيدا(للاخرة)وحسب أما مكتسبات الدنيافهي (شأن رباني يفيض به على حملة دعوته ورسالته لتمكينهم في الأرض). وايضا لايمكن أن يتجانس أو يتحالف مع نظام أجتماعي عبودي كالذي تتأسس عليه الطائفية التقليدية التي تسود إنسانا على الآخرسيادة مطلقة وتقسم الدنيا على هذا الأساس ،كما لايمكنه أن يتحالف مع نظام حزبي يضطهد الإنسان ويجعله آلة تنفيذية يسمع ويطيع وينفذ أهواء القيادة العليا . إن هذا الأساس السياسي المتناقض لايصلح أن ينبني عليه مشروع النهضة لأنه يجمع بين المتناقضين، والنهضة لابد أن تبنى على موقف جوهري وقاطع وعل أسس فكرية واجتماعية خصوصا على صعيد حرية الأنسان لأن قضية النهضة ليست سياسية مجردة ولكنها في الأساس قضية إجتماعية وفكرية عميقة تنهض لحل مشكلة التخلف كمشكلة رئيسية وعلّية في كل مشكلات الوطن، والتخلف هو تخلف الإنسان أي بشكل مباشر هو (عجزه عن تحقيق حريته وإنسانيته بمختلف أشكالها) إذا هي قضية تضع فاصلا جوهريا أو منهجا للفصل بين أنواع مختلفة من القوى إنطلاقا من (الإنسان) وحريته كإنسان وحسب وبالتالي لايمكن خلق تحالف استراتيجي للنهضة بين قوى تضطهد الإنسان وأخرى تسعي لحريته . والتحالف الصحيح لذلك هو تحالف القوى التي تناضل بقوة من أجل حرية الإنسان وتضع الديمقراطية كقيمة جوهرية في فكرها ونظمها الثقافية والتنظيمية والقانونية ..وهي ليست بالضرورة قوى سياسية ولكنها إجتماعية وثقافية أيضا ..لماذا؟
إن عالم اليوم يشهد تناقضا واضحا بين النزعات التجديدية ذات السمات الإنسانية الكونية ، بين النزعات القديمة والمحافظة التي تنطلق من منطلقات أخرى غير إنسانية (عرقية أو شعوبية أو أيديلوجية) ، وفي ذات الوقت يشهد تناقضا اقتصاديا متزامنا مع التناقض السابق بين حركة التقارب الإقتصادي العالمي(العولمة) وبين اتجاهات وأنظمة الهيمنة المسنودة بالقوة العسكريةوالتي تسعي لخلق مراكز كونية جبارة متمركزة حول مايمكن تسميته بالإقتصاد الراسمالي المؤدلج. هذه التناقضات خلقت شكلا من أشكال الإستقطاب العالمي بصورة جديدة وحادة بين (مراكز) تتضامن وتتقارب على الهيمنة الإقتصادية والتفوق الشعوبي وتهميش الأطراف ، وبين (أطراف) تسعى للتضامن الإنساني والتقارب العالمي من أجل خلق عالم إنساني جديد وموحد ، وهي في هذا السعي تجد نفسها في تحد وصراع لإنتزاع قدراتها الإقتصادية اللازمة لبناء العالم الجديد من براثن قوى الهيمنة العالمية ولإيجاد طريق لبناء الأسس الجديدة لنظام عالمي ديمقراطي عادل ومتساوي.
هذا التناقض والإستقطاب الحاد الذي أفرزته وماتزال تفعل عوامل كثيرة : إقتصادية: كطبيعة النظام الإقتصادي الرأسمالي المتمثل حاليا في تركيز الأموال المتعددة الجنسيات والسيطرة على حركة الإقتصاد العالمي،وثقافية: تتمثل في المحاولات المستمرة لخلق حالة التبعية وتهميش الثقافات العالمية من خلال ترسيخ مفهوم التفوق الثقافي الى جانب خلق الحروبات المقصود بها صناعةالإستقطاب الثقافي بين شر مصنوع وخير متوهم،وعلماجتماعي: المتمثل في الإنفجارات العلمية والثقافية ذات الأثر الإجتماعي العميق خصوصا في مجالات تقنية المعلومات والإتصالات والتي حطمت نهائيا الحواجز بين الإنسان والآخرمن جانب وسهلت من حركة الإقتصاد من جانب آخر.هذا الإستقطاب يعمل في إتجاهين:
- في إتجاه المراكز(الإقتصاثقافية)ذات الطبيعة الإمبراطورية العالمية لتركيز القوةوتوحيدها من خلال التنافس/ التفاوض المستمر وحركات اللوبي الضاغطة لتلافي الصراع بين المراكز.ومن خلال خلق العلاقات الإقتصادية ذات التاكتيكات السياسية مع القوىالمركزية في الأطراف مالكة السلطة والثروة والتى تلتقي مصالحها الدائمة مع قوى الهيمنة.
- وأيضايعمل في إتجاه الأطراف التي تمثلها(القواعد)المطلقة للإقتصاد والثقافة الإنسانية، وفي هذا الإتجاه يعمل على توحيد القوى ذات الطبيعة الإنسانية المناهضة للهيمنة من خلال فرز إجتماعي عميق داخل الشعوب تتحدد من خلالها رؤى فكرية واتجاهات إجتماعية وحركية جديدة حسمت نهائيا موقفها من قضية الصراع الإنساني وقطعت بشكل نهائي مع الأشكال الأيديلوجية القديمة التي تفصل بين الإنسان الآخر بأي فاصل كان (سوى العمل الإيجابي الخيّر لمصلحة الإنسان بما هو إنسان بالطبع )، وأصبحت العدالة الإجتماعية والديمقراطية لكل البشرشعارها الأساسي وحددت بذلك صراعها واتجاهاتها الأستراتيجية كقوى مناضلة جذريا من أجل حرية الإنسان ورفعته الكونية ومن أجل حل مشكلة تخلف الشعوب وفك قيود إستعبادها وجهلها .
وبذلك يتم تحديد معالم هذه الحركة الإنسانية العالمية كحركة واحدة تعمل في ثلاثة إتجاهات:
- إتجاه سياسي بالعمل على تحرير الإنسان أينما كان وكيفما كان من قيود القوى اللا إنسانية المطبقة عليه قهرا واستعبادا وهيمنة.
- إتجاه إجتماعي إقتصادي وذلك من خلال بناء الجسور والشراكة بين الشعوب والتضامن الإنساني من أجل بناء النهضة والقدرات البشرية القادرة على الفكاك من قبضة الهيمنة.
- إتجاه ثقافي ويعمل على نشر الوعي العالمي بالإنسان ككائن مميز وحر، ونشر ثقافة الحرية والعدالة الإنسانية والسلام العالمي ووحدة الثقافة والإجتماع البشري.
وبالتالي، فإن القوى التي تمثل هذه الحركة الإنسانية قوى متعددة تتضامن مع بعضها وتتفاعل وتعمل من خلال علاقات إجتماعية وتنظيمية تجسد في ذاتها الأهداف والغايات الكبرى ، فتبدوفيها ثلاث سمات جوهرية : الديمقراطية واللامركزية التنظيمية- والتخصصية- والتكامل، فهي تحدد عدوها بدقة وتتحالف (كل في مجاله) لصرعه ، وهذا العدو هو كل ما يهدد الإنسان في إنسانيته وجودا وكرامةورفعة وحرية فهو إما عدو داخلي وهو التخلف أو خارجي وهو القوى النقيضة المتعددة المنطلقات والمستويات والأهداف وتعمل جميعا على بقاء الإنسان في تخلفه الأبدي.
العناصر الثقافية
الثقافة مفهوم متسع الدلالات الى درجة أن الفكر الإنساني وخصوصا في عالمنا الثالث لم يستطع أن يضع له تعريفا محددا جامعا مانعا متفقا حوله يبين ماهية الثقافة وموقعها كنشاط إنساني ودورها الإجتماعي ويحدد العناصر المكونةله وعلاقاتها الداخلية والخارجية، ولكن إنطلاقا من المنطق الإنساني البسيط فإن الثقافة نشاط يتعلق بالإنسان وحده من دون الكائنات الأخرى، ويمكن أن نقول بالتحديد أنها (أسلوب) الإنسان في التعامل مع العالم من حوله ،والإنسان في تعامله مع العالم(طبيعيا)أو(بشريا)أو(ثقافيا) يعمل بأسلوب الأخذ والعطاء فهو (يكتسب)من العالم و(يضيف)اليه، فإكتسابه من العالم(إذا تمت عملية الأخذ والعطاء بصورة صحيحة وإيجابية) (ثقافة) لأن العالم يعمل إيجابيا على تنمية الإنسان من خلال تهذيبه مدنيا وصقل مواهبه وقدراته العامة، وبالتالي يعمل بإستمرار علي تحويله الى إنسان جديد ومتجدد بل مترقيا اكثر في مستويات التطور والرقي المدني والخلاق، فالإنسان يكتسب من العالم :(لمعرفة) بالعالم ذاته من خلال وسائل متعددة : الإحتكاك بالعالم عن طريق التجربة والممارسة والخبرة المباشرة- إكتساب المعرفة عن طريق التعلم والتربية والتبادل- إكتساب المعرفة عن طريق التفكير الحر والتأمل الذاتي والإستبطان الداخلي..هذه المعرفة تتشكل عندالإنسان في شكل (تصوّر)للعالم-قد ينطبق أو لا-مع الواقع الخارجي ولكنه يظل تصورا خاصا ويبدو في إتجاهين: (رؤية)للعالم و(رؤيا)له:
- الرؤية تصور لما هو كائن وتلعب الذاكرة والمنطق العلمي هنا الدور الأساسي.
- الرؤيا تصوّر لما يجب أن يكون وهنا الخيال والرغبة في الأفضل(له) هما الذان يلعبان الدور الأساسي.
هذه التصوّرات هي التي تدفع الإنسان للعمل في الواقع من أجل تغييره حلا لمشكلاته وإبداعا للعالم الجديد (كما يتصوره).إن (العمل) المادي يمثل البنية القاعدية لمفهوم الثقافة في جانبه الثاني وهو(الإضافة)لأن أي عمل إنساني ينبني على عنصرين جوهريين: عنصر مادي وعنصر ثقافي،العناصر المادية للعمل لاتمثل أية إضافة حقيقية للعالم لأن الإنسان مهما عمل لن يضيف للعالم (ذرة) واحدة جديدة،أما الإضافة الحقيقية فهي في العنصر الثقافي للعمل (إعادة تشكيل العناصر المادية وفق التصورات الخاصة)لأنه إنعكاس لهذه التصورات للعالم والتي تعبر بالضرورة عن ذات الإنسان ووعيه ولأنه يخلق تميّزالعمل وخصوصيته.
قدمنا بهذه المقدمة لأن الحديث عن النهضة الثقافية يقتضي الأنطلاق من مفاهيم واضحة وتصوّرات محددة لما نريد، فالنهضة الثقافية تمثل حجر الزاوية في مشروع النهضة الشاملة وتشكل التحدي الأساسي فالتنمية الأقتصادية يمكن بناؤها إنطلاقا من أية منطلقات أيديلوجية أو سياسية مختلفة، ولكن هذه المنطلقات لاتستطيع تحقيق نهضة حقيقية للإنسان الاّ بشرط الحرية، وحرية الأنسان تعني(مشاركته) في النهضة مشاركة حقيقية فكرا وتصميما وصياغة وتخطيطا وتنفيذا مما يقتضي فتح النوافذ على مصراعيها لتيارات المعرفة المختلفة وتنمية وسائلها ووسائل نقلها وتلقيها كالنشر وتمليك المعرفة وتطوير وسائل نقل المعلومات الحديثة بصورة تهدف مباشرة لتنمية المعرفة لدى الإنسان.كما تقتضي إتاحة حرية التعبير وتمكين الإنسان من الإبداع إقتصاديا كان أم ثقافيا أم فنيا..إذاً النهضة الثقافيةمقدمة ضرورية للنهضة الشاملة لأنها تخاطب الإنسان بالذات في إرادته الحرة ومعرفته بالعالم وإبداعه الحر المعبر عن ذاته، وبالتالي تعمل على إنتاج وبناء الإنسان الجديد والقائد المصمم والمنفذ للنهضة الإقتصادية والسياسية والباني للحضارة الجديدة.
إن الشرط الأساسي للنهضة-كما قدمنا – هو الحرية، وحرية الإنسان في حقيقته ليست مجرد حرية سياسية أو إجتماعية بل هي أعمق من ذلك فالحريةلا تتجزأ إنها كل واحد متكامل أساسها حرية الإرادة الذاتية، الشعور بإستقلالية الذات في الوجود الكوني والشعور بالكينونة الخاصة ووزنها الوجودي والشعور بالمساواة الإنسانية فكل البشر سواسية،وهذا الشعور لايكتسب الاّ بالمعرفة الأعمق معرفة الإنسان بذاته وخصوصيته.إن أشد آفة تنتهك حرية الإنسان وتعيق حريته هي الجهل بالذات والخطأ في تقديرهاوهذا يجعل الإنسان إمامحتقرا لذاته مشيئا لها يتعامل مع الآخرين بدونية وعقلية العبيد مكرسا لتخلفه، أومغاليا في تقديرها جاعلا لهافوق رؤس الناس محتقرا إياهم،ومن جانب آخرفإن من أشد الآفات التي تنتهك هذه الحرية مفهوم (السلطة) أي سلطة ألإنسان على الآخر بمختلف أشكالها ومستويات قهرها والتي ميزت تاريخ الإنسان منذ نزوله على الأرض والى يومنا هذا ، وأشد أنواع هذه السلطة على الإنسان خصوصا في عالم اليوم هي السلطة الفكرية أو الثقافية والتي تستطيع أن تتوسل بكل أشكال السلطة الأخرى سياسية أو إجتماعية لفرض ذاتها على الوجود لإنها لاتستطيع أن ترى في الوجود الاّ ذاتها وحسب، فهي سلطة عمياء يسيطر عليها وهم الحق المطلق وتلك هي ماتسمى بالأيديلوجيا الزائفة أو الوعي الزائف بالعالم الذي لايرى في العالم الاّ أحاديته المطلقة والمتوهمة،لأن تعدد البشر يعني تعدد الذوات وبالتالي تعدد العالم المتجلي في الرؤى المتعددة له،والمساواة بين البشرتعني أن جميع هذه الرؤى صحيحة وإن (قد تنطبق أو لا)مع واقع العالم فهي صحيحة من حيث أنها تعبر بصورة صحيحة عن ذوات أصحابها .إن العلاقة الصحيحة بين الإنسان الآخر يجب الاّتنبني إبتداء على أساس السلطة فالبشر متساوون ولاسلطةلأحد على الآخر ولكن المفهوم الصحيح للسلطة يقوم على أساس وجود (مؤسسة) بين الطرفين هي التي لها السلطة على الطرفين والسلطة التي تحفظ حرية كلا الطرفين هي السلطة الديمقراطية وسميت مؤسسةباعتبار أنها تحقق علاقة مؤسسة على أسس سليمة وقانونية و(موضوعية) باعتبار أنها لاتعبر بالضرورة عن ذات أحد الطرفين فالسلطة أو المؤسسة الإجتماعية عمل إنسان يشترك فيه بالتساوي جميع أعضاء المؤسسة ، فهي بالتالي تعبر عن الذات الكلية او الجمعية للجماعة ولا تعبر عن ذات أحدهم. إن المؤسسة تقوم على أسس موضوعية بمعنى أنها تنبني على قواعد وقوانين علمية لا على رؤى وتصورات أحد أفراد الجماعة أو طرف من أطرافها ولكن هذه القواعد تعبر عن وجود(عقد أجتماعي) يتخلى فيه الأفراد أو أطراف ألجماعة عن ذواتهم الخاصة أو جوانب منها لمصلحةالذات الكلية للجماعة والتي هي وجود موضوعي بالضرورة وهذا هو المفهوم العميق (للعلمانية) فهي لاتعني تناقضا مع الذوات الخاصةلأفراد الجماعة أو تصوّراتهم ولكنها تفصل بشكل موضوعي وعلمي بين الذات الخاصة والمؤسسة فالذين يتولون السلطة التنفيذية في المجتمع بتفويض منه يجب عليهم أن يفصلوا بين (الحق العام) و(الحق الخاص) بمعنى الفصل بين تصوراتهم الخاصة ومقتضيات المسؤلية المؤسسية.
إن النهضةالثقافية لايمكن أن تنبني بأي حال من الأحوال على رؤية أحادية للعالم لاّنها بذلك تكون معبرة عن مبتدريها فقط ومفروضة على الآخرين. إن العالم واحد ولكن البشر متعددون وبالتالي الرؤى والثقافات متعددة ،وجوهر النهضة هو إبراز هذا التعدد والثراء العظيم للإنسان والعالم، ومن أجل ذلك فإن حركة النهضة هي صراع مستميت ضد سلطة الأيديلوجيا والثقافة الأحادية. إن مفهوم الديمقراطية الثقافية أو ديمقراطية الثقافة يعد مفهوما جوهريا في حركة النهضة خصوصا في بلد كبلدنا تتعدد فيه الثقافات بشكل كبير لكن تتسيد بل تتسلط فيه ثقافة واحدة في سلطتها أحادية في رؤيتها وتتوسل لذلك بالسلطتين السياسية والإجتماعية، إن ديمقراطية الثقافة تعني (حيادية) السلطة السياسية تجاه الثقافات ، وبالتالي نزع عنصر (التسلط) من الثقافة وإلغاء مركزية الثقافة الواحدة وإتاحة الفرصة للثقافات المتعددة للتتفاعل وتتحاور بحرية وتنتشر وتسود وفق معايير الصحة والإقناع والعمق والديمقراطية بدون الإنحياز لثقافة معينة على حساب الأخريات.
إن الدور الإيجابي والنهضوي الذي يمكن أن تقوم به الدولة والسلطة السياسية تجاه الثقافة عامة هو أن تجسد بصورة حاسمة مفهوم الحرية الإنسانية بشقيها الذاتي والإجتماعي من خلال تطبيق المعايير الجوهرية والعميقة لحريتي المعرفة والتعبير وتحويلها الى مؤسسات راسخة يحتكم ويلجأ اليها الناس،إن دور الدولة هو (خدمة) التفاعل الحر للثقافات وفتح مساربه وتطويره من خلال تصحيح المؤسسات الثقافية وتطوير معاييرها . ويمكن تقسيم هذه المؤسسات الى قسمين:
- مؤسسات تعمل على أساس (حرية المعرفة) وتخدم الجانب المعرفي في المجتمع كالمؤسسات العلمية والتعليمية والتثقيفية، فهي علمية من حيث أنها تنتهج البحث العلمي الذي يعمل على تنمية وإنتاج المعارف والعلوم وبالتالي يسهم في تنمية الوعي العام بقضايا المجتمع والنهضة، وهي تعليمية /تعلّمية تنتهج (ديمقراطية التعليم والتعلّم) لتعمل بشكل مباشر في بناء الإنسان الجديد وإتاحة الإسهام العام في النهضة.
- مؤسسات تعمل على أساس (حرية التعبير) مثل مؤسسات النشر الثقافي بمختلف أوجهها ومؤسسات الإنتاج الفني والمؤسسات الصحفية والإعلامية وهي الكفيلةبالأعلان والتعبير عن الوعي الإجتماعي العام وعن الذات الفردية والجمعية داخل المجتمع.
غير إن واقع الحال يقتضي الإسهام المباشر والفعال من كل قطاعات المجتمع ومؤسساته الفكرية والثقافية وقواه النهضوية في حركة التغيير والضغط الجماهيري والمؤسساتي على الدولة لكفكفة قواها وتحقيق تراجعها لمصلحة الحرية والنهضة.إن الطريق الفعال نحو النجاح وتحقيق هذه الأهداف هو الآتي:
- وحدة القوى النهضوية (سياسية وثقافية) وتضامها.
- التخطيط العلمي.
- المقاومة الفعالة.
إن مشروع الجبهة الثقافية والإجتماعية يفترض أنها الأداة السليمة لمقاومة السلطة وقوى التخلف في الحقل المعرفي والثقافي وهي أيضا أداة تحقيق النهضة الثقافية. وهي عبارة عن تحالف ثقافي إجتماعي تشترك فيه كل قوى المجتمع السياسية ومنظماته المدنية ومؤسساته العلمية وقواه القاعدية والفئوية يهدف بشكل مباشر الى دحر التخلف بكل صوره وتجلياته السياسية والإجتماعية والثقافية والفكرية والدينية ودحر قواه المحافظة عليه والعاملة على ترسيخه سواء كانت في السلطة أو في المجتمع. كما يهدف الى بناء النهضة الفكرية والعلمية والثقافية كمقدمة ضرورية للنهضة الوطنية الشاملة.
قضايا وأهداف الجبهة الثقافية والإجتماعية
· محاور للبحث والحوار الفكري:
1- محور السلام والوحدة الوطنية:
إن حركة النهضة يجب أن تنبني على رؤية واحدة و مشتركة لقضية الحرب السلام والوحدة الوطنية لأن النهضة تترتب على هذه القضايا ، وفي وجود الحرب وتفكك الوطن لامعنى للنهضة ثقافية كانت ام إقتصادية أم سياسية ، والسلام المقصود ليس فقط بمعانيه السياسية ولكن بمعناه الإجتماعي الأشمل لأنه الأساس لسلام الوطن ووحدته . فما هو السلام وكيف يتحقق؟
السلام في أعمق معانيه هو قبول (الآخر) ومعانقته والتوحد معه على علاته ،ولايعني ذلك تنميطه أي إجباره على أن يكون نسخة من (الأنا) ذلك جذر الشقاق والحرب ، ولكن الإختلاف هو الضمان الوحيد للسلام ،لأنه يحافظ على حرية الذات (ذات الاخر) ويضمن ثقتها . ولكن هل تستطيع (النفس الإنسانية)أن تقبل السلام مع الآخر المخالف؟ الطريق الوحيد الى ذلك هو (سلام النفس) أو ما يمكن أن نسميها بالحرب الأخرى . سلام النفس هو تواضعها واعترافها بالنقص والأحتياج للآخر المكمل وهذا يقتضي الحرب (ضد) النفس او الأنا االسفلى التي تظن أنها مركز العالم وانها الكمال المطلق ، وأن لها السيادة المطلقة على الكون والآخر .إن سلام الوطن ووحدته لايمكن أن يتحقق الا ّ في وجود هذه الحرب الأخرى لهزيمة التسلط والشوفينية في ذواتنا على المستوىالشخصي أو الفكري اوالموضوعي (المؤسسي والتنظيمي).
وفي داخل هذا المحور تنتصب قضايا مهمة جديرة بالبحث والحوار ونشر الوعي حولها :
أولى هذه القضايا :قضية الهوية الوطنية
الهوية هي معرفة الذات الأنتماء لها والتعبير عنها والدفاع عنها ، إجابة عن السؤال الأساسي :من أنا ؟ من هو ؟.إن العقل القديم للبشرية لم يكن يستطيع أن يدرك للإنسان الاّ هوية واحدة هي تلك الظاهرة التي يتبناها ويتعامل بها مع الآخرين وبالتالي لم يستطع الإنسان أن يدرك ذاته الاّفي حدود ضيقة جدا هي التي يرسمها له وعيه الحاضر فيظلم نفسه ويظلم الآخرين، وربما كان السبب في ذلك الحياة الإنسانية البسيطة والعقل التجسيمي التبسيطي الذي تعاملت به البشرية . أما في عصورنا الحديثة وفي الحياة الإجتماعية المعقدة، فإن العقل الإنساني يستطيع إدراك الهويات المتعددة للأنا :فمن أنا ؟ هو يستطيع أن يصفها بصفات مختلفة وكثيرة ومتنوعة من حيث العرق أو الدين أو الثقافة أو العمل ...الخ ولكن السؤال الأساسي في هذا العصر :بأي هذه الهويات يتعامل مع الآخرين وكيف يتعامل ؟ ماهي الهوية الأساسية وماهي علاقتها بالأخريات ؟
إن هذه القضية مهمة لإرتباطها بالسلطة الإجتماعية والسياسية وتأثيرها في قضية الحرب والسلام في الوطن.
وأيضامن القضايا التي تندرج تحت هذا المحور : قضيةالأيديلوجيا والأثر الثقافي والسياسي للفكر الإنساني .
إن الفكر تعبير عن الذات الإنسانية ورؤية العالم نتاج للفكر الذي يعمل في العالم ،فمتى يمكن ان نسمي رؤية العالم (أيديلوجيا)؟ وماهي الجذور لما يمكن ان نسميه الصراع الأيديلوجي وأثر هذا الصراع في الواقع السياسي وفي قضية الحرب والسلام؟
الأيديلوجيا هي رؤ ية العالم حينما تتحول الى (فكر منظم) بقصد تحويله الى فعل عملي لتغيير الواقع ،وفي الواقع فإن عملية التغيير المستندة الى فكر مسبق ومنظم عملية شرعية وعلمية ولاغبار عليها بل ان أي فعل لايستند على فكر هو فعل عشوائي وغير ناجح إن التخطيط العلمي الذي هو من أسس عالمنا المعاصر هو عبارة عن فكر منظم يقوم على مراحل : بحث علمي – بناء أهداف – خطط عملية – تنفيذ ، بل أكثر من ذلك فإن وجود (رؤية للعالم) سابقة للتخطيط ضرورة لخلق الإضافة والتميز . إذاً المشكلة ليست في طبيعة اليديلوجيا كفكر منظم وسابق للعمل ، فإين المشكلة ؟ المشكلة تكمن في إتجاه هذه الرؤية وأهدافها ومضامينها الداخلية ، فرؤية العالم كما ذكرنا تعبر عن الذات الإنسانية عندما ترى العالم وترى نفسها فيه .والذات الإنسانية في هذا المقام على ثلاثة أحوال:
- إما أن ترى نفسها مركزا للعالم وكعبة له يدور من حولها ،فإنها بذلك تخلق رؤية أحادية للعالم لأنها ترى العالم من ذاتها وبالتالي تخلق أيديلوجيا متسلطة لاتعترف بالحقائق العلمية .
- وإما أن ترى نفسها جزءا صغيرا من العالم ولها فلك تدور فيه بإنتظام متجانس مع بقية الفلاك في نظام كوني واحد واكبر ، هذه تستطيع أن تخلق رؤية للعالم متعددة ومتجانسة ومتحدة وبالتالي تخلق ايديلوجيا علمية تعترف بالحقائق العلمية.
- وإما أن ترىنفسها جزءا من عالم مبعثر لاينتظم في أفلاك وليس له نظام كوني واحد فهذه لاتستطيع أن ترى العالم ككل ولاتعترف الاّ بالحقائق العلمية الجزئية ، ولاترى العالم خارج الظاهرة المدروسة ، فلاتستطيع بالتالي أن تخلق أيديلوجا ما أو تخطيط علمي سليم (الفكر البراجماتي- الفكر الفوضوي).
إن أخطر هذه النواع على السلم الإجتماعي خصوصا اذا تحولت الى ايديلوجيا سياسية تمتلك السلطة المالدية والإجتماعية هي الرؤية الأولى لأنها لن تعترف بالاخرين وافكارهم ورؤاهم فستحاول تنميط الناس جميعا على طبق ذاتها ونموذجها هي فتجعلهم نسخة منها . تليها في الخطورة الرؤية الثالثة التي لن تستطيع أن تخلق فكرا إجتماعيا شاملا معتمدة على حقائق البحث العلمي الجزئية التي تخدم قضايا ومصاح جزئية ولاتفي بكل ما هو مطلوب إجتماعيا فتنقلب رؤية مزاجية عند أفراد القيادة فتتحول الى ديكتاتورية فردية . أما أقرب هذه الرؤى للسلم الإجتماعي هي الرؤية الثانية لوجود خاصيتين :
1/ قدرتها على صنع الأهداف الإجتماعية الشاملة.
2/ إعترافها بالتعدد وبالتالي إعترافها بالآخرين من ناحية ونتائج البحث العلمي من ناحية أخرى.
فهذه الرؤية بهذه الخصائص تستطيع بناء النظام إجتماعي متعدد ومتجانس في وحدة وطنية شاملة وهو ما نسميه بالنظام الديقراطي .
القضية الثالثة والمهمة تحت هذا المحور هي قضية النظالم السياسي والإجتماعي (النظام العام)
النظام السياسي والإجتماعي تعبير عن الذات الكلية الجماعية للمجتمع، فهو ملك للمجتمع ككل ولايحق لأي فرد أو طرف من اطراف المجتمع ( جماعة او مؤسسة أو حزب) إحتكار النظام العام أو توظيفه لخدمة أغراض أو رؤية خاصة. والنظام بهذه الصفة خرج من دائرة الذاتية الى دائرة الموضوعية ، بمعنى أن الأسس والقوانين التي تحكم النظام العام يجب أن الاّ تكون مبنية على أساس من رؤية فكرية ذاتية ولكن على أسس موضوعية بمعنى أن يكون النظام العام مؤسسة قائمة بذاتها لها شخصيتها الإعتبارية غير متوقفة على اي طرف من اطراف الجماعة وتتطور وفق التطور الكلي التاريخي للجماعة (الفردي والجماعي) . فما هي هذه الأسس؟
المجتمع يعبر عن ذاته تلقائيا عبر مرحلتين :
1/ الرؤية العامة للعالم، وتمثل جماع المعرفة الفكر والتعبير الثقافي الذي يدور حول وجود الجماعة وهويتها ووحدتها وإنتمائها للعالم وحاجتها للتطور وموقفهها منه وطريقتها وأسلوبها في حل مشكلاتها وتطورها، وتبرز من خلال نشاط أفرادها المعرفي والفكري والثقافي ، وتتبلور كرؤية جماعية عامة من خلال سيادة قيم وأفكار واتجاهات ذات قدرة عامة على التعبير عن ذوات أكبر قدر من أفراد الجماعة مما يدفعهم لتبنيها والإرتباط العقلي والوجداني بها فتصبح رؤيتهم الخاصة مع كونها رؤية عامة بذلك تمكنهم من الشعور بالإنتماء للجماعة.
2/ النظام العام ، وهو الخطوات التنسيقية والتدابير الضرورية لتنظيم أعمال أفراد وأطراف الجماعة وعلاقاتهم التي تهدف الى تسيير شئونهم وحل مشكلاتهم بحيث تتجانس هذه العلاقات والأعمال في كل واحد متجانس يمكن أن نسميه عمل اجماعة كلها لتدبير شئونها . إن البناء الكلي للجماعة يقوم على أسس هرمية تنقسم الى مراحل متدرجةمن القاعدة الى القمة(بحسب الحاجة)وشمولها من الخاص الى العام ومن الجزئي الى الكلي ، وفي كل المستويات تتجسد الحاجة والتدابير الخاصة بها في شكل نظام إجتماعي جزئي بدءا من نظام الأفراد لتدبير شئونهم وتنظيم أعمالهم الخاصة مرورا بالمؤسسات الإجتماعية الخاصة والقاعدية (الأسرة، المدرسة ..الخ)الى المؤسسات الإجتماعية العامة الى الدولة والتي تجسد ما يسمى بالنظام السياسي العام والكلي للجماعة . وفي هذا الخصوص فإن هناك مسائل تتداخل مع النظام كوعاء مؤسسي لحل المشكلات وتدبير الحاجة مثل علاقات الأطراف مع بعضهم داخل المؤسسة وخارجها ، وتولي المسؤلية العامة، وتصريف السياسة ، وكيفية الفصل بين الذاتي والموضوعي أو بين الحق العام والخاص ،و ماهية الدولة الديمقراطية ،وتعريف العلمانية فيما يخص العلاقة بين رؤية العالم والنظام السياسي ، كل هذه المسائل في حاجة الى المزيد من الإضاءة الفكرية وفق مفاهيم ونظريات علم الإجتماع السياسي الحديث. قصدنا في هذه الورقة بناء رؤية أولية ووجهة نظر تقوم على رؤية جديدة للإنسان وحريته.
2- المحور الثاني : محور الإصلاح الديني
إن قضية النهضة ترتبط إرتباطا وثيقا بقضية الإصلاح الديني، ومناقشة مسألة الدين ضرورية للحركة النهضوية لأنها تتعلق بالإنسان الذي هو محور موضوع النهضة ،ونهضة الإنسان تبدأ من داخله: تثويرا لهذا الداخل وإشراكا له في تغيير الخارج، وباطن الإنسان أو داخله هو مجال عمل الدين كما هو مجال عمل الفكر والفن ، ولو لم تكن النهضة كذلك لكانت مجرد (تشغيل) للإنسان في برامج لم يشترك في وضعها ولاتعبر عن ذاته وهذا هو عين القهر . إن حرية الإنسان التي هي أساس النهضة تقتضي النظر للإنسان من الداخل لأن هذا هو مجال عمل الحرية الحقيقي ولا معنى لحرية الإنسان إذا لم يشعر بها .
حرية الإنسان ونهضته هي أن يصنها هو ويبدعها معبرا عن ذاته وعن ضميره وعن رؤيته الخاصة وموقفه من العالم وحريته فيه ، هنا الدين يعمل ، فهل الدين عامل إيجابي أم سلبي؟ بمعنى هل الدين يعمل في باطن الإنسان في صورة دافع للنهضة أم في صورة حاجز لها ؟ هل الدين يثور الإنسان ويحرره أم الدين قيد يجمد قواه الداخلية وطاقته ويلغي عقله ووجدانه ؟ إن الإجابة على مثل هذه الأسئلة ستصبح منهجية ومرجعية لحركة الإصلاح الديني كلها لأنها في تقديري تسعى الى تحويل الدين الى عامل دفع ثوري وقوي للإنسان لتحقيق حريته ونهضته وتقدمه من خلال تصفية منابعه الأصلية من جراثيم الإنحراف التي ساقتها اليه التجربة والفعل الإنساني في التاريخ ، فما هو الدين ، وكيف يعمل في باطن الإنسان ، وما هي تجلياته الخارجية ؟ وماهي أهدافه وغاياته الأصلية؟ وما هي مؤسساته ؟ وكيف يمكن إصلاحها لتتحول الى مؤسسات إيجابية وعاملة في خط نهضة الإنسان لا ضدها؟ كل هذه الأسئلة مهمة يجب أن تضعها حركة النهضة والإصلاح الديني نصب أعينها وتعمل فيها بالبحث والتنظير لتتبين خطها الحركي وتحدد أهدافها العملية.
3- المحور الثالث : العمل الإجتماعي والثقافي
الإنسان الجديد أو الناهض هو النموذج النشط والفاعل المنتج الذي يعمل للإضافة لرسم صورته ووضع بصمته في العالم هو النموذج الخلاق أو كما يسمى في الإصطلاح الديني : الخليفة الحقيقي عن ربه الذي يعيد خلق العالم كما فعل ربه بدءا. إن واقع الإنسان الآن في مجتمعاتنا المتخلفة هو عكس ذلك ، الذي يسود الان هو النموذج السلبي للإنسان لا أقصد على المستوى الفردي فحسب ولكن النموذج الإنساني على مستوى الجماعة أو المؤسسة او الدولة...الخ نموذج سلبي منفعل مستهلك كسول متمتع باللحظة المادية والغرور الروحي متسلط على الاخرين متعالي عليهم متصارع معهم لا يستطيع الإنتاج وعاجز عن الإبداع والإضافة فاقد للذات والوعي . إن العمل الإجتماعي والثقافي في إطار النهضة يجب أن يتجه بصورة مباشرة الى محاربة التخلف أعني محاربة النموذج السلبي للإنسان وبناء النموذج الإيجابي على المستوى الفردي والإجتماعي والمؤسسي والسياسي.
إن حركة النهضة الحقيقية هي حركة إجتماعية ثقافية تنطلق من القواعد الإجتماعية الحقيقية أي المدن والحواري والأرياف وأماكن العمل وساحات الإبداع الفكري والثقافي تثويرا للإنسان بمعني قتل النموذج السلبي في داخله إحياء النموذج الإيجابي وجعله نموذجا ثوريا قويا يعمل بقوة لتحطيم قيوده ليس بالعنف المادي ولكن بالإنتاج والمزيد من الإنتاج المنطلق من دواخله ثم تتحول الى هذه الحركة الثورية الى قوة فعلية في شكل قوى اجتماعية ومؤسسات متصاعدة الى أعلى حتى يتم تتويجها بالتغيير السياسي وقطع رأس أفعى التخلف المتأبدة .
إن المضامين الحقيقية لأي عمل اجتماعي أو ثقافي يريد أن يكون نهضويا تكمن في وجوب تخليه عن أية منطلقات غير إنسانية بمعنى أن يضمر بوعي أوبغير وعي أغراض أو غايات ضد حرية الإنسان . على العمل الإجتماعي أو الثقافي يجب أن يكتشف (الإنسان) ذلك الكنز الثر المكنون داخل جوانح البشر.
سامي عثمان القريش
يناير 2008














رؤية حول مشروع الجبهة الثقافية
سامي عثمان القريش
مقدمة :
منذ أزمان طويلة والنهضة الوطنية الشاملة حلم يداعب أفئدة شعبنا، وقد ظل السودانيون طوال عقود يحلمون بسودان حر وموحد وديمقراطي ومتقدم إقتصاديا وإجتماعيا وثقافيا، تسود فيه قيم العدالة والتنمية وحرية الأنسان،ومساسا بنظام سياسي عادل يستجيب لكل تطلعات أبنائه معبرا في بنائه التنظيمي والإداري والثقافي والإعلامي عن كل ألوان طيفه الإجتماعية والثقافية والحضارية. وقد إرتبطت هذه الأحلام عند جماهير الشعب منذ بداية الحركة الوطنية وتأسيس الأحزاب السودانية بحلم التحرر الوطني من الإستعمار وتأسيس دولة سودانية مستقلة ذات سيادة كانت هي الوحيدة في عقيدة الشعب التي تجانس وتحقق حلم النهضة العزيز.
وعندما تأسست الأحزاب السودانية صهرت في بوتقتها شعارات النهضة الوطنية مع شعارات التحرر الوطني مما حدا بهذا الشعب المناضل الصبور أن يلقي إليها بعصا النضال الطويل ويحمّلها شعلة حملها في مراثونه الممتد عبر التاريخ. ولكن سرعان ما تحقق التحرر الوطني دون أن تتحقق النهضة الوطنية، ووجدت الأحزاب نفسها في قمة السلطة السودانية وفي خضم واقع غريب وطريق مبهمة وتركة مثقلة:شعب ألقى بعصا الترحال وجلس مترقبا، سلطة سودانية بغير مقومات السلطة الحديثة الاّ تلك الكراسي في شارع البرلمان، مؤسسات وطنية تبدأ أعمالها من الصفر وبغير كوادر مؤهلة الاّ فيما ندر ، تخلف عام وسيادة شاملة لمؤسسات التعليم القديم التي لاتعرف الاّ التلقين والتكرار والإستظهار غافلة عن أساليب التعليم الحديثة والتعليم الإنساني الديمقراطي، رؤية سياسية عاجزة توقفت عند حدود مرحلة الإستقلال والتحرر الوطني،إقتصاد زراعي ضعيف لايفي بمتطلبات الخدمات والرواتب ناهيك عن التنمية بل موجه إستعماريا.هذا الواقع جعل القوى السياسية عاجزة الاّ عن الإحتراب والإقتتال والسياسي والحزبي غافلة مكتسبات الشعب ومتطلباته، ولكنها غير غافلة عن مكتسباتها الحزبية في السلطة والبرلمان فذهبت لحمايتها لاجئة الى القوى الطائفية ناسية أو متناسية أن هذه القوى بالذات هي من صنع واقع التخلف وهي تمثله فهي الأحرص على بقائه في مواجهة أيّة قوى للنهضة قد تصعد في المستقبل، وبدلا من أن تتوحد هذه القوى المستنيرة في مواحهة قوى التخلف أخذت تتحالف معها ضد بعضها البعض فضاعت بذلك قضية النهضة في أقبية السياسة الضيقة، وظلت القوى السيلسية محافظة دائما على مكاسبها السياسية ومواقعا السيادية وعينها باستمرار على القوى الحليفة داخل الجيش كحارس أمين لسلطتها المؤبدة والمستردة، ومايستفيق الشعب من غفوته الاّ ومكاسبه منتهكة وأحلامه ممزقة إربا تحت جنازير الدبابات ،والاّ وهو بين يدي كذابين يمنّونه بالأوهام الكاذبة والنفاق المضل.
هذا الواقع المزري المزمن والمستمر جعل العزلة تسري رويدا رويدا تبني جدارها عاليا بين الشعب وبين قادته السياسيين والحزبيين ، وفقد الناس الثقة تماما في الأحزاب بصورتها القديمةوفي قدرتها في بناء النهضة، وتحولت الأحزاب الى أدوات للصراع السياسي لاتستطيع أن تقدم أي نجاح أو تقدّم الا في إطار حقلها الضيق الأفق والإهتمامات.
إن الأحزاب والقوى السياسية بصورتها الحاليةعاجزة تماما عن تحقيق أي نجاح في مشروع النهضة الوطنية الشاملة ، وهي غير وؤهلة لقيادةمثل هذا المشروع لوحدها وفي معزل عن قوى الشعب الحيّة الأخرى لأن هذه التنظيمات بصورة أساسية هي تنظيمات (سياسيةمحضة)بمعنى أن السياسة عندها تحولت إلى مهنة وغاية تقصد لذاتها لاوسيلة للتغيير أوالنهضة،وقد ساهمت التجربة السياسية السودانية بظروفها المعروفة في نشأتها وبنائها بصورة معزولة عن قواعد الشعب وقضاياه اليومية، فهي لم تنشأ نتيجة لحركة جماهيرية نهضوية بدأت من القاعدة وتصاعدت متطورة حتى تحولت الى قوة سياسية(بمعنى أن تكون لها جذور إجتماعية كما حدث في النهضة الأوروبية) بل لم تعبر بصورة فعلية في برامجها عن قضايا أو مطالب جماهيرية حقيقية، ولكنها نشأت إستجابة لأفكار أصحابها وانتشرت نتيجة لنضالاتهم ووعيهم الوطني وعبرت عن مجهودات صادقة ولكنها تكاد تكون فردية ومعزولة ، جسدت مدى هوة وعمق التخلف المستشري في أوصال جسد هذا الشعب ، لذلك ظلت أبنية مقامة فوق رؤوس الجماهير لم تستطع أن تنزل الى أرضها وتلتحم بقضاياها.وفي حدود حقلها السياسي الضيق المعزول إنبنت هذه القوى فكريا وتنظيميا وحركيا، وجسدت في بنائها الداخلى هذا الحقل بصورته الشاذة التي تضيع فيها الرؤى والأهداف وتنبهم الطرق وتصبح السياسة فيه صراعا في الظلام.
لقد تأسست القوى الداخلية لهذه الأحزاب والتنظيمات على أساس سياسي محض(كمهنة وتخصص فاشل أو كشلليات فاسدة)وغير نهضوي : تكتلات منفعلة بقضايا ومصالح شخصية أو طائفية أو أيديلوجيّة بعيدة كل البعد عن المفاهيم النهضوية:التخطيط والتنظيم والعلمية والديمقراطيّة والمؤسسية.. (وهي المفاهيم الوحيدة القادرة على إنجاز النهضة)، وانبنت على أساس تنظيمي مركزي لايكرس الاّ لتركيز السلطة في أيدي القيادة العليا مما يؤدي الى شخصنة القضايا والرؤى الفكرية المزاجيّة، وسيادة الهوى على الفكر السياسي.وبذلك لاتصلح هذ القوى لقيادة أية حركة نهضوية الاّ بشروط الأصلاح الفكري والتنظيمي والتحالف مع القوى الإجتماعية الحية الأخرى غير السياسية .
وفي المقابل أي الجانب الآخرمن جدار العزلة ، يقبع الشعب الصبور معانيا أسوأ أوضاع للتخلف تشهدها البشرية في كل جوانب الحياة ، ومن ويلات الحرب والتمزق التي جرتها عليه إجتهادات السياسيين وشهواتهم مترقبا الوحي الذي يمكن أن ينزل من السماء على أحد من هولاء السياسيين لينقذه والنتيجة دائما لهذا الوحي المزيد من التخلف والمزيد من الفقر والمعاناة والإحتراب والإغتراب، حتى بدأ اليأس يتسلل الى قلوب الناس وبدأ الشعب يفقد الثقة في نفسه وفي نهضته وفي مستقبله حتى وصل اليأس الى درجة مخاصمة الوطن وفقدان الرغبة في الإنتماء اليه كوطن يسع الجميع وبدلا من ذلك أستيقظت من منامها الهويات القديمة والنعرات الذميمة واتسعت دائرة الإحتراب والمخاصمة وبدأت نجمة الوطن في الأفول.
إن الأزمة الوطنية الشاملة التي تجلت في أجلى مظاهرها في هذا الحال تعود في جوهرها الى سببين:
1/القوى السياسية كافة يمينها أو يسارها لم تستطع منذ الإستقلال وحتى الآن أن تصل الى برنامج وطني للنهضة يستطيع أن يحلل بصورة علمية مشكلات الوطن ويصل الى حلول جذرية لها ، وأن يصل الى رؤية واضحة للنهضة السياسية والإقتصادية والثقافية تجمع بين عناصر العدالة الإجتماعية والكفاية والنظام السياسي الديمقراطي الراشد، برنامج يمكن أن تجتمع عليه قوى الوطن تتوحد عليه وتتطور تحت رايته، تتخلى عن قديمها البالي وتتجدد بالأساليب الديمقراطية والمناهج العلمية ، وتطور من نظمها الفكرية والإدارية ومن برامجها السياسية والثقافية. وهي لن تستطيع أن تصل الى مثل هذا البرنامج مادامت تعتقل نفسها داخل أقبيتها الضيقة ومالم تنفتح على إنسان الوطن الكبير وعلى القوى الحية الكامنة في داخله.
2/ سيطرة الوهم القائل أن مشروع النهضة مشروع سياسي لن تستطيع إنجازه الاّ الدولة أوالقوى السياسية في معزل عن المشاركة الواسعة لقوى المجتمع الحية والناهضة ، وهي القوى الوحيدة صاحبة الحق والمصلحة في النهضة ، هذه العزلة أثرت حتى على هذه القوى فأصبحت قوى خاملة منشغلة بقضاياها الجزئية واليومية غافلة عن دورها الوطني فأدى ذلك الى تراجع الروح الثورية والنهضوية وحلت محلها روح الإنهزامية والإنكفاء والعزلة فأثر ذلك على الرؤى والبرامج والأشكال التنظيمية والإدارية للمؤسسات والمنظمات المدنية والإتحادات والأندية والروابط الجماهيرية فأصبح الشعب بعيدا تماما عن المشاركة .
إن بناء برنامج وطني وثوري للنهضة سيعتمد على ثلاثة عناصر جوهرية وضرورية:
أ‌- الإصلاح السياسي والحزبي وبناء المؤسسات الوطنية على مستوى الدولة على أسس ديمقراطية جوهرية وعلمية.
ب‌- المشاركة الجماهيرية الواسعة من خلال تنظيمات المجتمع المدني المتنوعة بما يحقق بناء لمجتمع مدني مندفع بقوة نحو النهضة والتقدم الإقتصادي والسياسي والثقافي والتعليمي وعلى أسس العدالة والديمقراطية والشفافية.
ت‌- المقاومة العنيفة لكل أشكال التخلف العقلية والتنظيمية والسلوكية ، ومقاومة قوى التخلف الداعمة لمؤسساته وتحافظ على قيمه وقواه الجوهرية ،وذلك بإصلاح البنيات الإجتماعية القاعدية كبنيتي(التربية والتعليم)و(الإنتاج المعرفي والإقتصادي) وتصفيتها من هذه القوى .
مثل هذا البرنامج يقتضي وجود (قوى نهضوية) قائدة تتميز ببرامجها وقيمها الفكرية وتناضل بقوة ضد التخلف وقواه ومؤسساته على جبهتين :
1- الجبهة الثقافية:وهي التحالف الواسع بين قوى الشعب المدنية المختلفة والمتنوعة سياسيا واجتماعيا وثقافيا من أجل ترسيخ ونشر ثقافة النهضة والنضال على مستوى القواعد الجتماعية من خلال المساهمة الواسعة في بناء الإنسان الجديد فكريا وتنمويا واجتماعيا وتفجير قواه الحية والكامنة في الشعب وبناء مؤسساته ومنظماته وتجفيف منابع التخلف المتجذرة عميقا في الشعب.
2- الجبهة السياسية: وهي جبهة المقاومة السياسية للأشكال التنظيمية والقانونية والمؤسسية للتخلف والتي تبنيها وتحافظ عليها قواه السياسية ، وهذه الجبهة هي التحالف العريض للقوى الديمقراطية التي تعتبرالإنسان ونهضته قيمة جوهرية في فكرها.
هذه الورقة تحاول التعرض بشيء من التفصيل (للجبهة الثقافية) في أسسها الفكرية وبرامجها وقضاياها وصولا لصيغة عملية وتنظيمية يجب التعرض لها في ورقة أخرى، هذا بدون التعرض للجوانب السياسية التفصيلية المرتبطة بمشروع الجبهة الثقافية.
العناصر السياسية والإجتماعية للنهضة:
لقد خلقت إتفاقية السلام (نيفاشا) مناخا إيجابيا للسلام بين قوى الوطن ، وإن لم يتحقق هذا السلام بصورته الكاملة في دارفور،الاّ أن الإتفاقية صالحة لتكون أساسا لسلام الوطن بما تؤسسه لدولة ودستور ديمقراطيين.وبالرغم من أن هذا الإتفاق بني على أساس الشراكة بين الحركة الشعبية والمؤتمر الوطني-وهذه هي طبيعة إتفاقيات السلام التي تتم بين المتحاربين-الاّ أن البعض ظن أنه يمكن أن يبني عليها برنامجا وطنيا للنهضة والتنمية والشراكة الإجتماعية الإستراتيجية ،فانطلقت دعوات ومبادرات تحاول جمع شتات كل البيض والأحجار في سلة واحدة لالتبني برنامجا سياسيا معينا ولكن لبناء مشروع النهضة تدفعها النوايا الحسنة أحيانا والسيئة أحيانا أخرى مثل مبادرة البرنامج الوطني (الشريف) والمؤتمر الجامع (الصادق)- في أبعاده الإجتماعية والفكرية-ومبادرة جمع الصف الوطني(سوار الدهب)...الخ.وكلها كتب لها أن تبوء بالفشل الذريع لأنها لاتتأسس على رؤية معرفية وإجتماعية واضحة وموحدة وإيجابيةلقضية الوطن بل تدفعها الأماني ويكذبها الواقع.فالسلام يعني فض النزاع بين المتحاربين ويمكن أن يخلق مناخا للإستماع للآخر والعيش المشترك، ولكنه غير كاف لإقناع الناس بترك أيديلوجياتهم القبيحة وسلوكهم الشاذ، والآليات الديمقراطية كما هي صالحة لإنجاز النهضة أيضا صالحة لهدمها ، والذين جاءوا عبر الدبابات يمكن بذات العقلية أن يزوروا الإنتخابات.
إن مشروع النهضة كمشروع يستهدف حرية إنسان السودان وكرامته ورفعته الإقتصادية والإجتماعية لايمكن بحال من الأحوال أن يتجانس أو يتحالف مع أيديلوجيا تضطهد الإنسان تأسيسا على مبدأمن مباديء العبودية الإجتماعية التي تتأسس عليها الثقافة السلفية التي تنظر للناس باعتبارهم رصيدا(للاخرة)وحسب أما مكتسبات الدنيافهي (شأن رباني يفيض به على حملة دعوته ورسالته لتمكينهم في الأرض). وايضا لايمكن أن يتجانس أو يتحالف مع نظام أجتماعي عبودي كالذي تتأسس عليه الطائفية التقليدية التي تسود إنسانا على الآخرسيادة مطلقة وتقسم الدنيا على هذا الأساس ،كما لايمكنه أن يتحالف مع نظام حزبي يضطهد الإنسان ويجعله آلة تنفيذية يسمع ويطيع وينفذ أهواء القيادة العليا . إن هذا الأساس السياسي المتناقض لايصلح أن ينبني عليه مشروع النهضة لأنه يجمع بين المتناقضين، والنهضة لابد أن تبنى على موقف جوهري وقاطع وعل أسس فكرية واجتماعية خصوصا على صعيد حرية الأنسان لأن قضية النهضة ليست سياسية مجردة ولكنها في الأساس قضية إجتماعية وفكرية عميقة تنهض لحل مشكلة التخلف كمشكلة رئيسية وعلّية في كل مشكلات الوطن، والتخلف هو تخلف الإنسان أي بشكل مباشر هو (عجزه عن تحقيق حريته وإنسانيته بمختلف أشكالها) إذا هي قضية تضع فاصلا جوهريا أو منهجا للفصل بين أنواع مختلفة من القوى إنطلاقا من (الإنسان) وحريته كإنسان وحسب وبالتالي لايمكن خلق تحالف استراتيجي للنهضة بين قوى تضطهد الإنسان وأخرى تسعي لحريته . والتحالف الصحيح لذلك هو تحالف القوى التي تناضل بقوة من أجل حرية الإنسان وتضع الديمقراطية كقيمة جوهرية في فكرها ونظمها الثقافية والتنظيمية والقانونية ..وهي ليست بالضرورة قوى سياسية ولكنها إجتماعية وثقافية أيضا ..لماذا؟
إن عالم اليوم يشهد تناقضا واضحا بين النزعات التجديدية ذات السمات الإنسانية الكونية ، بين النزعات القديمة والمحافظة التي تنطلق من منطلقات أخرى غير إنسانية (عرقية أو شعوبية أو أيديلوجية) ، وفي ذات الوقت يشهد تناقضا اقتصاديا متزامنا مع التناقض السابق بين حركة التقارب الإقتصادي العالمي(العولمة) وبين اتجاهات وأنظمة الهيمنة المسنودة بالقوة العسكريةوالتي تسعي لخلق مراكز كونية جبارة متمركزة حول مايمكن تسميته بالإقتصاد الراسمالي المؤدلج. هذه التناقضات خلقت شكلا من أشكال الإستقطاب العالمي بصورة جديدة وحادة بين (مراكز) تتضامن وتتقارب على الهيمنة الإقتصادية والتفوق الشعوبي وتهميش الأطراف ، وبين (أطراف) تسعى للتضامن الإنساني والتقارب العالمي من أجل خلق عالم إنساني جديد وموحد ، وهي في هذا السعي تجد نفسها في تحد وصراع لإنتزاع قدراتها الإقتصادية اللازمة لبناء العالم الجديد من براثن قوى الهيمنة العالمية ولإيجاد طريق لبناء الأسس الجديدة لنظام عالمي ديمقراطي عادل ومتساوي.
هذا التناقض والإستقطاب الحاد الذي أفرزته وماتزال تفعل عوامل كثيرة : إقتصادية: كطبيعة النظام الإقتصادي الرأسمالي المتمثل حاليا في تركيز الأموال المتعددة الجنسيات والسيطرة على حركة الإقتصاد العالمي،وثقافية: تتمثل في المحاولات المستمرة لخلق حالة التبعية وتهميش الثقافات العالمية من خلال ترسيخ مفهوم التفوق الثقافي الى جانب خلق الحروبات المقصود بها صناعةالإستقطاب الثقافي بين شر مصنوع وخير متوهم،وعلماجتماعي: المتمثل في الإنفجارات العلمية والثقافية ذات الأثر الإجتماعي العميق خصوصا في مجالات تقنية المعلومات والإتصالات والتي حطمت نهائيا الحواجز بين الإنسان والآخرمن جانب وسهلت من حركة الإقتصاد من جانب آخر.هذا الإستقطاب يعمل في إتجاهين:
- في إتجاه المراكز(الإقتصاثقافية)ذات الطبيعة الإمبراطورية العالمية لتركيز القوةوتوحيدها من خلال التنافس/ التفاوض المستمر وحركات اللوبي الضاغطة لتلافي الصراع بين المراكز.ومن خلال خلق العلاقات الإقتصادية ذات التاكتيكات السياسية مع القوىالمركزية في الأطراف مالكة السلطة والثروة والتى تلتقي مصالحها الدائمة مع قوى الهيمنة.
- وأيضايعمل في إتجاه الأطراف التي تمثلها(القواعد)المطلقة للإقتصاد والثقافة الإنسانية، وفي هذا الإتجاه يعمل على توحيد القوى ذات الطبيعة الإنسانية المناهضة للهيمنة من خلال فرز إجتماعي عميق داخل الشعوب تتحدد من خلالها رؤى فكرية واتجاهات إجتماعية وحركية جديدة حسمت نهائيا موقفها من قضية الصراع الإنساني وقطعت بشكل نهائي مع الأشكال الأيديلوجية القديمة التي تفصل بين الإنسان الآخر بأي فاصل كان (سوى العمل الإيجابي الخيّر لمصلحة الإنسان بما هو إنسان بالطبع )، وأصبحت العدالة الإجتماعية والديمقراطية لكل البشرشعارها الأساسي وحددت بذلك صراعها واتجاهاتها الأستراتيجية كقوى مناضلة جذريا من أجل حرية الإنسان ورفعته الكونية ومن أجل حل مشكلة تخلف الشعوب وفك قيود إستعبادها وجهلها .
وبذلك يتم تحديد معالم هذه الحركة الإنسانية العالمية كحركة واحدة تعمل في ثلاثة إتجاهات:
- إتجاه سياسي بالعمل على تحرير الإنسان أينما كان وكيفما كان من قيود القوى اللا إنسانية المطبقة عليه قهرا واستعبادا وهيمنة.
- إتجاه إجتماعي إقتصادي وذلك من خلال بناء الجسور والشراكة بين الشعوب والتضامن الإنساني من أجل بناء النهضة والقدرات البشرية القادرة على الفكاك من قبضة الهيمنة.
- إتجاه ثقافي ويعمل على نشر الوعي العالمي بالإنسان ككائن مميز وحر، ونشر ثقافة الحرية والعدالة الإنسانية والسلام العالمي ووحدة الثقافة والإجتماع البشري.
وبالتالي، فإن القوى التي تمثل هذه الحركة الإنسانية قوى متعددة تتضامن مع بعضها وتتفاعل وتعمل من خلال علاقات إجتماعية وتنظيمية تجسد في ذاتها الأهداف والغايات الكبرى ، فتبدوفيها ثلاث سمات جوهرية : الديمقراطية واللامركزية التنظيمية- والتخصصية- والتكامل، فهي تحدد عدوها بدقة وتتحالف (كل في مجاله) لصرعه ، وهذا العدو هو كل ما يهدد الإنسان في إنسانيته وجودا وكرامةورفعة وحرية فهو إما عدو داخلي وهو التخلف أو خارجي وهو القوى النقيضة المتعددة المنطلقات والمستويات والأهداف وتعمل جميعا على بقاء الإنسان في تخلفه الأبدي.
العناصر الثقافية
الثقافة مفهوم متسع الدلالات الى درجة أن الفكر الإنساني وخصوصا في عالمنا الثالث لم يستطع أن يضع له تعريفا محددا جامعا مانعا متفقا حوله يبين ماهية الثقافة وموقعها كنشاط إنساني ودورها الإجتماعي ويحدد العناصر المكونةله وعلاقاتها الداخلية والخارجية، ولكن إنطلاقا من المنطق الإنساني البسيط فإن الثقافة نشاط يتعلق بالإنسان وحده من دون الكائنات الأخرى، ويمكن أن نقول بالتحديد أنها (أسلوب) الإنسان في التعامل مع العالم من حوله ،والإنسان في تعامله مع العالم(طبيعيا)أو(بشريا)أو(ثقافيا) يعمل بأسلوب الأخذ والعطاء فهو (يكتسب)من العالم و(يضيف)اليه، فإكتسابه من العالم(إذا تمت عملية الأخذ والعطاء بصورة صحيحة وإيجابية) (ثقافة) لأن العالم يعمل إيجابيا على تنمية الإنسان من خلال تهذيبه مدنيا وصقل مواهبه وقدراته العامة، وبالتالي يعمل بإستمرار علي تحويله الى إنسان جديد ومتجدد بل مترقيا اكثر في مستويات التطور والرقي المدني والخلاق، فالإنسان يكتسب من العالم :(لمعرفة) بالعالم ذاته من خلال وسائل متعددة : الإحتكاك بالعالم عن طريق التجربة والممارسة والخبرة المباشرة- إكتساب المعرفة عن طريق التعلم والتربية والتبادل- إكتساب المعرفة عن طريق التفكير الحر والتأمل الذاتي والإستبطان الداخلي..هذه المعرفة تتشكل عندالإنسان في شكل (تصوّر)للعالم-قد ينطبق أو لا-مع الواقع الخارجي ولكنه يظل تصورا خاصا ويبدو في إتجاهين: (رؤية)للعالم و(رؤيا)له:
- الرؤية تصور لما هو كائن وتلعب الذاكرة والمنطق العلمي هنا الدور الأساسي.
- الرؤيا تصوّر لما يجب أن يكون وهنا الخيال والرغبة في الأفضل(له) هما الذان يلعبان الدور الأساسي.
هذه التصوّرات هي التي تدفع الإنسان للعمل في الواقع من أجل تغييره حلا لمشكلاته وإبداعا للعالم الجديد (كما يتصوره).إن (العمل) المادي يمثل البنية القاعدية لمفهوم الثقافة في جانبه الثاني وهو(الإضافة)لأن أي عمل إنساني ينبني على عنصرين جوهريين: عنصر مادي وعنصر ثقافي،العناصر المادية للعمل لاتمثل أية إضافة حقيقية للعالم لأن الإنسان مهما عمل لن يضيف للعالم (ذرة) واحدة جديدة،أما الإضافة الحقيقية فهي في العنصر الثقافي للعمل (إعادة تشكيل العناصر المادية وفق التصورات الخاصة)لأنه إنعكاس لهذه التصورات للعالم والتي تعبر بالضرورة عن ذات الإنسان ووعيه ولأنه يخلق تميّزالعمل وخصوصيته.
قدمنا بهذه المقدمة لأن الحديث عن النهضة الثقافية يقتضي الأنطلاق من مفاهيم واضحة وتصوّرات محددة لما نريد، فالنهضة الثقافية تمثل حجر الزاوية في مشروع النهضة الشاملة وتشكل التحدي الأساسي فالتنمية الأقتصادية يمكن بناؤها إنطلاقا من أية منطلقات أيديلوجية أو سياسية مختلفة، ولكن هذه المنطلقات لاتستطيع تحقيق نهضة حقيقية للإنسان الاّ بشرط الحرية، وحرية الأنسان تعني(مشاركته) في النهضة مشاركة حقيقية فكرا وتصميما وصياغة وتخطيطا وتنفيذا مما يقتضي فتح النوافذ على مصراعيها لتيارات المعرفة المختلفة وتنمية وسائلها ووسائل نقلها وتلقيها كالنشر وتمليك المعرفة وتطوير وسائل نقل المعلومات الحديثة بصورة تهدف مباشرة لتنمية المعرفة لدى الإنسان.كما تقتضي إتاحة حرية التعبير وتمكين الإنسان من الإبداع إقتصاديا كان أم ثقافيا أم فنيا..إذاً النهضة الثقافيةمقدمة ضرورية للنهضة الشاملة لأنها تخاطب الإنسان بالذات في إرادته الحرة ومعرفته بالعالم وإبداعه الحر المعبر عن ذاته، وبالتالي تعمل على إنتاج وبناء الإنسان الجديد والقائد المصمم والمنفذ للنهضة الإقتصادية والسياسية والباني للحضارة الجديدة.
إن الشرط الأساسي للنهضة-كما قدمنا – هو الحرية، وحرية الإنسان في حقيقته ليست مجرد حرية سياسية أو إجتماعية بل هي أعمق من ذلك فالحريةلا تتجزأ إنها كل واحد متكامل أساسها حرية الإرادة الذاتية، الشعور بإستقلالية الذات في الوجود الكوني والشعور بالكينونة الخاصة ووزنها الوجودي والشعور بالمساواة الإنسانية فكل البشر سواسية،وهذا الشعور لايكتسب الاّ بالمعرفة الأعمق معرفة الإنسان بذاته وخصوصيته.إن أشد آفة تنتهك حرية الإنسان وتعيق حريته هي الجهل بالذات والخطأ في تقديرهاوهذا يجعل الإنسان إمامحتقرا لذاته مشيئا لها يتعامل مع الآخرين بدونية وعقلية العبيد مكرسا لتخلفه، أومغاليا في تقديرها جاعلا لهافوق رؤس الناس محتقرا إياهم،ومن جانب آخرفإن من أشد الآفات التي تنتهك هذه الحرية مفهوم (السلطة) أي سلطة ألإنسان على الآخر بمختلف أشكالها ومستويات قهرها والتي ميزت تاريخ الإنسان منذ نزوله على الأرض والى يومنا هذا ، وأشد أنواع هذه السلطة على الإنسان خصوصا في عالم اليوم هي السلطة الفكرية أو الثقافية والتي تستطيع أن تتوسل بكل أشكال السلطة الأخرى سياسية أو إجتماعية لفرض ذاتها على الوجود لإنها لاتستطيع أن ترى في الوجود الاّ ذاتها وحسب، فهي سلطة عمياء يسيطر عليها وهم الحق المطلق وتلك هي ماتسمى بالأيديلوجيا الزائفة أو الوعي الزائف بالعالم الذي لايرى في العالم الاّ أحاديته المطلقة والمتوهمة،لأن تعدد البشر يعني تعدد الذوات وبالتالي تعدد العالم المتجلي في الرؤى المتعددة له،والمساواة بين البشرتعني أن جميع هذه الرؤى صحيحة وإن (قد تنطبق أو لا)مع واقع العالم فهي صحيحة من حيث أنها تعبر بصورة صحيحة عن ذوات أصحابها .إن العلاقة الصحيحة بين الإنسان الآخر يجب الاّتنبني إبتداء على أساس السلطة فالبشر متساوون ولاسلطةلأحد على الآخر ولكن المفهوم الصحيح للسلطة يقوم على أساس وجود (مؤسسة) بين الطرفين هي التي لها السلطة على الطرفين والسلطة التي تحفظ حرية كلا الطرفين هي السلطة الديمقراطية وسميت مؤسسةباعتبار أنها تحقق علاقة مؤسسة على أسس سليمة وقانونية و(موضوعية) باعتبار أنها لاتعبر بالضرورة عن ذات أحد الطرفين فالسلطة أو المؤسسة الإجتماعية عمل إنسان يشترك فيه بالتساوي جميع أعضاء المؤسسة ، فهي بالتالي تعبر عن الذات الكلية او الجمعية للجماعة ولا تعبر عن ذات أحدهم. إن المؤسسة تقوم على أسس موضوعية بمعنى أنها تنبني على قواعد وقوانين علمية لا على رؤى وتصورات أحد أفراد الجماعة أو طرف من أطرافها ولكن هذه القواعد تعبر عن وجود(عقد أجتماعي) يتخلى فيه الأفراد أو أطراف ألجماعة عن ذواتهم الخاصة أو جوانب منها لمصلحةالذات الكلية للجماعة والتي هي وجود موضوعي بالضرورة وهذا هو المفهوم العميق (للعلمانية) فهي لاتعني تناقضا مع الذوات الخاصةلأفراد الجماعة أو تصوّراتهم ولكنها تفصل بشكل موضوعي وعلمي بين الذات الخاصة والمؤسسة فالذين يتولون السلطة التنفيذية في المجتمع بتفويض منه يجب عليهم أن يفصلوا بين (الحق العام) و(الحق الخاص) بمعنى الفصل بين تصوراتهم الخاصة ومقتضيات المسؤلية المؤسسية.
إن النهضةالثقافية لايمكن أن تنبني بأي حال من الأحوال على رؤية أحادية للعالم لاّنها بذلك تكون معبرة عن مبتدريها فقط ومفروضة على الآخرين. إن العالم واحد ولكن البشر متعددون وبالتالي الرؤى والثقافات متعددة ،وجوهر النهضة هو إبراز هذا التعدد والثراء العظيم للإنسان والعالم، ومن أجل ذلك فإن حركة النهضة هي صراع مستميت ضد سلطة الأيديلوجيا والثقافة الأحادية. إن مفهوم الديمقراطية الثقافية أو ديمقراطية الثقافة يعد مفهوما جوهريا في حركة النهضة خصوصا في بلد كبلدنا تتعدد فيه الثقافات بشكل كبير لكن تتسيد بل تتسلط فيه ثقافة واحدة في سلطتها أحادية في رؤيتها وتتوسل لذلك بالسلطتين السياسية والإجتماعية، إن ديمقراطية الثقافة تعني (حيادية) السلطة السياسية تجاه الثقافات ، وبالتالي نزع عنصر (التسلط) من الثقافة وإلغاء مركزية الثقافة الواحدة وإتاحة الفرصة للثقافات المتعددة للتتفاعل وتتحاور بحرية وتنتشر وتسود وفق معايير الصحة والإقناع والعمق والديمقراطية بدون الإنحياز لثقافة معينة على حساب الأخريات.
إن الدور الإيجابي والنهضوي الذي يمكن أن تقوم به الدولة والسلطة السياسية تجاه الثقافة عامة هو أن تجسد بصورة حاسمة مفهوم الحرية الإنسانية بشقيها الذاتي والإجتماعي من خلال تطبيق المعايير الجوهرية والعميقة لحريتي المعرفة والتعبير وتحويلها الى مؤسسات راسخة يحتكم ويلجأ اليها الناس،إن دور الدولة هو (خدمة) التفاعل الحر للثقافات وفتح مساربه وتطويره من خلال تصحيح المؤسسات الثقافية وتطوير معاييرها . ويمكن تقسيم هذه المؤسسات الى قسمين:
- مؤسسات تعمل على أساس (حرية المعرفة) وتخدم الجانب المعرفي في المجتمع كالمؤسسات العلمية والتعليمية والتثقيفية، فهي علمية من حيث أنها تنتهج البحث العلمي الذي يعمل على تنمية وإنتاج المعارف والعلوم وبالتالي يسهم في تنمية الوعي العام بقضايا المجتمع والنهضة، وهي تعليمية /تعلّمية تنتهج (ديمقراطية التعليم والتعلّم) لتعمل بشكل مباشر في بناء الإنسان الجديد وإتاحة الإسهام العام في النهضة.
- مؤسسات تعمل على أساس (حرية التعبير) مثل مؤسسات النشر الثقافي بمختلف أوجهها ومؤسسات الإنتاج الفني والمؤسسات الصحفية والإعلامية وهي الكفيلةبالأعلان والتعبير عن الوعي الإجتماعي العام وعن الذات الفردية والجمعية داخل المجتمع.
غير إن واقع الحال يقتضي الإسهام المباشر والفعال من كل قطاعات المجتمع ومؤسساته الفكرية والثقافية وقواه النهضوية في حركة التغيير والضغط الجماهيري والمؤسساتي على الدولة لكفكفة قواها وتحقيق تراجعها لمصلحة الحرية والنهضة.إن الطريق الفعال نحو النجاح وتحقيق هذه الأهداف هو الآتي:
- وحدة القوى النهضوية (سياسية وثقافية) وتضامها.
- التخطيط العلمي.
- المقاومة الفعالة.
إن مشروع الجبهة الثقافية والإجتماعية يفترض أنها الأداة السليمة لمقاومة السلطة وقوى التخلف في الحقل المعرفي والثقافي وهي أيضا أداة تحقيق النهضة الثقافية. وهي عبارة عن تحالف ثقافي إجتماعي تشترك فيه كل قوى المجتمع السياسية ومنظماته المدنية ومؤسساته العلمية وقواه القاعدية والفئوية يهدف بشكل مباشر الى دحر التخلف بكل صوره وتجلياته السياسية والإجتماعية والثقافية والفكرية والدينية ودحر قواه المحافظة عليه والعاملة على ترسيخه سواء كانت في السلطة أو في المجتمع. كما يهدف الى بناء النهضة الفكرية والعلمية والثقافية كمقدمة ضرورية للنهضة الوطنية الشاملة.
قضايا وأهداف الجبهة الثقافية والإجتماعية
· محاور للبحث والحوار الفكري:
1- محور السلام والوحدة الوطنية:
إن حركة النهضة يجب أن تنبني على رؤية واحدة و مشتركة لقضية الحرب السلام والوحدة الوطنية لأن النهضة تترتب على هذه القضايا ، وفي وجود الحرب وتفكك الوطن لامعنى للنهضة ثقافية كانت ام إقتصادية أم سياسية ، والسلام المقصود ليس فقط بمعانيه السياسية ولكن بمعناه الإجتماعي الأشمل لأنه الأساس لسلام الوطن ووحدته . فما هو السلام وكيف يتحقق؟
السلام في أعمق معانيه هو قبول (الآخر) ومعانقته والتوحد معه على علاته ،ولايعني ذلك تنميطه أي إجباره على أن يكون نسخة من (الأنا) ذلك جذر الشقاق والحرب ، ولكن الإختلاف هو الضمان الوحيد للسلام ،لأنه يحافظ على حرية الذات (ذات الاخر) ويضمن ثقتها . ولكن هل تستطيع (النفس الإنسانية)أن تقبل السلام مع الآخر المخالف؟ الطريق الوحيد الى ذلك هو (سلام النفس) أو ما يمكن أن نسميها بالحرب الأخرى . سلام النفس هو تواضعها واعترافها بالنقص والأحتياج للآخر المكمل وهذا يقتضي الحرب (ضد) النفس او الأنا االسفلى التي تظن أنها مركز العالم وانها الكمال المطلق ، وأن لها السيادة المطلقة على الكون والآخر .إن سلام الوطن ووحدته لايمكن أن يتحقق الا ّ في وجود هذه الحرب الأخرى لهزيمة التسلط والشوفينية في ذواتنا على المستوىالشخصي أو الفكري اوالموضوعي (المؤسسي والتنظيمي).
وفي داخل هذا المحور تنتصب قضايا مهمة جديرة بالبحث والحوار ونشر الوعي حولها :
أولى هذه القضايا :قضية الهوية الوطنية
الهوية هي معرفة الذات الأنتماء لها والتعبير عنها والدفاع عنها ، إجابة عن السؤال الأساسي :من أنا ؟ من هو ؟.إن العقل القديم للبشرية لم يكن يستطيع أن يدرك للإنسان الاّ هوية واحدة هي تلك الظاهرة التي يتبناها ويتعامل بها مع الآخرين وبالتالي لم يستطع الإنسان أن يدرك ذاته الاّفي حدود ضيقة جدا هي التي يرسمها له وعيه الحاضر فيظلم نفسه ويظلم الآخرين، وربما كان السبب في ذلك الحياة الإنسانية البسيطة والعقل التجسيمي التبسيطي الذي تعاملت به البشرية . أما في عصورنا الحديثة وفي الحياة الإجتماعية المعقدة، فإن العقل الإنساني يستطيع إدراك الهويات المتعددة للأنا :فمن أنا ؟ هو يستطيع أن يصفها بصفات مختلفة وكثيرة ومتنوعة من حيث العرق أو الدين أو الثقافة أو العمل ...الخ ولكن السؤال الأساسي في هذا العصر :بأي هذه الهويات يتعامل مع الآخرين وكيف يتعامل ؟ ماهي الهوية الأساسية وماهي علاقتها بالأخريات ؟
إن هذه القضية مهمة لإرتباطها بالسلطة الإجتماعية والسياسية وتأثيرها في قضية الحرب والسلام في الوطن.
وأيضامن القضايا التي تندرج تحت هذا المحور : قضيةالأيديلوجيا والأثر الثقافي والسياسي للفكر الإنساني .
إن الفكر تعبير عن الذات الإنسانية ورؤية العالم نتاج للفكر الذي يعمل في العالم ،فمتى يمكن ان نسمي رؤية العالم (أيديلوجيا)؟ وماهي الجذور لما يمكن ان نسميه الصراع الأيديلوجي وأثر هذا الصراع في الواقع السياسي وفي قضية الحرب والسلام؟
الأيديلوجيا هي رؤ ية العالم حينما تتحول الى (فكر منظم) بقصد تحويله الى فعل عملي لتغيير الواقع ،وفي الواقع فإن عملية التغيير المستندة الى فكر مسبق ومنظم عملية شرعية وعلمية ولاغبار عليها بل ان أي فعل لايستند على فكر هو فعل عشوائي وغير ناجح إن التخطيط العلمي الذي هو من أسس عالمنا المعاصر هو عبارة عن فكر منظم يقوم على مراحل : بحث علمي – بناء أهداف – خطط عملية – تنفيذ ، بل أكثر من ذلك فإن وجود (رؤية للعالم) سابقة للتخطيط ضرورة لخلق الإضافة والتميز . إذاً المشكلة ليست في طبيعة اليديلوجيا كفكر منظم وسابق للعمل ، فإين المشكلة ؟ المشكلة تكمن في إتجاه هذه الرؤية وأهدافها ومضامينها الداخلية ، فرؤية العالم كما ذكرنا تعبر عن الذات الإنسانية عندما ترى العالم وترى نفسها فيه .والذات الإنسانية في هذا المقام على ثلاثة أحوال:
- إما أن ترى نفسها مركزا للعالم وكعبة له يدور من حولها ،فإنها بذلك تخلق رؤية أحادية للعالم لأنها ترى العالم من ذاتها وبالتالي تخلق أيديلوجيا متسلطة لاتعترف بالحقائق العلمية .
- وإما أن ترى نفسها جزءا صغيرا من العالم ولها فلك تدور فيه بإنتظام متجانس مع بقية الفلاك في نظام كوني واحد واكبر ، هذه تستطيع أن تخلق رؤية للعالم متعددة ومتجانسة ومتحدة وبالتالي تخلق ايديلوجيا علمية تعترف بالحقائق العلمية.
- وإما أن ترىنفسها جزءا من عالم مبعثر لاينتظم في أفلاك وليس له نظام كوني واحد فهذه لاتستطيع أن ترى العالم ككل ولاتعترف الاّ بالحقائق العلمية الجزئية ، ولاترى العالم خارج الظاهرة المدروسة ، فلاتستطيع بالتالي أن تخلق أيديلوجا ما أو تخطيط علمي سليم (الفكر البراجماتي- الفكر الفوضوي).
إن أخطر هذه النواع على السلم الإجتماعي خصوصا اذا تحولت الى ايديلوجيا سياسية تمتلك السلطة المالدية والإجتماعية هي الرؤية الأولى لأنها لن تعترف بالاخرين وافكارهم ورؤاهم فستحاول تنميط الناس جميعا على طبق ذاتها ونموذجها هي فتجعلهم نسخة منها . تليها في الخطورة الرؤية الثالثة التي لن تستطيع أن تخلق فكرا إجتماعيا شاملا معتمدة على حقائق البحث العلمي الجزئية التي تخدم قضايا ومصاح جزئية ولاتفي بكل ما هو مطلوب إجتماعيا فتنقلب رؤية مزاجية عند أفراد القيادة فتتحول الى ديكتاتورية فردية . أما أقرب هذه الرؤى للسلم الإجتماعي هي الرؤية الثانية لوجود خاصيتين :
1/ قدرتها على صنع الأهداف الإجتماعية الشاملة.
2/ إعترافها بالتعدد وبالتالي إعترافها بالآخرين من ناحية ونتائج البحث العلمي من ناحية أخرى.
فهذه الرؤية بهذه الخصائص تستطيع بناء النظام إجتماعي متعدد ومتجانس في وحدة وطنية شاملة وهو ما نسميه بالنظام الديقراطي .
القضية الثالثة والمهمة تحت هذا المحور هي قضية النظالم السياسي والإجتماعي (النظام العام)
النظام السياسي والإجتماعي تعبير عن الذات الكلية الجماعية للمجتمع، فهو ملك للمجتمع ككل ولايحق لأي فرد أو طرف من اطراف المجتمع ( جماعة او مؤسسة أو حزب) إحتكار النظام العام أو توظيفه لخدمة أغراض أو رؤية خاصة. والنظام بهذه الصفة خرج من دائرة الذاتية الى دائرة الموضوعية ، بمعنى أن الأسس والقوانين التي تحكم النظام العام يجب أن الاّ تكون مبنية على أساس من رؤية فكرية ذاتية ولكن على أسس موضوعية بمعنى أن يكون النظام العام مؤسسة قائمة بذاتها لها شخصيتها الإعتبارية غير متوقفة على اي طرف من اطراف الجماعة وتتطور وفق التطور الكلي التاريخي للجماعة (الفردي والجماعي) . فما هي هذه الأسس؟
المجتمع يعبر عن ذاته تلقائيا عبر مرحلتين :
1/ الرؤية العامة للعالم، وتمثل جماع المعرفة الفكر والتعبير الثقافي الذي يدور حول وجود الجماعة وهويتها ووحدتها وإنتمائها للعالم وحاجتها للتطور وموقفهها منه وطريقتها وأسلوبها في حل مشكلاتها وتطورها، وتبرز من خلال نشاط أفرادها المعرفي والفكري والثقافي ، وتتبلور كرؤية جماعية عامة من خلال سيادة قيم وأفكار واتجاهات ذات قدرة عامة على التعبير عن ذوات أكبر قدر من أفراد الجماعة مما يدفعهم لتبنيها والإرتباط العقلي والوجداني بها فتصبح رؤيتهم الخاصة مع كونها رؤية عامة بذلك تمكنهم من الشعور بالإنتماء للجماعة.
2/ النظام العام ، وهو الخطوات التنسيقية والتدابير الضرورية لتنظيم أعمال أفراد وأطراف الجماعة وعلاقاتهم التي تهدف الى تسيير شئونهم وحل مشكلاتهم بحيث تتجانس هذه العلاقات والأعمال في كل واحد متجانس يمكن أن نسميه عمل اجماعة كلها لتدبير شئونها . إن البناء الكلي للجماعة يقوم على أسس هرمية تنقسم الى مراحل متدرجةمن القاعدة الى القمة(بحسب الحاجة)وشمولها من الخاص الى العام ومن الجزئي الى الكلي ، وفي كل المستويات تتجسد الحاجة والتدابير الخاصة بها في شكل نظام إجتماعي جزئي بدءا من نظام الأفراد لتدبير شئونهم وتنظيم أعمالهم الخاصة مرورا بالمؤسسات الإجتماعية الخاصة والقاعدية (الأسرة، المدرسة ..الخ)الى المؤسسات الإجتماعية العامة الى الدولة والتي تجسد ما يسمى بالنظام السياسي العام والكلي للجماعة . وفي هذا الخصوص فإن هناك مسائل تتداخل مع النظام كوعاء مؤسسي لحل المشكلات وتدبير الحاجة مثل علاقات الأطراف مع بعضهم داخل المؤسسة وخارجها ، وتولي المسؤلية العامة، وتصريف السياسة ، وكيفية الفصل بين الذاتي والموضوعي أو بين الحق العام والخاص ،و ماهية الدولة الديمقراطية ،وتعريف العلمانية فيما يخص العلاقة بين رؤية العالم والنظام السياسي ، كل هذه المسائل في حاجة الى المزيد من الإضاءة الفكرية وفق مفاهيم ونظريات علم الإجتماع السياسي الحديث. قصدنا في هذه الورقة بناء رؤية أولية ووجهة نظر تقوم على رؤية جديدة للإنسان وحريته.
2- المحور الثاني : محور الإصلاح الديني
إن قضية النهضة ترتبط إرتباطا وثيقا بقضية الإصلاح الديني، ومناقشة مسألة الدين ضرورية للحركة النهضوية لأنها تتعلق بالإنسان الذي هو محور موضوع النهضة ،ونهضة الإنسان تبدأ من داخله: تثويرا لهذا الداخل وإشراكا له في تغيير الخارج، وباطن الإنسان أو داخله هو مجال عمل الدين كما هو مجال عمل الفكر والفن ، ولو لم تكن النهضة كذلك لكانت مجرد (تشغيل) للإنسان في برامج لم يشترك في وضعها ولاتعبر عن ذاته وهذا هو عين القهر . إن حرية الإنسان التي هي أساس النهضة تقتضي النظر للإنسان من الداخل لأن هذا هو مجال عمل الحرية الحقيقي ولا معنى لحرية الإنسان إذا لم يشعر بها .
حرية الإنسان ونهضته هي أن يصنها هو ويبدعها معبرا عن ذاته وعن ضميره وعن رؤيته الخاصة وموقفه من العالم وحريته فيه ، هنا الدين يعمل ، فهل الدين عامل إيجابي أم سلبي؟ بمعنى هل الدين يعمل في باطن الإنسان في صورة دافع للنهضة أم في صورة حاجز لها ؟ هل الدين يثور الإنسان ويحرره أم الدين قيد يجمد قواه الداخلية وطاقته ويلغي عقله ووجدانه ؟ إن الإجابة على مثل هذه الأسئلة ستصبح منهجية ومرجعية لحركة الإصلاح الديني كلها لأنها في تقديري تسعى الى تحويل الدين الى عامل دفع ثوري وقوي للإنسان لتحقيق حريته ونهضته وتقدمه من خلال تصفية منابعه الأصلية من جراثيم الإنحراف التي ساقتها اليه التجربة والفعل الإنساني في التاريخ ، فما هو الدين ، وكيف يعمل في باطن الإنسان ، وما هي تجلياته الخارجية ؟ وماهي أهدافه وغاياته الأصلية؟ وما هي مؤسساته ؟ وكيف يمكن إصلاحها لتتحول الى مؤسسات إيجابية وعاملة في خط نهضة الإنسان لا ضدها؟ كل هذه الأسئلة مهمة يجب أن تضعها حركة النهضة والإصلاح الديني نصب أعينها وتعمل فيها بالبحث والتنظير لتتبين خطها الحركي وتحدد أهدافها العملية.
3- المحور الثالث : العمل الإجتماعي والثقافي
الإنسان الجديد أو الناهض هو النموذج النشط والفاعل المنتج الذي يعمل للإضافة لرسم صورته ووضع بصمته في العالم هو النموذج الخلاق أو كما يسمى في الإصطلاح الديني : الخليفة الحقيقي عن ربه الذي يعيد خلق العالم كما فعل ربه بدءا. إن واقع الإنسان الآن في مجتمعاتنا المتخلفة هو عكس ذلك ، الذي يسود الان هو النموذج السلبي للإنسان لا أقصد على المستوى الفردي فحسب ولكن النموذج الإنساني على مستوى الجماعة أو المؤسسة او الدولة...الخ نموذج سلبي منفعل مستهلك كسول متمتع باللحظة المادية والغرور الروحي متسلط على الاخرين متعالي عليهم متصارع معهم لا يستطيع الإنتاج وعاجز عن الإبداع والإضافة فاقد للذات والوعي . إن العمل الإجتماعي والثقافي في إطار النهضة يجب أن يتجه بصورة مباشرة الى محاربة التخلف أعني محاربة النموذج السلبي للإنسان وبناء النموذج الإيجابي على المستوى الفردي والإجتماعي والمؤسسي والسياسي.
إن حركة النهضة الحقيقية هي حركة إجتماعية ثقافية تنطلق من القواعد الإجتماعية الحقيقية أي المدن والحواري والأرياف وأماكن العمل وساحات الإبداع الفكري والثقافي تثويرا للإنسان بمعني قتل النموذج السلبي في داخله إحياء النموذج الإيجابي وجعله نموذجا ثوريا قويا يعمل بقوة لتحطيم قيوده ليس بالعنف المادي ولكن بالإنتاج والمزيد من الإنتاج المنطلق من دواخله ثم تتحول الى هذه الحركة الثورية الى قوة فعلية في شكل قوى اجتماعية ومؤسسات متصاعدة الى أعلى حتى يتم تتويجها بالتغيير السياسي وقطع رأس أفعى التخلف المتأبدة .
إن المضامين الحقيقية لأي عمل اجتماعي أو ثقافي يريد أن يكون نهضويا تكمن في وجوب تخليه عن أية منطلقات غير إنسانية بمعنى أن يضمر بوعي أوبغير وعي أغراض أو غايات ضد حرية الإنسان . على العمل الإجتماعي أو الثقافي يجب أن يكتشف (الإنسان) ذلك الكنز الثر المكنون داخل جوانح البشر.
سامي عثمان القريش
يناير 2008












































ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق