الجمعة، 30 أبريل 2010

إينانا


أنشودة الإنسان الجديد
نص من سبعة نصوص

سامي عثمان القريش

























إضاءات
1
رمز السريان تأثرا باليهود للكون بالنجمة السداسية المعروفة بنجمة داود وهي عبارة مثلثين مقلوبين()في حين أنهم رمزوا للإنسان بنجمة سليمان الخماسية، وللتشابه بين الإنسان والكونفي السحر والصوفية والحكمة قال الصينيون في مقدمة طب الوخز بالإبر والكي بالنار : إن الإنسان هو ملخص الكون أو الكون الصغير ، والأجرامهي الكون الكبير ، وكلاهما نمط واحد في حجمين مختلفين، ويعرف الكون عندهم (بالماكروكوزم)والإنسان(بالمايكوكوزم)، لقد قال فوستر أن الكون الذكي يرسل بالأشعة الكونية النجفية للكون الصغير (الإنسان) مما يؤثر على حياته وهذا ما عناه بعبارة : كما هو فوق كذلك تحت ، وتحول هذا المعنى الى السحر فأقيمت دعائمه على أن الإنسان عضو أساسي في جسم الكون مثل القلب في جسم الحيوان.
أبو حراز92




2
قال سيدنا الإمام علي كرم الله وجهه:
وتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر
















إهداء
الى أميرة
حقل البنفسج الأول
القمة والسفح
والغابة والصحراء








النص الأول
سيدة الكون في عيدها








أنا واحد ...أخضر مثل شهدك الذي تصنعين يأمي.... أخضر
طيب مثل رائحة بخورك الفائحة
وعليم يا أمي ......وعليم
وأنا اخضر مثل نهر محترق
وسيدة الكون أنت .... يأمي

واحدك الذي أخرجتيه من لؤلؤة في قاعك ليصنع مياها للنهر من جديد ويؤسس العالم
هو أنا

العاشق الكوني المصنوع من لهب الشمس الذهبية المسجونة تحت ساق العرش .. هو أنا
وقفت على البساط .... صار البساط أخضرا، كل سكان العالم النوراني إندهشت ساعتها
ذلك الصاعد الى أعلى دائما .. هو أنا
الذي أجيء في وسط العالم وفي وسط العام
هو أنا

موسم الزهر، موكب الفراشات ، هطول الرزاز ...وصعودك من جسد الأرض لتكوني إلهة للنهر ولجريان الأشياء نحو أشيائها
هذا الموسم هو أنا
سرب طسورك المصطفة على شكل السهم ، والخارجة من أهدابك ، ومحلقة فوق حقول السوسن، ألسنة النار التي تخرج من غليان نهر الفتنة بين نهديك ياسيدة العالم...
أنا الملاك الذي كان طاؤوسا فصار أفعي بين أفاعي النهر
أنت شيختي الوحيدة المستحمة بعسل الحسن وكوثر الفتنة....
لماذا تسدلين الستائر؟؟؟؟؟؟؟؟
الأرض تنسج أثواب بهجتها على نول العام السابع
وأنا فوق النهر أتجري مع المياه ، وأصطاد أنداء هاربة من شفاه حمراء ومتوهجة بالجنس هناوهناك ...زهرات برية هنا وهناك...
لاتقولي أنا صائد غزلان برية..!
أنا مازلت في النهر
وتحت المياه
وتحت أر العالم ..ميقد بلهب الشوق
وعاشق حزين لحبيبة مختبئة خلف ألف سحابة


تبرجي يافتاتي
إخلعي ألف ثوب تلبسينه ،وانثري الفتنة على العالم
واسكبيها كخمر معتقة في كأسات الصبيات
ليصبحن جميلات...وأكثر جمالا...
موحد أنا... وإلهي واحد
وأنت أمي التي لم تلد يوما سوى آلهة
ولم ينسكب بين نهديها سوى النور!
والآن ياسيدة الكون عليك أن ترتبي جسد العالم من جديد
أن تعيدي صياغة الأشياء لتكون مجانسة لشكل العيد
أزهري الأزهار في أصائصها ..
بل على ضفاف الأنهار .
بل على حافة الجبل ..
بل فوق نهود البنات
أريد أن أقول : عليك أن تصيري وردة تنبت من ذرات العالم ..
من جسد كل الأشياء..
أنا أعلم أنك منبثة في الحقائق
وأنت روح العالم
أنت جسد الأنثى الذي سيرتب تكوين الكون مرة أخرى من أيديلوجيا الرحيق والتراب...
لماذا تسدلين الستائر؟؟
فقط توردي كوردة ، كوني البودرة الحمراء التي تصبغ خدود البنات في لحظات العشق الليلي الحميم..
كوني مرآتي التي أقرأ فيها نفسي
إنك العالم الأكبر ، وإنما أنا جرم صغير
كوني مرآتي واهبطي من سماءك يا نجمة الحسن
وتعالي إلى سريري
الليلة دافئة ، والسماء جميلة
لماذا تسدلين الستائر؟؟؟
السحابات ملأت قبة السماء ، والعام عام خصب
عيناك جميلتان ..ونهداك مرمر وفي قاب قوسين عرش إله...



ياسيدة الكون ...
أنا تعددي المذهب ولست موحدا..
وأعشق كل شيء
كل طائر يفرد جناحيه بحرية في الفضاء وينفرد مغردا هو إلهي ...لأنك ساعة ميلاده حقنتيه بوردة روحك ،
وأفغمت دمه بدمك العطري..
كل طينة ترقد في النهر هي أصلا طيني التي منها أبدأ رحلة البحث عن ذاتي لأنك ساعتها تكونين الندى الذي يرطب الرمل فيها ..
أنت رحيق الأشجار
لذا صارت كل أشجار العالم آلهتي
أنا أحتاجك جدا
فتبرجي يافتاتي ..واخلعي ألف ثوب تلبسينه
وانثري الفتنة على العالم.... واسكبيها كخمر معتقة في كأسات الصبيات
ليصبحن جميلات...وأكثر جمالا...
17أغسطس94


النص الثاني
تموز


قي الشرق حي تنبت وردة البرتقال..
ومن قبة النهر ... ومن حشاشة الأرض
قلت - وأنا العاشق المنسحق أسفل النهر، والمسمى تموز-:
في مرايا الشروق جسد من حريق
كورود المياه رقرقت في الطريق
أو عصافير أمست رائعات البريق
كون هذا الندى والصباح الوريق
طالعا من فضاء الصدى والصديق
وطن الورد جاء
غارقا في البهاء
غض من طرفه
والعيون الرجاء
كله داخل في فضاء الحياء
مثله الأمنيات .. وعيون البنات
إنما االشرق آت
في نهود النساء
قادما كالصدى موسم الورد منه
ولنيسان إسم يشتهي أن يكنه
إنه في دمي
طالع من فمي
حدث الشعر عنه
مطرقات الدماء

وسلاما لسيدة الكون في عيدها... هل صدقت حقا ما تحملع أنباء فراشات جفت أجنحتها واحترقت بفعل الريح، كانت اتسكن أصلبة الصخور وحشاشة التربة منذ عصر الديناصورات،
أنا نجمة البحر يا نجمة في السماء
أسكن في جسد النهر بين وادي الصدى والحديقة
في جسد الأرض ... وفي أسفل البحر
حيث أفعى الحياة وذئبانها ، حيث للرمل طعم الملوحة
خيث الحوت يأكله سمك الرنة
حيث لون الكآبة والظلمة يكتشف الرض
حيث لا البحر يرى نفسه ظامئا للحياة ولا يدعيها
هناك الاحياة : الأفاعي سلاطينها ، ومملكة التار حراسها الطيبون زبانية من كلاب الجحيم وآلهة للعذاب
أنا في أسفل سافلين
أسكن الرمل منذ طينة البحر الأولى محتضنا نجمة البحر ومحترفا حرفة الأنتظار
أنا نجمة البحر يانجمة في السماء
إينانا... يا وجنة النور الساطعة في جبين الرب
يا عينه التي بها يرى
يا يده التي يها يبطش
يا روحه التي بها يخلق البراعم في أكنتها
وبلورة الثلج في هيلمانها الجمالي
والأنهار فوق جبالها ساعة انصبابها الكثيف
كوني لي ضوء في ظلمة العالم
خبريني كيف يكون الخطو..؟ ومن أين أبدأ المسير نحوك
وأين الطريق؟؟؟
إينانا أيتها البتول المكتنزة بعسل الخصوبة الأبدية
أنا عاشقك الأوحد المستباح في عالم الأفاعي
خبريني كيف يصطف جند الورد في مملكتك الجريئة/الضياء؟؟؟
ولماذا نست أعوام عشقنا العلني الذيكنا نمارسه في مشهد من فلاحات الأرض والفتيات الساقيات اللائي كن يردن الماء خلف حشائش الحقل وكن يخلعن ثيابهن مختبئات حياء وراء البوص من عيون المارة والعابرين...
كانت أجسادهن البيضاء تشبه حبات اللؤلؤ الندية المختلطة بالحصى-
كن يتقاذفن بكرات الطمي- طميك يأمي الخصبة- ويغطين بها أعضاءهن البضة..
في ذلك العام ياأمي فاض النهر ثلاثة مواسم
وأزهرت شجرة الصبار الوحيدة في الوادي
وعادت أسرة السمبر المنفية في بلاد ماوراء التلال

أنا ملاكك الاساكن قبو العالم
أيتها البتول
لماذا صفعتني في قلبي تلك الصفعة التاريخية
فصرت في أساطير الشعوب؟؟

أيتها الساكنة قبة السماء الخضراء : تعالي لأطبع بين عينيك القبلة الأخيرة
قبل أن تموت الأشجار

17أغسطس94

النص الثالث
صعود إينانا مرة أخرى



صعدت إلى عالمها الجديد بين ثريا النهر ،ونجيمات الوهج الغربي للشمس، كانت كل بنات المدارات يبشدن نشيد الملاحم ، سلاطين البحار..الجبار ..وسهم القطب المسمى بالنورس... وبنات نعش.. والقمر المشقوق الأنف الذي يدور في فلك الحب...
وكانت تسمى أفروديت في أغاني البنات في اليونان،وعندما هبطت إلى الأرض أسموها:أثينا
وكان صعودا،
كان أول ليلة الشتاء، أخرجت منديلها الحريري المصنوع في إءيف سان لوران – باغي، وعطست كثيرا
علمت أنها ستكون دورة جديدة للحياة ، ولكن هيهات.. البشر سيسعدون ، وليالي الشتاء طويلة
البقرات سيدخلن إلى الجرن، وسينقلون-فلاحو أرض البساتين- التبن إلى خارج حظيرة الأمس
كانوا يسمونها وقتذاك إبنة الشمس لأنها كانت تطل بوجهها الصبوح قبل الفجر لتعلن لنا قدوم موكب الشمس..
وكانت البنات في أثينا ينشدن ليلة العيد:
معيدة ماتزال المدينة
ملء ضفائرها العنكبوت
خرجنا إلى شارع الكستناء
مضينا إلى شارعين من الحزن والأرصفة
فتتبعنا ما تزال البيوت
حملنا السلال
لنقطف من جرحنا وردة وردة
لنهدي لعماتنا باقة
ونهيء للحزن وقتا
ونمضي تماما لبحر السكوت
سلاما لسيدة الكون في عيدها
يالسيدة الكون في عيدها
رتبي مقعدا للضياء الرصاصي
بين الحديقة والقلب والمنتهى
رتبي للرصاص حصانا على الأفق يجري
وللكون بيت الجراح الكبير
رتبي للسماء غزالا يلمام أيامه من وايا
ومن زنبقات عيون الصبايا
ويعرج من وقته للفضاء الفسيح
ويكون المسيح
رتبي ياإلهة
للعصافير كونا بلا غصة من عيون المتاهة
ولاتنزلي من فضاك الجريح
رتبي لحقول القلوب
بقايا خصوبتك المدهشة
والصباح الغريب
رتبي للمدينة أشجارها
وانزعي من حماها
صفاء القلوب الجديب


وكان صعودا....البنات تضاحكن ضحكات غنجة..فأزهرت شجرة عيد الميلاد فجأة .. والثريات في البهو ...وإطارات الصور القديمة والفتى العاشق الذي كان يرتدي حذاء مبللا بأمطار الحديقة وعلى صدره ربطة عنقه متدلية كأنه كان في الحرب...
يقولون أن الأرض انفتحت فجأة في بابل فأشرقت الشمس لأول مرة من الأفق الشرقي وانطوت في صدور الجسان زفرات لذة مكتومة...
في بابل ، النساء الصغيريات كن يمرحن عاريات تماما في الحقول ويمارسن العشق بطلاقة مع خنازير الحقل عائمات في الوحل الذيذ وطمي الفيضان ..
وفي ممفيس أيضا، أيتها الصاعدة من النهر الحار، في ممفيس كنا نرى الطيور الصغيرة تحمل أولادها إلى أعلى جبال بعيدا عن النهر ... كانت الجبال مزهرة بحق كأن بساتين الله نبتت فيها ... وكنا نراك ساعتها متوهجة بضياء فردوسي ..ونشير إليك لبعضنا البعض :في البعيد هناك أنت ..
أنت فوق نهر الأردن...

البنات في ممفيس كن يعلمن أن موسم الفيضان جاء لأن الفتى المحترق بوهج الخصوبة والمسمى تموز كان قد زار كل واحدة منهن ليلا بين أفخاذهن ورحل قبل طلوع الشمس..
وفي ممفيس ، الأطفال أخذوا يلعبون بكرات الطين اللزج ويقذفونها داخل البيوت من الكوات الصغيرة ،،ولم تأبه الأمهات لذلك..
الأمهات كن يعلمن أن الشمس سترضى عنهن وسترسل لهن المزيد من قطع الجبن وكرات الشعير لذلك كن يقضين نهار الفراغ في صنع أشكال من الحرير والخيط والترتر على هيئة الشمس من أجل أزواجهن عندما يعودون من الحقل للعبادة ، وفي ممفيس الجميع كانوا يعلمون أنك ستطلين من أفقك هذا الموسم ...
فتى واحد في ممفيس كان ياخذ ربابته ويخرج في غروب الآحاد إلى شجرة التين يصعدها ويرتل صلواته:
رتبي لي بين نهديك جرحا لآكله
وأحققه دورة للفصول
أنا أول الليل
يبحر في لجة المرمر البفوضوي
جسدا على جسد
وأنت الرخام
وسرب الغمام
هيئي للندى بين جنبي عرشا
ليصعدني الضوء حتى الخلايا
لأنبت في إحتراق الحقول
وردة وردة من جراح المرايا
هو العمر ما يتدلى شفيفا
من السقف مثل بقايا الحقب
ليسرقني من حريق مسائي
ويكتبني عاذبا
في زفاف الكتب
هو العمر
هذا الذي جرني من خناقي
إلى آخر الجدب
ثم رماني
عكس ريح الشتاء الأخير
أحدق في الأمس
ثم أحدق في شارع فارع الطول
كنت أغنيه همسا
لكنه فر كالنهر مني مرنحا كالسكير
وممسكا بالخشب
هو العمر ما يصفع الذاكرة
بالسقوط المريع
لأوراق ديسمبر الفاترة
عن إهاب التعب

وكان الوقت صعودا..صعودا نحو الشجر واللازورد..زوكانت إينانا تنشر عبقها في ورود العالم وترتدي ياقوتة الأجنحة،، صارت ملاكا بل إلها وأخذت تصعد بطيئا بطيئا ،، تحولت فتحة البئر فم وردة، وإينانا صارت نحلة ، سرقت من جسد الأرض الرحيق وصعدت...والأرض/جسد الأنثى ولازوردها أشعلت البخور فوق رأس عصفورتها الصاعدة إلى أعلى وإلى اعلى..
يقولون أنك ياسيدتي أبحرت مساء على زورق الريح نحو الجنوب ، كنت ترقدين مساء إحدى الليالي على سرير البرق ثم أنجبت إمراة دعوها (فاطمة السمحة)...
هل حقا أنك مازلت تعشقين السرو؟
إذا فلماذا تسدلين الستائر؟؟؟؟
أيتها البتول الصاعدة نحو البرق..السرو يملأ السهل، والنخل وزعت عذوقها على الجماهير..
ذلك النهر –سيدتي- صار إمرأة حبلى والآن هو على وشك الأنفجار
إينانا صعدت مرة أخرى أعلى النهر ونظرت إلى الغابة بعين دامعة..
فاطمة السمحة مازالت تعشق العوم على ضفاف النهر الأدنى وتماسيح النهر تصنع من أجلها جسرا للعودة من وطن النرجس والياسمين

18أغسطس94





















النص الرابع
إينانا سيدة الحرب



وارتدت إينانا غلالة شفافة من دخان الريح وإسورة من الغمامات .. لماذا أيتها المرأة الأم والبتول تسدلين الستائر؟؟؟
أليس العيد عيدك يا فتاتي؟ فاخلعي الف ألف ثوب ترتدينه وانثري الفتنة على العالم واسكبيها كخمر في كأسات الصبيات الصغيرات اللائيب نبتت على صدورهن برعمات النهود ليصبحن جميلات .. وأكثر جمالا..
إينانا إنك اليوم رائعة في ثياب الجنود ... هل تحاولين هزيمة جيش الزنابير في حقل الزيتون؟؟
أم إنك مازلت حلمة بموكب الضياء المنثال في حوض الأكاسيا؟
أول الأمس قدمت إلى بلدتنا سيارة من وحدات القيصر لتأخذ من بيت سيزيف صاحب الحصان العجوزهيلانا الصغيرة..ذهبو ونحن على جانبي الطريق وأعيننا دامع ، بكينا كثيرا ، وقالوا أنهم هناك استقبلوها بالدف وأنغام المزامير...
إينانا يارب الورد ويا عشيقة الشعاعات المتكسرة على صفحة الماء ، ويا متفتحة مثل صدور البنات من أجل احتضان الحبيب والقبلات السكرى...
إنهم هناك في أثينا يستعدون لحفل الزواج، لماذا تركت أثينا وجئت يا أمنا الخصبة الى حقل الزيتون ؟؟
أمسياتهم البنفسجية .. البالونات ...ألعاب النار الولونة..البنات الصغيرات / الأميرات يلبسن تيجان من الورد والزمردات .. حلوى تملأ عين الأطفال .. ومهرج – ياأمنا الخصبة- مهرج القصر يطلق صفارته ذات الريش الملتف كلولب على أوجه المدعوين وينثر قطرات العطر في الفضاء..
لماذا ياأمنا تسدلين الستائر؟
موسم العنب اقترب ونحن لم نستعد للحصاد ، هيلانا الصغيرة ذهبت مع الريح وعلينا أن نعمل ونعمل ، غدا ستكونين أنت يا سارة التي ستذهب، يجب أن نعمل ونعمل كثيرا حتى نشتري سكوت الحراس..أنت ياأمنا سيدة الكون التي ارتدت شارة الجند وانتظرت موسم الشتاء القادم حينما يسكن كل شيء وتموت الأشجار وتنزوي داخل القلوب الآهات الحرى ، بالأمس كانت الفتيات الخائفات في حقل العنب يترنمن همسا حينما يذهب الحراس:
لسيدة الكون ثوب من الماء والبرتقال
يطل على نرجس القلب محتفلا
ويشف عن الأحتفال
ولسيدة الكون أشجار حناء
تخرج في موكب من لهيب الحضور الفتي
وفي كرنفال الشجر
ويا كرنفال الشجر
في الصبح كان البنفسج يخرج للحرب
في موكب الآلهة:
الشعاعات – الجند – ورد الأكاسيا – الخيول-
رجال البلاط –سيوف من الضوء
أجنحة الجيش
رسل العدو
الزنابق
كان الندى رائعا في خدود الحسان..
ويخرج بالحب عند المساء
يقبل وجه الفضاء الجميل
نديا كما الأشرعة
لسيدة الكوةن زبدة هذا المساء
تحج
وتفنح أثوابها للنسيم
نهودا من الضوء لؤلؤة من صباح الجسد
ويا نرجس القلب
تجرح طعم الأجنة في بؤبؤ القلب
تفتحها من جديد
على كوكب الأقنعة
سلاما لسيدة الكون في عيدها
تتمنى مساء
تغني أحبتها
وتعود
مع العام
مزينة بالحرير
وفائحة بالسرور

كانت بنات المدارات ينشدن نشيد الملاحم – الجبار –وسهم القطب المسمى بلنورس – وبنات نعش – والقمر المشقوق الأنف الذي يدور في فلك الحب- سموك نجمة سمراء أنت الغارقة في لهب الشمس وفضيحة النهارات عندما تطلين صباحا بين كوكبين هما وزيرا حرب المسميان أوكتافيوس وزيفس تنهزم يامولاتي جيوش الظلام ، يستيقظ من منامه زيوس عاشق الفراشات ، وتعزف قيثارة الاريح أنغامها وتنتعش مياه الجداول..
جاء السفراء ياأمي ، وهؤلاء الرجال ما كانوا من طينتنا نحن، كانوا يشبهون الغيلان الخمة والأفيال كانت لهم سواعد ياأمي مصنوعة من صخور الأوراس وعيون لم نرها ترمش أبدا ، وكأنهم آلهة البراري الشريرة ، وكنهم جاءوا من البحر الجنوبي ، جاءونا في منتصف ليلة الشتاء يارب الحرب والجمال وأخذواإلى مينوس إله البحر هناك العذراوات السبع في أثينا إلينا وأخواتها الجميلات ..
إلينا ياأمي هل سيعاشرها ثور البحار المسمى مينوس؟ ولماذا تركت أثينا وجئت إلى حقل الزيتون ؟ أثينا أصبحت مستباحة يا أمنا من الجند وأتباع مينوس..
إينانا أنت طعم الدم في فم أوركيدة الحقل الوحيدة وحزينة فصل الشتاء..
وأنت خاتمة مطاف الشجرات اللائي طوقن العالم بالكلور ، ونسجن رداء الأرض الأخضر لترقد فيه الشمس...

22أعسطس94










النص الخامس
إبنة القمر التي تتزوج النيل



في عالم الذر يا حبيبتي تعاشقنا، دخلت أنت عالم النور واستلقيت على بساط مكسو برائحة تفاح وبخور النعناع و أمطرت عليك الآلهة نهرا من عسل الأشجار الساخن وذوبت بين عينيك مكعبات السكر ، وكشفت عنك أنا غطاء أحلامك ، كم أنت جميلة يا حبيبتي ! جسدك نهر الكرم المنثال على بستان المعرفة ، فخذاك حقل المرمر ، وخصرك صلصلة الأجراس من جسد البيت المعمور بالفتنة ، يا لوحي اللحظة ويا لحسنها ! من أين خرجت يا حبيبتي ندية كما المطر/ من أي لحظة مظلمة في الكون أشرقت مثل الشمس ؟كيف تجلى نورك البهي ؟ خبرينني يا إلهتي الجميلة من أي عماء ترى طلعت وأضأت أبصارنا؟
تنزهت عيناك أن تكون شجرة..
وتنزهت أن تكوني إمرأة المدارات المستلقية على طريق الورد ...ستة أعوام يا حبيبتي ونحن نتناجى هوى وفي العام السابع عندما ألقيت عنك غطاء أحلامك وتعاشقنا أصابتنا لعنة الآلهة..
أسميك فطر اللذة المتسلق جسد أشجاري
وأسمي نفسي نهرا
أسمي نفسي نهرا منثالا من الجنة... هل تتذكرين يا حبيبتي ذلك المكان الصغير الذي كنا ندعوه بالعش، تلك الغابة منشجر السرو والأبنوس وطيور السمير حيث كنا نزهو ونحتفل بالنهار هناك ، أنت بكامل وجودك الجمالي ..
وأنا متدليا مثل عنقود عنب..
عيناك ياحبيبتي تشبهان لي فتحتي النهر التين ينسكب منهما الشلال على العالم
إينانا يا قصة عشقي المتوحدة في سفر القصص
أنا الصاعد الأزلي إلى جهة البهاء المتورد في كنف خديك.. العارج أبدأ إلى جسد أحلامك
الفاني عن الورد في وردة فخذيك
خذيني معك من ضلال الروح إلى أحراشك القصوى كي أجدني منتبها هناك
ومكتمل الوجود
هل تعرفت يا إينانا في أعالي المستنقعات حيث تنبت الشجرة التي ينسكب من بين نهديها ذلك النهر المسمى بالنيل؟؟
كانوا يقولون قديما أن إمراة هناك بقيت أياما بلياليها مستلقية على سرير من الثلج عارية تماما تفتح فخذيها بانتظار الثور الذي يأتي كل عام في فصل الأمطار ليعشر أبقار القبيلة ونساءها ...
قال أن الرب الثور مسخها في ذلك العام شجرة لأنها كانت مفتوحة العينين وشاهدت معاشرها الإله.. ومن ذلك العام وهي تسكب لبنها على القبائل ..
إينانا يا أمنا الخصبة التي أنجبتنا مع أطفال الوادي الامقدس فسبحنا في نهر أحلامها الأزرق..
أنت دم الأرض ..
أنت رئة الأحراش ..
لغة التواجد اليومي.
صخب الأرواح المتنامي حين التوترات ..
أنت سيدة الكون المسمى بالأعالي – المستنقعات –جذر التربة – الأرض العذراء – الطمي – التماسيح الشبقة- التموجات الصغيرة على جسد النيل..
:نت أنا الفتى الفتى العازف على ربابته والسارق وردة دمي من أرواح الشهداء الذين عرفتهم يغبرون النهر ليلا عند جهة الثنية الأولى للمجرى هربا من مآمير الناحية، والعاشق الأزلي لكوكب الرياح الفضي غرب الحواشات ، أنا المنكوب بذاتي .. كنت أجلس بين أهداب عينيك والزورق النشوان يتهادى في صفحة مائك البيضاء ، أترنم على ربابتي:

أفي تموزيبتسم البنفسج؟،
أم ترى هي محض أحلام
وفيروز خيالي وآل..؟
وما في نفسها إلا ابتداء للنشيد البرتقالي الذي هو في يديها
جنة من برتقال
وهاهي ذات أجنحة
وذات سحابة
وفراشة للشمس
تضحك حين أتبعها
وتمطر للذين تدافعوا
كي يشهدوا من حسنها حسنا
وتشرق ملء اعينهم
محال
وها للنجمة السمراء خاطرتي
بقية من مشوا في القلب
أورادا خرافية
وأنغاما خيالية
وكل الحب
والشرفات يشهدن اكتمال البدر في يدها
وفي تموزيكتمل النشيد
وليس لي بعض البنفسج
أو..لها بعض
وعقد من لآل
ولكن تاجها بدر
وتاج الأرض هي
مطر على قلبي سيورثني الجمال

ولكن أحيانا – أيتها النجمة السمراء – حينما كان ضوء القمر يصيب الحواشات الشرقية للوادي بالغمر، كانت فاطمة السمحة تخرج من النهر عارية مثل الشبح الليلي وكأنها خارجة من الأبد، تدخل غابة السنابل الذهبية فتتسلق قامتها أعشاب القمح حتى لحظة النهد الشاب عابرة غابات الجسد وأحراش الخصب السوداء..
أعراس القمح السرية، فلاحات الوادي السمراوات اللائي كن يلاقطن لوزات القطن ويتحدثن عن صنع الخمر وأسعار السوق، المرأة العجوز التي جمعت حولها الصغار : ليلى وسارة وخالد وآدم وعثمان،وتغنت بملحمة الختان العلني لبنات الحراز..
إينانا سبعة أيام وسبعة أيام أخرى عندما يكتمل القمر ستصعدين عاليا إلى مدار الثور وفلك الآلهة البدائية ، هذا الرجل الذي يرتدي جلد الزراف وريش الصقور ويحمل في يده سلاح الحرب سيتذكر ظهورك الصباحي واليومي يا سيدة الحرب من جسد النيل لتعلني للعالم سقوم دولة الظلام وتقهقر جيوش الفوضى إلى ماوراء النهر ، حينها يامولاتي ترفرف حول خصرك فراشات البرق الملون فتمطرين عطرك الأزرق المدهش على العالم..
سبعة سنوات وسبعة سنوات أخرى يا حبيبتي تنجبين أشجارا تشبه قامتك المزهرة تسمينها أشجار الشهوات المرة..
لماذا صعدت إلى رئةالكون المثخنة بالدخان الأزرق – الأحمر – الرمادي، وأصبحت مجنونة بالرياح؟
تتذكر فلاحات الوادي الساذجات ليلة صعودك البهي مع نسمة صغيرة من جسد النيل إلى رئة السماء ساعة أن خاطبكالقمر قائلا : هل كفيت الناس شر سبع سنين عجاف؟؟
أجبت بصخب ضاحك وغنج امرأة مراهقة: لقد جمعت بيادر الحبوب وخزنت العلف للبقرات العجاف..
ثم صعدت إلى الأعالي...
وتتذكر الفلاحات أيضا: كنا نراها سابحة على الماء مثل أوزة حمراء أو تمساح أزرق، تتراقص وكأنها تضحك منسذاجتنا خصوصا عندما كان القمر يضيء في ليلته الرابعة عشر ، كانت تصعد إلى أعلى الثلج وتهبط إلى بطون الذكريات ، وماتزالتصعد وتبط جتى نظن أن النهر سيصرخ مكابرا في وجه التاريخ...
لقد أخبرتنا أمنا أنها كانت موجودة في هذا المكان قبل حضور الطوفان وتكون الوادي ، وأن النوارس كانت تحضر إلى هنا قديما لتستقي منها فكرة البوجود قبل أن تعرف ما البحار، وأن زهرة ليلك نبتت هنا كانت هي البداية التي منها انهمر سرب الياسمين ، وأن أمنا الكبرى التي أنجبت أفذاذ آلهة قبيلتنا تكونت من قطرة ماء سقطت من عينها على تربة سوداء فأخصبتها فكان الرحم الأول..
إينانا سر احتفال العنادل بقصب الورد..
هي دخول الفتى الأسود على امراته عشية عيد الحصاد ..
هي مئات الأبقار تخل حظائر الرياح وأعشاب السهل ..
حديقة الأكواخ...
سكون القرى المطرية..
حزن الفراشات..
إينانا هي جرح الرحم الأول بقصب الورد..

28أغسطس94
النص السادس
هبوط إينانا إلى أسفل المدينة
أو...عاشقة الموسيقى


والآن ... توهجي، إشتعلي مثل الند ، أنت على شفا العشق وهاوية التنهدات ، ياصاعدة إلى مدار الروح ويا نجيمات غسق الذات المظللة بالهلاك..
أنت منفتحة دوما إلى درة الوهج وبحيرة جوهرة الغموض يا عاشقة المساءات المبهرجة ، ويا محبة لأسرار الفقاعات .. مرة سكنت عود صندلك البهي رائحة التناسخ/ تناسخ الجسد العالي وبستان الفواكه النابت على ظلاله لبلاب حسنك وكانت غرفتك الحمراء المزرقة الصفراء تضج بطعم الثارات..أنت كالند تصعدين من بين أكوام الرياح المستلقيةعلى أرض الغرفة ومن بين مئات الملائكة الراقصة وجنون العظمة، وتعرج إليك حزمة الضوء المسماة بحلقة الأراح المفرغة والناضجة، كنت أنت الجسد المنسوج بإحمرار الدخان المتصاعد من بوتقة النهر الأزرق الذي يشق سماء الغرفة، وتضربين على الطبل وتنفتحين على سر أسرار الأكون الخفيض: الوردة أصل الوجد والرب ساح يسكن الجسد العاري، والهراة جذع بلوطة محترق، وأنا رقص جن عن نفسه وطوق بين يديه الرياح الأربعة..
ومرة جرى بين يدي غيابك الأحمر عطر التفاح وانسفح على رمل السكون دم الموتى المتسكعين فوق أسفلت البكاء..والضاكين على الضياء المر لأعمارهم ..والمنصلبات فوق أرصفة الجراح المزمنة بانتظار الأحبة..والمطلقات..وأطفال القرى الزائفون .. والخمر المسيخة.. والقصائد غير القابلة للنشر... وكل الأشياء التافهة في العالم..
وكنت أنت ترقصين على إيقاع غاباتي شديد التوازن إلى درجة الرتابة... روحك احتقت مع حمنرة السحاب الأحمر ، وصعدت مع الدخان سبعة أناشيد يامولاي وأنت تطلبين الغربة / غربة الجسد من عالم الفوضى إلى العالم التفاوض الحميم مع الله –اللاااه- سبعة أناشيد صاخبة،وسبعة أناشيد أخرى منخفضة شديدة الصخب تعلن عدم التوازن في الكون.. الرب يسكن هناك رئة مختنقة وقلبا رتيبا وفوضى نم رياح حمراء وسوداء يسمونها دخان الروح .. عطر الصنادل المحترقة .. بخور النعناع اللزع ... سحر الفراشات المنتحرة .. وهكذا إلى المطلق ألزلي المتأبد للأشياء..
إينانا..
ومرة تهبطين إلى غيابة الجب تعيدين إنتاج فاكهة الجسد العالي وتنضجينها على نار التجاوز الخطير لكل العنادل المقدسة...أحبك أنت طيبة قدر ما لاتعرفين أنك الأفعى التي تحرس جوهرة التفاح .. وأنا السارق الذي أصابته لعنة الهبوط إلى قاع الرحم الأول..
إهبطي إلى سعة الإحتراق اللذيذ ، إلى عالم الموتى الذين أسقطهم آلهة العالم القديم من حساب البناء ليصيروا ورقة التوت التي تستر عورة المدينة..
إهبطي إينانا إلى رئة الأوراق ودعي تلك المتخلعة تحتشم أقصى درجات الإحتشلم فالرب يطلب ذلك
..
هبطت سبعة سلالم وسبعة سلالم أخرى واحترقت هناك ، صارت روحا وقالت : أنا الوتر الأول..أنا الوتر ألأخير..
إينانا نخب التفاجع والتمركز الشديد على نقطة فناء الكون عن نفسه فيها ، لتنسرب مع حرقة الوجود التي تشهر بها كافة دواب وشرنقات وطحالب تتفتح تحت غابات الطين العطنة ، وبطون الغياب المنحط ، وتحت ذاكرة اتلحضيض إلى اليأس القلق الذي يتجول في كبد النساميس ، ونسور رالميادين الفارغة إلا من الجثث العطنة بسبب الشهوات المرة إلى السيادة...
آآآه ..إينانا تحب الرقص في أقصى ساعات المساء مرضا وفي آخر الثواني حلكة ...إنها مجنونة بقدر جنون الفجر الذي يكذب على الناس..
تذكرتها البنات اللائي تعلمن على أصابع البيان كيف يصعدن إلى حقل المطر العالي التون والسبرانو، ثم حاولن البكاء بحرقة : لقد هبطت شق الطوفان الأدنى مع بدء خروج اتلصوت الأكثر دوزنة من بين صولات البجع الأحمر ، آه ...لقد كانت مليئة بالنغمات ..!
وتذكرتها راقصات الكمبلا العاريات حين حدثهن الرب العالي مبيور عنها في ضوء القمر قال: هاهي تسيل على جذوع التيك إلى شقوق الأرض اللزجة .. تعلمن يابنات إيقاع المياه وابدأن دق طبول المساء واشربن نخب آبائنا الخالدين..
وتذكرها(خضر) الدرويش الصاخب الواحد المتوحد غي ذاته ، المجنون ، المتحقق ، العاشق ،المسكوب مع لبن الجسد العالي على أرض الشهداء ، السكران الغائب ، الكثيف الحضور ، الجالس على على العرش عرش الكون ، المستولي على دفة البرق ، المنسوج بخيوط الماء الزرثاء ، الأحمر ، الأصفر ، الأخضر الأخضر الأخضر ، الثائر المستكين ، الساكن ، الصاخب الباكي، الضاحك الضاحك الضاحك ،قام ترنح إستسقى صوت البحر الملكوتي في أذنيه ، وقفز دار ترنح صلى كبر صاح واحرق مزماره وترجم:
حينما العالم يبتدء النزيف
حينما الأرض تجعل من بركانها بوقا مخيف
حينما تمنع النهر أن تلثم شفتاه رحيق البحر
حينما تصطخب السحب في طابورها
تمسح الطل عن عيون الورود
وتختتم الخريف
حينها تبدأ عيناك البكاء
ترسل الدمع شواظا من حروف
تحرق العالم والورد وألوان الطيوف
تقهر الليل غريبا
تقتل الشمس في جبها
قبل أن تفطم من رضاع الظلام
قبل أن تعرف ما كنه الكلام
حينها تصنع عيناك من النفس رمادا
تصلبين الرب في القلب ومزمار الهيام
حينها تعبدك عيون الماء والنجم
وورقاء السلام
جينها نشعل صاروخ الهوى
وإلى السدرة المشتعلة في الأفق
نركب سيف الغمام
نلعب لعبة العصر
ونستشرف أكوان الصدام
.....
هاهو العالم قد بدأ النزيف
فتعالي
هاهنا تصرخ أنهر الدم المسفوك
من عمق الحقيقة:
" منذ أن انشقت الحمأة من روح الإله
منذ إضمخلال نور النفس في ثوب العظام
فإذا بالأفق تولى يا قديم الفجر
وتاه
ةإذا بالنفس للسفلي عبد
والقرابين خدود وشفاه
وتعالي
وتجلي في حمى الطين وصلي
مزقي الآن حماه
ارفعي كفك الملأى بآلاف النجوم وآلاف العواصف
وأضيئي الدرب لثورة القلب
واستدعي صباه
وتنادي الأنجم الحيرى: تعال
أنت يا صعلوك زمانك ..تعال..
هذه اتلأشباح غرقى في متاهتها
وأنا على الشط أنادي :
لست مشدودا على هيكلها
لا ولاكنت لها عبدا
ولاكنت مثال
رب في عينيك أشعلت بريقي
ومع الليل ..كان البدر هدى لطريقي
قد كان صديقي
هذه الأشباح غرقى في بِرِها
وأنا في البَرِ قد طرت
وأعلنت عقوقي
...
هبطت إينانا السلم إلى طبقته الدنيا ، قالت:
أنا الدو الأول ,, وأنا الجواب أيضا...
مدت إينانا أصابعها الموسيقية لتداعب وتر الفوضى في عالم الأفواه الصامتة والمغلقة بصرامة والقصبات الهوائية وآلات النفخ المنبعجة من الداخل ، والرئات المنتجة للرياح ، والحجاب الحاجز الذي الذي يفصل بين أسفل المدينة وعوالم البالونات الملونة.. سبعة مقاطع إينانا تتبخر مع اللحن إلى أقصى أركان السقف العالي ...لهب إينانا الأحمر الذي أنضج تفاحة المساء يتلاشى ...قطع الليل تصعد وتهبط مع ندى الصوت الشهي ... هبطت إينانا إلى أدنى لحظات صوتها لتحرق هناك في أتون الباص كل الوجود الكوني للأجساد العالية، صعدت فجأة إلى وتر السي الحاد فتصدعت مرايا الأرواح القلقة...
إينانا الرئة التي تغنى بها هوميروس في أحراش صقلية والقصبة المسماة مزمار داود..
هيا يا حبيبتي إلى آخر العالم نلتقط الأوراق الجافة لصدى الصوت المتساقط فوق البحار وبين لهاث الرئات الذائبة للبشر.. صار المساء نهرا من الحبر والأرض تفتح أبوابها السفلية لنزول الكواكب من مهرجان السبت حيث ينسجم الجسد العالي وجسد التفاح ، ونكون أنا وأنت شعاعا واحدا يخرج من فوهة الساكسفون الجليدي يطوق الرياح الأربعة – العناصر الأربعة – الجهات الأربعة – والقصائد الأربعة لسافو التي نزلت بعدهن الشاعرة الجميلة إلى حصون الماء..

2سبتمبر94









إينانا - النص السابع/ الوتر الأخير
أو – كونشيرتو الختام


هيا يا حبيبتي إلى آخر العالم نرسم معا على لوحة الأزهار البنفسجية كونشيرتو الختام ، ونشق اللغة الراكدة في دم الأوراق، ونعيد إلى حديقة الألحان المليئة بالغبار توازنها الكوني الموسوم برقة وعذوبة الرحيق ليكون صوت المزمار المتسرب بين أحشاء الصخر ومسامات دهشة الارمل حينما تفجأها دفقة الماء الرقيقة مثل وتر صباحي ومثل إبتسامة...يالصوتك العذب سيدة الكون المفتوح : قلبي – جوهرة التفاح ، يا أميرة الغموض والتوترات..
هيا بنا نشجع الزهرات الصغيرات اللواتي يحاولن بشغف تجريب أصواتهن قبل إنهيار الضوء على سلم تفاحي اللون، خماسي النغمات ويحاولن ترجمة التأوهات النبتة على جسد الكون لغة للفرح وبذلك يحاولن محو النشاذ...أميرتي – إنهن يطلقن بخور الفرح على كل شيء ليفضحن رائحة الدمامل المتصاعدة من بئر الحقائق الكاذبة والعطنة..
لاتعجبي يا سيدة القلب ، أيتها المتصاعدة مع دخان الروح إلى سماء خضراء ودنيا نبدعها من أيديلوجيا الرحيق والتراب
كما كنت أناجيك سابقا نؤلفها معا مثل سيفوية أخرى مكتملة الإتزان ذات لغة كثيفة وحرف شفاف .. إليك يا رائعة النغمات ينكتب نص آخر ، لغة أخرى فقط عليك أن تكتشفي روعتك المختبئة خلف غلالتك الشفافة النارية المنسدلة أمام عينيك الشرفتين ، وترسلي يا حبيبة ملاك الوحي الغامض الذي يبدأ تطويقي ثم يحررني على جسد الكلمات ..
ماذا أقول وأنا المرتعش من قهر الوهج المضاء من كون وجنتيك القاهرتين؟..
ماذا أقول وأنا المحترق بوهج الخصوبة الرمتجذرة في تربتك السمراء ، الغارق في نهر الفتنة الجاري على جسد أحلامك ، المملوء بشجن الإحساس الناعم والنابت إلي كوردة من بستان أحاسيسك .. ومن أين لي بلغة تترجم قولا تقولينه ، ورؤيا تكشفينها تلخص الكون والروح والإنسان؟؟؟
زمليني... أنا المحموم بفيض وحيك ، المندهش بإشراق وجهك ، المريض بمرض عينيك الموحية والنادرة ...
دثريني... وأنا الذي إحتبلت بسرك الغمض فأصبحت كنهر في موسمه الأخير يملأه التساب ، وفي منتصف العام يا أميرتي سيكون الوعد...
أنا الولد المملوء بشجن الخصوبة الأبدية والعاشق أبدا في كهف الروح لحبيبة مختبئة خلف ألف سحابة ، أقول:
ستكون لغة تتفتح على روابي المعرفة – رؤيا – قراءات سباعية النغمات – أشواط سبعة – وصلاة مرة وطويلة السجود...
شجو غامض تتفتق فيه أزمة الإنسان ...
كون من الوداعة – وحرقة – وحنين إلى برتقال اللحظات القادمة..
ثورة الحروف الزجاجية المتكسرة جراء النور – نغم نشاذ في سيمفونية طويلة من الركود والعطن...
-دخان الروح...
- بوح التوترات الكثيف...
- قرآن الوداعة....
أنت يا حبيبتي – يأميرة الوداعة – ويا إلهة الحب والحرب الحرف الندي =ستخلص إليك منذ البدء كيمياء التنزلات الكبرى لجسد النص حيث يتنزل الجسد العالي المسمى بكون العماء الغامض ولؤلؤة الروح المطلق المفقود في حال الحيرة الكبرى ووجع المخاض الإلهي إلى جسد التفاح ونص القراءة الاولى المفارقة لسيادة العطن ولغة الضلال الباردة ...
أنت ياأميرتي أغنية يترنم بها عصفور الكتابةالمدعو قلبي ، والمعزوفة الليلكية المنسكبة كرحيق والتي يشدو بها زامفير ...
أنت الجيش الذي سيجيش به صدر الجماهير ولغة الهتاف ....
سجن الحناجر الملتهبة ...
هزيم الاصندل المحترق في جوف الطرقات وأزقة الحواري...
أنت النص الذي سترسله الحبيبات الصغيرات إلى فتيانهن في ساعة العشق الحميم وحرقة القبلات السكرى...
إينانا ... يا سيدة الكون الكثيف الشفافية والمتلألئة في عيدها :
هذا أنا
الولد الأخضر المسمى تموز
والمولود في الشهر السابع – في أول موسم الأمطار
أنا الدو الأول
وأنا الأوكتاف أيضا
أنا الوتر الأخير
وهذا هو النص السباعي النغمات
والموسوم بإسمك:
إينانا.................................................
إنتهى2005






إستطراد حول إينانا:

إينانا حسب اللغة السومرية القديمة كما وجدت في آثارها المسمارية لفظة مركبة من مقطعين:إن – آن،إن : تعني سيدة ، وآن تعني السماء.. فهي سيدة السماء : وإينانا هي إلهة الحب والحرب في الحضارات القديمة ، إذ أنها جمعت بين صفتي الجمال والقوة فأكسبها ذلك العذرية الدائمة والقدرة على الخصب والنماء فهي رمز الحضارة وجوهرها ، وإينانا هو إسمها في الحضارة السومرية ورمزها نجمة تظهر مرتين في اليوم وتختفي ، إذا ظهرت صباحا فهي ربة الجمال وإذا ظهرت مساء فهي ربة الحرب والقوة...
في بابل الحديثة حينما إندثرت سومر تطورت فكرتها وتعمقت الأسطورة واتسعت الدلالة فهي عشتاروت ثم هي إفروديت الجميلة العذراء والبتول التي تحتفل من أجلها النساء الجميلات في موسم الفيضان ثم في موسم الحصاد ، وتبني الكاهنات من أجلها المعابد ومخادع الهوى والجنس ، بحثا عن الخصوبة الدائمة للإنسان الأرض والكون لأنها إلهة الخصب ولأنها معشوقة الإله الأكبر تموز الذي هو الشهر السابع الذي يجيء في وسط العام وفي موسم الفيضان.. وتقول الأسطورة أن عشتار وهي في الأرض أرادت أن تصعد إلى السماء وتنال الألوهة فأغرت تموز بجمالها وأغوته فنزل من عليائه وعاشرها وباح لها بسر الألوهة فصعت هي إلى السماء وسخط على تموز وألقي به في غياهب السجن في أسفل الأرض ومنذها وهو يناجي معشوقته مناجاة العاشق الواله اليائس..
هي موجودة في كل الحضارات الإنسانية تعبيرا عن جوهر فكرة الإنسان عاشق الجمال وعاشق القوة ، فهي فينوس الجميلة التي تقاتل من أجلها آلهة الأولمب الكبار في روما ، وهي إيزيس التي عشقها إيزوريس الإله الأكبر في مصر القديمة الجنوبية فأنجب منها ملكا وحد مصر وبنى أساس الدولة الفرعونية الموحدة والقوية، وبالطبع هي (الزهرة)المرأة التي أغوت الملكين ببابل هروت ومروت والتي قال عنها الرسول صلى الله عليه وسلم: من رآها فليلعنها...
وربما تكون هي كل إمرأة جميلة ترمز إلى خصوبة الإنسان وأرضيته وجماله وقدرته على النماء وتمنحه السكن والأمومة والتجدد الدائم ، فالإنسان هو شجرة الله في أرض الله يستمد من الأرض ةمن الكون كينونته الأرضية المادية بعناصرها الأربعة : الماء والنار والهواء والتراب ويستمد من السماء كينونته الروحانية فتتفرع في نفوسه السبع طباعه السبع وتثمر شجرته ثماره الإنسانية الجديدة أكثر جمالا وأشد قوة وأكثر قربا من الله...
إينانا .. النص ، مقطوعة سباعي النغمات في قراءتها الأ ولى ، وفي قراءتها الثانية فكرة تشرق في النفس كالقمر في ليلته الرابعة عشر ، تر مز إلى الإنسان كجوهرة الكون المكنونة في النفس وفي الأرض تناجي حقيقتها الغائبة والمستترة في السماء وتبحث عن لقاء يجمعهما ويمزجهما في كأس واحد في جسد واحد تولد من نشوته كينونة الإنسان الجديد أو الأوكتاف الذي يبدأ صعود السلم السباعي من جديد سماء فسماء حتى يصل إلى سدرة المنتهى فيلتقي هناك بربه ويصل إلى جنته جسد التفاح الجديد....................
سامي عثمان القريش 3 يوليو

الصورة

الإنسان الجديد محاولة للحاق بالركب الذي يسير باتجاه بناء نموذج جديد للدراسة والوعي بالإنسان ومجتمعه وقيمه ومنجزاته إنطلاقا من الإنسان نفسه بحث يكون الإنسان هو المعيار لدراسة الإنسان والمقصود بذلك مجموعة القواعد والضوابط المنهجية للمعرفة والعمل والسلوك التي تنبني على فلسة إنسانية مفادها أن الإنسان كائن متيز ومميز عن كل الكائنات الكونية الأخرى وهو وسط بين عالمين موجودين ومؤثرين في الإنسان ولا يمكن إنكار أحدهما وهما عالمي المادة والروح وبما أنه وسط بينهما فهو يجمع بين خصائصهما معا في وحدة واحدة وهي مايسمى بالإنسان وهي عبارة عن كينونة فريدة قائمة بذاتها ليست هي المادة وليست هي الروح ولكنها تستطيع أن تتعامل مع كليهما وتتفاعل معهما ويمثل الجسد الإنساني خشبة العرض أو الشرفة التي تطل منها هذه الكينونة على العالم وتظل الكينونة الإنسانية للأفراد والجماعات فرضية وإمكان يسعى التجربة الإنسانية كلها في جميع مستوياتها الفردية والجماعية لتحقيقها وهي تمثل الذات والدافع الحقيقي وراء كل فكر ووراء كل عمل إنساني وقد تقد التجربة في الأخطاء والتنكب بعيدا لأسباب كثيرة منها القصور المعرفي أو الحواجز النفسية والأيديلوجية وهي في غالبها ناتجة من سيادة النفس الحاضرة على التجربة وتراجع أو إختفاء الكينونة الإنسانية وراء حجاب الآنية والأنية الحاضرة

في سياق التطور المعرفي للعلوم الحديثة والبحث العلمي في إطار الحضارة الغربية تطورت القواعد المعيارية الأساسية والضوابط العلمية للعوم الإجتماعية خاصة فيما أطلق عليه مصطلح النماذج وهي عبارة عن معايير تتم قياسا عليها دراسة الموضوع وهو الإنسان غالبا في الدراسات الإجتماعية والأنثربلوجية وقد بدأت رحلة النموذج العلمي إنطلاقا من الآلة مرورا بالحيوان والنبات حتى وصلت إلى دراسة الإنسان قياسا على اللبيدو وهو الرغبة الجسدية ، لقد إستطاعت النماذج الغربية أن تنتج معارف وعلوم كان لها الأثر الإيجابي الكبير للمنفعة البشرية والتطور الإجتماعي ولكن ظل هذا التطور العلمي والمعرفي يسير كقطار جبار وبسرعة فائقة لخدمة المنفعة البشرية لنظام العلاقات والقيم الرأسمالية السائدة في الغرب مطورا كل شيء ومستفيدا منه حتى القيم الإنسانية تم وضعها داخل سياق المنفعة البشرية ولكن كان هذا القطار نفسه يسير من فوق الإنسان نفسه كقيمة علية وعليوية تعلو فوق كل القيم الحضارية الفرعية ومن أجل المنفعة البشرية تمت التضحية بالإنسان نفسه والسبب في ذلك أن التطور المعرفي قام إبتداء على نماذج دون إنسانية لدراسة وقياس الإنسان بمعني وضع الأشياء التي تقع في تراتبها دون الوجود الإنساني كمعايير لدراس الإنسان والوعي به وهو منطق معكوس بطبيعة الحال

الإنسان الجديد هو الضمير الحي المستتر ضمنا داخل تفاصيل وجودنا البشري الآني ، لكن هذا الوجود الآني المسمى بالشخصية الحاضرة هو الذي يطغى عليه فلا يحركنا لحظتها إلا وهم نعيشه بينما يكمن في دواخلنا إمكان الحقيقة وهو إمكان ينتظرنا أن نحققه فيكون واقعا جديدا نسميه الإنسان الجديد .
إنه تحد أمام كل واحد منا أن يتغير لا ليكون ذاته في صورة جديدة ولكن ليكون إنسانا حقيقيا وهو تحد لا يقوم أمام إراداتنا الفردية فحسب بل الجماعية أيضا من أجل تطبيق النموذج الإنساني الحقيقي على مستوى الفكر والعمل سواء أكان ماديا أو ثقافيا قانونا وإبداعا ومؤسسات إجتماعية وثقافية وسياسية .
داخل هذا السياق الجديد للإنسان لايتم إستبعاد أو نفي أيا من القيم والأفكار والمناهج الإنسانية التي أنتجتها التجربة ولكن يتم تقييمها بالمقاييس الإنسانية البحتة الموضوعية والأخلاقية معا ، ويتم إعادة صياغة المفاهيم بحيث تتم أنسنتها واكتشافها من جديد.

الأربعاء، 21 أبريل 2010

جدلية الذات والحلم والصمود

بسم الله الرحمن الرحيم
جدلية الذات والحلم والصمود


يا ايها الأنسان كن بحرا
ولا تبحر بقطرة ماء
ولك النوارس واخضرار البدر
ما انسربت بك الأشياء
( نص )
ياأيّهاألأنسان إنّك كادح كدحا
ولا تدري مسامك ما احتراق الفجر في حدق الأناشيد المطهمة
إنفجارك.. طوطميات من اللغة الهزيمة
واسحاب النار
تهجرك المزامير النواعس
وارتجاف الجرح يبدأ من هنا
والشارع المحموم ما اقتضت المساغبة الحرام تكلما
نهضت تحدث باكية
اذا ما البرق أبرق
والرعود الوعد فاجأت المدى ليلا
فلا هطلت مدامعها ولااجتزأت من الأفق الهوى
يا أيها الإنسان لا تخرج كما العنقاء من عمق اضطرابك
أنت مقصود لشمس البرد واللغة الفراغ
إمدد يديك
وعانق الجرح الموسد بين أوردة الأناشيد
استفق
ماكل مايأتيك مفتاح القصيدة
وابتداء اللحن من صرف الندى
ماذا إذا شاءت مدامعك احتفالا رائعا بالحب
تؤنسك العصافير التي مابين بينك والرسالة
أمعنت في الحسن
ما يأتيك من فرق ولا خوف
هناك فقط مدامعك/ الشذى
والله
ماذا لوبدأت الآن ترسل في المدى
ألقا من الفرح الدهوش
إذا لكافأك احتدامك بين موج البحر
والمدن السراب
وكنت أول من بدا
ياأيها الإنسان
من يخطو بخطوك فوق أسوار السراط المستقيم
هو الحضور المر والعدم الشفيف
ورونق الجرح السماوي السدى
ماذا تقول الأرض؟
وهي الآن تخرج في مدارك
والجراح المثخنات بأفقها انبهمت مساربها
وحق لها الخروج من المدار
الذل شاطئه تعرج واستدار تمددا في البر
والبحر القديم
وشرفة اللغة الحرام توضأت
واستقبلت حرما غريقا بين قاع البحر
والقار الرشيدي
إبتديء ياأيها الإنسان رحلتك الخرافة
وانثني
أو قل لبحرك :إلفظ الصدفات من قاع الرسالة
كلها هذه النوارس والسيوف الصفر
والدم
والصهيل
الآن ترحل في قوافلك / المدى
والمد يعبر شاطيء الحرم المقدس
للردى المحتوم يعلم أنه آت ولكن....
لارجوع الآن
بحرك والمدى أو..
أيها الإنسان خض عام الرمادة للنهاية
أو فكن من زمرة الشهداء
هذي ثورة مضرية كبرى
علام الآن مرتجفا تسابق كالطير الغر موسمك القديم
هنا مكانك
فاعتل عرش احتراقك
وانته في الأفق مسبحة وناقوسا
لميلاد الشرافة
هاهنا روح الحديقة تستجيب لبرتقالتك
التي لاعين تعرفها
ولاأذن ولاخطرت على قلب تحجر
هاهنا يعفر معطس من سقى صحراءه خمرا ونام
هناك حقيقة أخرى
– يكاد الله يخفيها -
سيغمر ذلك البحر المدى
والمد شط الذل والمعراج للبئر الدمار
إفتح سماءك للذي من دون (مئذنة الرصاص)
ودون رصاصة يأتي
وتخصب هذه الأرض الهوى
ياأيها الإنسان يومك
والحديقة
والندى
قمر تخضب واستدار الآن بدرا
أيها الإنسان إنك كادح كدحا له
ياأيها الإنسان
سامي القريش 1989

الجبهة الثقافية

رؤية حول مشروع الجبهة الثقافية
سامي عثمان القريش
مقدمة :
منذ أزمان طويلة والنهضة الوطنية الشاملة حلم يداعب أفئدة شعبنا، وقد ظل السودانيون طوال عقود يحلمون بسودان حر وموحد وديمقراطي ومتقدم إقتصاديا وإجتماعيا وثقافيا، تسود فيه قيم العدالة والتنمية وحرية الأنسان،ومساسا بنظام سياسي عادل يستجيب لكل تطلعات أبنائه معبرا في بنائه التنظيمي والإداري والثقافي والإعلامي عن كل ألوان طيفه الإجتماعية والثقافية والحضارية. وقد إرتبطت هذه الأحلام عند جماهير الشعب منذ بداية الحركة الوطنية وتأسيس الأحزاب السودانية بحلم التحرر الوطني من الإستعمار وتأسيس دولة سودانية مستقلة ذات سيادة كانت هي الوحيدة في عقيدة الشعب التي تجانس وتحقق حلم النهضة العزيز.
وعندما تأسست الأحزاب السودانية صهرت في بوتقتها شعارات النهضة الوطنية مع شعارات التحرر الوطني مما حدا بهذا الشعب المناضل الصبور أن يلقي إليها بعصا النضال الطويل ويحمّلها شعلة حملها في مراثونه الممتد عبر التاريخ. ولكن سرعان ما تحقق التحرر الوطني دون أن تتحقق النهضة الوطنية، ووجدت الأحزاب نفسها في قمة السلطة السودانية وفي خضم واقع غريب وطريق مبهمة وتركة مثقلة:شعب ألقى بعصا الترحال وجلس مترقبا، سلطة سودانية بغير مقومات السلطة الحديثة الاّ تلك الكراسي في شارع البرلمان، مؤسسات وطنية تبدأ أعمالها من الصفر وبغير كوادر مؤهلة الاّ فيما ندر ، تخلف عام وسيادة شاملة لمؤسسات التعليم القديم التي لاتعرف الاّ التلقين والتكرار والإستظهار غافلة عن أساليب التعليم الحديثة والتعليم الإنساني الديمقراطي، رؤية سياسية عاجزة توقفت عند حدود مرحلة الإستقلال والتحرر الوطني،إقتصاد زراعي ضعيف لايفي بمتطلبات الخدمات والرواتب ناهيك عن التنمية بل موجه إستعماريا.هذا الواقع جعل القوى السياسية عاجزة الاّ عن الإحتراب والإقتتال والسياسي والحزبي غافلة مكتسبات الشعب ومتطلباته، ولكنها غير غافلة عن مكتسباتها الحزبية في السلطة والبرلمان فذهبت لحمايتها لاجئة الى القوى الطائفية ناسية أو متناسية أن هذه القوى بالذات هي من صنع واقع التخلف وهي تمثله فهي الأحرص على بقائه في مواجهة أيّة قوى للنهضة قد تصعد في المستقبل، وبدلا من أن تتوحد هذه القوى المستنيرة في مواحهة قوى التخلف أخذت تتحالف معها ضد بعضها البعض فضاعت بذلك قضية النهضة في أقبية السياسة الضيقة، وظلت القوى السيلسية محافظة دائما على مكاسبها السياسية ومواقعا السيادية وعينها باستمرار على القوى الحليفة داخل الجيش كحارس أمين لسلطتها المؤبدة والمستردة، ومايستفيق الشعب من غفوته الاّ ومكاسبه منتهكة وأحلامه ممزقة إربا تحت جنازير الدبابات ،والاّ وهو بين يدي كذابين يمنّونه بالأوهام الكاذبة والنفاق المضل.
هذا الواقع المزري المزمن والمستمر جعل العزلة تسري رويدا رويدا تبني جدارها عاليا بين الشعب وبين قادته السياسيين والحزبيين ، وفقد الناس الثقة تماما في الأحزاب بصورتها القديمةوفي قدرتها في بناء النهضة، وتحولت الأحزاب الى أدوات للصراع السياسي لاتستطيع أن تقدم أي نجاح أو تقدّم الا في إطار حقلها الضيق الأفق والإهتمامات.
إن الأحزاب والقوى السياسية بصورتها الحاليةعاجزة تماما عن تحقيق أي نجاح في مشروع النهضة الوطنية الشاملة ، وهي غير وؤهلة لقيادةمثل هذا المشروع لوحدها وفي معزل عن قوى الشعب الحيّة الأخرى لأن هذه التنظيمات بصورة أساسية هي تنظيمات (سياسيةمحضة)بمعنى أن السياسة عندها تحولت إلى مهنة وغاية تقصد لذاتها لاوسيلة للتغيير أوالنهضة،وقد ساهمت التجربة السياسية السودانية بظروفها المعروفة في نشأتها وبنائها بصورة معزولة عن قواعد الشعب وقضاياه اليومية، فهي لم تنشأ نتيجة لحركة جماهيرية نهضوية بدأت من القاعدة وتصاعدت متطورة حتى تحولت الى قوة سياسية(بمعنى أن تكون لها جذور إجتماعية كما حدث في النهضة الأوروبية) بل لم تعبر بصورة فعلية في برامجها عن قضايا أو مطالب جماهيرية حقيقية، ولكنها نشأت إستجابة لأفكار أصحابها وانتشرت نتيجة لنضالاتهم ووعيهم الوطني وعبرت عن مجهودات صادقة ولكنها تكاد تكون فردية ومعزولة ، جسدت مدى هوة وعمق التخلف المستشري في أوصال جسد هذا الشعب ، لذلك ظلت أبنية مقامة فوق رؤوس الجماهير لم تستطع أن تنزل الى أرضها وتلتحم بقضاياها.وفي حدود حقلها السياسي الضيق المعزول إنبنت هذه القوى فكريا وتنظيميا وحركيا، وجسدت في بنائها الداخلى هذا الحقل بصورته الشاذة التي تضيع فيها الرؤى والأهداف وتنبهم الطرق وتصبح السياسة فيه صراعا في الظلام.
لقد تأسست القوى الداخلية لهذه الأحزاب والتنظيمات على أساس سياسي محض(كمهنة وتخصص فاشل أو كشلليات فاسدة)وغير نهضوي : تكتلات منفعلة بقضايا ومصالح شخصية أو طائفية أو أيديلوجيّة بعيدة كل البعد عن المفاهيم النهضوية:التخطيط والتنظيم والعلمية والديمقراطيّة والمؤسسية.. (وهي المفاهيم الوحيدة القادرة على إنجاز النهضة)، وانبنت على أساس تنظيمي مركزي لايكرس الاّ لتركيز السلطة في أيدي القيادة العليا مما يؤدي الى شخصنة القضايا والرؤى الفكرية المزاجيّة، وسيادة الهوى على الفكر السياسي.وبذلك لاتصلح هذ القوى لقيادة أية حركة نهضوية الاّ بشروط الأصلاح الفكري والتنظيمي والتحالف مع القوى الإجتماعية الحية الأخرى غير السياسية .
وفي المقابل أي الجانب الآخرمن جدار العزلة ، يقبع الشعب الصبور معانيا أسوأ أوضاع للتخلف تشهدها البشرية في كل جوانب الحياة ، ومن ويلات الحرب والتمزق التي جرتها عليه إجتهادات السياسيين وشهواتهم مترقبا الوحي الذي يمكن أن ينزل من السماء على أحد من هولاء السياسيين لينقذه والنتيجة دائما لهذا الوحي المزيد من التخلف والمزيد من الفقر والمعاناة والإحتراب والإغتراب، حتى بدأ اليأس يتسلل الى قلوب الناس وبدأ الشعب يفقد الثقة في نفسه وفي نهضته وفي مستقبله حتى وصل اليأس الى درجة مخاصمة الوطن وفقدان الرغبة في الإنتماء اليه كوطن يسع الجميع وبدلا من ذلك أستيقظت من منامها الهويات القديمة والنعرات الذميمة واتسعت دائرة الإحتراب والمخاصمة وبدأت نجمة الوطن في الأفول.
إن الأزمة الوطنية الشاملة التي تجلت في أجلى مظاهرها في هذا الحال تعود في جوهرها الى سببين:
1/القوى السياسية كافة يمينها أو يسارها لم تستطع منذ الإستقلال وحتى الآن أن تصل الى برنامج وطني للنهضة يستطيع أن يحلل بصورة علمية مشكلات الوطن ويصل الى حلول جذرية لها ، وأن يصل الى رؤية واضحة للنهضة السياسية والإقتصادية والثقافية تجمع بين عناصر العدالة الإجتماعية والكفاية والنظام السياسي الديمقراطي الراشد، برنامج يمكن أن تجتمع عليه قوى الوطن تتوحد عليه وتتطور تحت رايته، تتخلى عن قديمها البالي وتتجدد بالأساليب الديمقراطية والمناهج العلمية ، وتطور من نظمها الفكرية والإدارية ومن برامجها السياسية والثقافية. وهي لن تستطيع أن تصل الى مثل هذا البرنامج مادامت تعتقل نفسها داخل أقبيتها الضيقة ومالم تنفتح على إنسان الوطن الكبير وعلى القوى الحية الكامنة في داخله.
2/ سيطرة الوهم القائل أن مشروع النهضة مشروع سياسي لن تستطيع إنجازه الاّ الدولة أوالقوى السياسية في معزل عن المشاركة الواسعة لقوى المجتمع الحية والناهضة ، وهي القوى الوحيدة صاحبة الحق والمصلحة في النهضة ، هذه العزلة أثرت حتى على هذه القوى فأصبحت قوى خاملة منشغلة بقضاياها الجزئية واليومية غافلة عن دورها الوطني فأدى ذلك الى تراجع الروح الثورية والنهضوية وحلت محلها روح الإنهزامية والإنكفاء والعزلة فأثر ذلك على الرؤى والبرامج والأشكال التنظيمية والإدارية للمؤسسات والمنظمات المدنية والإتحادات والأندية والروابط الجماهيرية فأصبح الشعب بعيدا تماما عن المشاركة .
إن بناء برنامج وطني وثوري للنهضة سيعتمد على ثلاثة عناصر جوهرية وضرورية:
أ‌- الإصلاح السياسي والحزبي وبناء المؤسسات الوطنية على مستوى الدولة على أسس ديمقراطية جوهرية وعلمية.
ب‌- المشاركة الجماهيرية الواسعة من خلال تنظيمات المجتمع المدني المتنوعة بما يحقق بناء لمجتمع مدني مندفع بقوة نحو النهضة والتقدم الإقتصادي والسياسي والثقافي والتعليمي وعلى أسس العدالة والديمقراطية والشفافية.
ت‌- المقاومة العنيفة لكل أشكال التخلف العقلية والتنظيمية والسلوكية ، ومقاومة قوى التخلف الداعمة لمؤسساته وتحافظ على قيمه وقواه الجوهرية ،وذلك بإصلاح البنيات الإجتماعية القاعدية كبنيتي(التربية والتعليم)و(الإنتاج المعرفي والإقتصادي) وتصفيتها من هذه القوى .
مثل هذا البرنامج يقتضي وجود (قوى نهضوية) قائدة تتميز ببرامجها وقيمها الفكرية وتناضل بقوة ضد التخلف وقواه ومؤسساته على جبهتين :
1- الجبهة الثقافية:وهي التحالف الواسع بين قوى الشعب المدنية المختلفة والمتنوعة سياسيا واجتماعيا وثقافيا من أجل ترسيخ ونشر ثقافة النهضة والنضال على مستوى القواعد الجتماعية من خلال المساهمة الواسعة في بناء الإنسان الجديد فكريا وتنمويا واجتماعيا وتفجير قواه الحية والكامنة في الشعب وبناء مؤسساته ومنظماته وتجفيف منابع التخلف المتجذرة عميقا في الشعب.
2- الجبهة السياسية: وهي جبهة المقاومة السياسية للأشكال التنظيمية والقانونية والمؤسسية للتخلف والتي تبنيها وتحافظ عليها قواه السياسية ، وهذه الجبهة هي التحالف العريض للقوى الديمقراطية التي تعتبرالإنسان ونهضته قيمة جوهرية في فكرها.
هذه الورقة تحاول التعرض بشيء من التفصيل (للجبهة الثقافية) في أسسها الفكرية وبرامجها وقضاياها وصولا لصيغة عملية وتنظيمية يجب التعرض لها في ورقة أخرى، هذا بدون التعرض للجوانب السياسية التفصيلية المرتبطة بمشروع الجبهة الثقافية.
العناصر السياسية والإجتماعية للنهضة:
لقد خلقت إتفاقية السلام (نيفاشا) مناخا إيجابيا للسلام بين قوى الوطن ، وإن لم يتحقق هذا السلام بصورته الكاملة في دارفور،الاّ أن الإتفاقية صالحة لتكون أساسا لسلام الوطن بما تؤسسه لدولة ودستور ديمقراطيين.وبالرغم من أن هذا الإتفاق بني على أساس الشراكة بين الحركة الشعبية والمؤتمر الوطني-وهذه هي طبيعة إتفاقيات السلام التي تتم بين المتحاربين-الاّ أن البعض ظن أنه يمكن أن يبني عليها برنامجا وطنيا للنهضة والتنمية والشراكة الإجتماعية الإستراتيجية ،فانطلقت دعوات ومبادرات تحاول جمع شتات كل البيض والأحجار في سلة واحدة لالتبني برنامجا سياسيا معينا ولكن لبناء مشروع النهضة تدفعها النوايا الحسنة أحيانا والسيئة أحيانا أخرى مثل مبادرة البرنامج الوطني (الشريف) والمؤتمر الجامع (الصادق)- في أبعاده الإجتماعية والفكرية-ومبادرة جمع الصف الوطني(سوار الدهب)...الخ.وكلها كتب لها أن تبوء بالفشل الذريع لأنها لاتتأسس على رؤية معرفية وإجتماعية واضحة وموحدة وإيجابيةلقضية الوطن بل تدفعها الأماني ويكذبها الواقع.فالسلام يعني فض النزاع بين المتحاربين ويمكن أن يخلق مناخا للإستماع للآخر والعيش المشترك، ولكنه غير كاف لإقناع الناس بترك أيديلوجياتهم القبيحة وسلوكهم الشاذ، والآليات الديمقراطية كما هي صالحة لإنجاز النهضة أيضا صالحة لهدمها ، والذين جاءوا عبر الدبابات يمكن بذات العقلية أن يزوروا الإنتخابات.
إن مشروع النهضة كمشروع يستهدف حرية إنسان السودان وكرامته ورفعته الإقتصادية والإجتماعية لايمكن بحال من الأحوال أن يتجانس أو يتحالف مع أيديلوجيا تضطهد الإنسان تأسيسا على مبدأمن مباديء العبودية الإجتماعية التي تتأسس عليها الثقافة السلفية التي تنظر للناس باعتبارهم رصيدا(للاخرة)وحسب أما مكتسبات الدنيافهي (شأن رباني يفيض به على حملة دعوته ورسالته لتمكينهم في الأرض). وايضا لايمكن أن يتجانس أو يتحالف مع نظام أجتماعي عبودي كالذي تتأسس عليه الطائفية التقليدية التي تسود إنسانا على الآخرسيادة مطلقة وتقسم الدنيا على هذا الأساس ،كما لايمكنه أن يتحالف مع نظام حزبي يضطهد الإنسان ويجعله آلة تنفيذية يسمع ويطيع وينفذ أهواء القيادة العليا . إن هذا الأساس السياسي المتناقض لايصلح أن ينبني عليه مشروع النهضة لأنه يجمع بين المتناقضين، والنهضة لابد أن تبنى على موقف جوهري وقاطع وعل أسس فكرية واجتماعية خصوصا على صعيد حرية الأنسان لأن قضية النهضة ليست سياسية مجردة ولكنها في الأساس قضية إجتماعية وفكرية عميقة تنهض لحل مشكلة التخلف كمشكلة رئيسية وعلّية في كل مشكلات الوطن، والتخلف هو تخلف الإنسان أي بشكل مباشر هو (عجزه عن تحقيق حريته وإنسانيته بمختلف أشكالها) إذا هي قضية تضع فاصلا جوهريا أو منهجا للفصل بين أنواع مختلفة من القوى إنطلاقا من (الإنسان) وحريته كإنسان وحسب وبالتالي لايمكن خلق تحالف استراتيجي للنهضة بين قوى تضطهد الإنسان وأخرى تسعي لحريته . والتحالف الصحيح لذلك هو تحالف القوى التي تناضل بقوة من أجل حرية الإنسان وتضع الديمقراطية كقيمة جوهرية في فكرها ونظمها الثقافية والتنظيمية والقانونية ..وهي ليست بالضرورة قوى سياسية ولكنها إجتماعية وثقافية أيضا ..لماذا؟
إن عالم اليوم يشهد تناقضا واضحا بين النزعات التجديدية ذات السمات الإنسانية الكونية ، بين النزعات القديمة والمحافظة التي تنطلق من منطلقات أخرى غير إنسانية (عرقية أو شعوبية أو أيديلوجية) ، وفي ذات الوقت يشهد تناقضا اقتصاديا متزامنا مع التناقض السابق بين حركة التقارب الإقتصادي العالمي(العولمة) وبين اتجاهات وأنظمة الهيمنة المسنودة بالقوة العسكريةوالتي تسعي لخلق مراكز كونية جبارة متمركزة حول مايمكن تسميته بالإقتصاد الراسمالي المؤدلج. هذه التناقضات خلقت شكلا من أشكال الإستقطاب العالمي بصورة جديدة وحادة بين (مراكز) تتضامن وتتقارب على الهيمنة الإقتصادية والتفوق الشعوبي وتهميش الأطراف ، وبين (أطراف) تسعى للتضامن الإنساني والتقارب العالمي من أجل خلق عالم إنساني جديد وموحد ، وهي في هذا السعي تجد نفسها في تحد وصراع لإنتزاع قدراتها الإقتصادية اللازمة لبناء العالم الجديد من براثن قوى الهيمنة العالمية ولإيجاد طريق لبناء الأسس الجديدة لنظام عالمي ديمقراطي عادل ومتساوي.
هذا التناقض والإستقطاب الحاد الذي أفرزته وماتزال تفعل عوامل كثيرة : إقتصادية: كطبيعة النظام الإقتصادي الرأسمالي المتمثل حاليا في تركيز الأموال المتعددة الجنسيات والسيطرة على حركة الإقتصاد العالمي،وثقافية: تتمثل في المحاولات المستمرة لخلق حالة التبعية وتهميش الثقافات العالمية من خلال ترسيخ مفهوم التفوق الثقافي الى جانب خلق الحروبات المقصود بها صناعةالإستقطاب الثقافي بين شر مصنوع وخير متوهم،وعلماجتماعي: المتمثل في الإنفجارات العلمية والثقافية ذات الأثر الإجتماعي العميق خصوصا في مجالات تقنية المعلومات والإتصالات والتي حطمت نهائيا الحواجز بين الإنسان والآخرمن جانب وسهلت من حركة الإقتصاد من جانب آخر.هذا الإستقطاب يعمل في إتجاهين:
- في إتجاه المراكز(الإقتصاثقافية)ذات الطبيعة الإمبراطورية العالمية لتركيز القوةوتوحيدها من خلال التنافس/ التفاوض المستمر وحركات اللوبي الضاغطة لتلافي الصراع بين المراكز.ومن خلال خلق العلاقات الإقتصادية ذات التاكتيكات السياسية مع القوىالمركزية في الأطراف مالكة السلطة والثروة والتى تلتقي مصالحها الدائمة مع قوى الهيمنة.
- وأيضايعمل في إتجاه الأطراف التي تمثلها(القواعد)المطلقة للإقتصاد والثقافة الإنسانية، وفي هذا الإتجاه يعمل على توحيد القوى ذات الطبيعة الإنسانية المناهضة للهيمنة من خلال فرز إجتماعي عميق داخل الشعوب تتحدد من خلالها رؤى فكرية واتجاهات إجتماعية وحركية جديدة حسمت نهائيا موقفها من قضية الصراع الإنساني وقطعت بشكل نهائي مع الأشكال الأيديلوجية القديمة التي تفصل بين الإنسان الآخر بأي فاصل كان (سوى العمل الإيجابي الخيّر لمصلحة الإنسان بما هو إنسان بالطبع )، وأصبحت العدالة الإجتماعية والديمقراطية لكل البشرشعارها الأساسي وحددت بذلك صراعها واتجاهاتها الأستراتيجية كقوى مناضلة جذريا من أجل حرية الإنسان ورفعته الكونية ومن أجل حل مشكلة تخلف الشعوب وفك قيود إستعبادها وجهلها .
وبذلك يتم تحديد معالم هذه الحركة الإنسانية العالمية كحركة واحدة تعمل في ثلاثة إتجاهات:
- إتجاه سياسي بالعمل على تحرير الإنسان أينما كان وكيفما كان من قيود القوى اللا إنسانية المطبقة عليه قهرا واستعبادا وهيمنة.
- إتجاه إجتماعي إقتصادي وذلك من خلال بناء الجسور والشراكة بين الشعوب والتضامن الإنساني من أجل بناء النهضة والقدرات البشرية القادرة على الفكاك من قبضة الهيمنة.
- إتجاه ثقافي ويعمل على نشر الوعي العالمي بالإنسان ككائن مميز وحر، ونشر ثقافة الحرية والعدالة الإنسانية والسلام العالمي ووحدة الثقافة والإجتماع البشري.
وبالتالي، فإن القوى التي تمثل هذه الحركة الإنسانية قوى متعددة تتضامن مع بعضها وتتفاعل وتعمل من خلال علاقات إجتماعية وتنظيمية تجسد في ذاتها الأهداف والغايات الكبرى ، فتبدوفيها ثلاث سمات جوهرية : الديمقراطية واللامركزية التنظيمية- والتخصصية- والتكامل، فهي تحدد عدوها بدقة وتتحالف (كل في مجاله) لصرعه ، وهذا العدو هو كل ما يهدد الإنسان في إنسانيته وجودا وكرامةورفعة وحرية فهو إما عدو داخلي وهو التخلف أو خارجي وهو القوى النقيضة المتعددة المنطلقات والمستويات والأهداف وتعمل جميعا على بقاء الإنسان في تخلفه الأبدي.
العناصر الثقافية
الثقافة مفهوم متسع الدلالات الى درجة أن الفكر الإنساني وخصوصا في عالمنا الثالث لم يستطع أن يضع له تعريفا محددا جامعا مانعا متفقا حوله يبين ماهية الثقافة وموقعها كنشاط إنساني ودورها الإجتماعي ويحدد العناصر المكونةله وعلاقاتها الداخلية والخارجية، ولكن إنطلاقا من المنطق الإنساني البسيط فإن الثقافة نشاط يتعلق بالإنسان وحده من دون الكائنات الأخرى، ويمكن أن نقول بالتحديد أنها (أسلوب) الإنسان في التعامل مع العالم من حوله ،والإنسان في تعامله مع العالم(طبيعيا)أو(بشريا)أو(ثقافيا) يعمل بأسلوب الأخذ والعطاء فهو (يكتسب)من العالم و(يضيف)اليه، فإكتسابه من العالم(إذا تمت عملية الأخذ والعطاء بصورة صحيحة وإيجابية) (ثقافة) لأن العالم يعمل إيجابيا على تنمية الإنسان من خلال تهذيبه مدنيا وصقل مواهبه وقدراته العامة، وبالتالي يعمل بإستمرار علي تحويله الى إنسان جديد ومتجدد بل مترقيا اكثر في مستويات التطور والرقي المدني والخلاق، فالإنسان يكتسب من العالم :(لمعرفة) بالعالم ذاته من خلال وسائل متعددة : الإحتكاك بالعالم عن طريق التجربة والممارسة والخبرة المباشرة- إكتساب المعرفة عن طريق التعلم والتربية والتبادل- إكتساب المعرفة عن طريق التفكير الحر والتأمل الذاتي والإستبطان الداخلي..هذه المعرفة تتشكل عندالإنسان في شكل (تصوّر)للعالم-قد ينطبق أو لا-مع الواقع الخارجي ولكنه يظل تصورا خاصا ويبدو في إتجاهين: (رؤية)للعالم و(رؤيا)له:
- الرؤية تصور لما هو كائن وتلعب الذاكرة والمنطق العلمي هنا الدور الأساسي.
- الرؤيا تصوّر لما يجب أن يكون وهنا الخيال والرغبة في الأفضل(له) هما الذان يلعبان الدور الأساسي.
هذه التصوّرات هي التي تدفع الإنسان للعمل في الواقع من أجل تغييره حلا لمشكلاته وإبداعا للعالم الجديد (كما يتصوره).إن (العمل) المادي يمثل البنية القاعدية لمفهوم الثقافة في جانبه الثاني وهو(الإضافة)لأن أي عمل إنساني ينبني على عنصرين جوهريين: عنصر مادي وعنصر ثقافي،العناصر المادية للعمل لاتمثل أية إضافة حقيقية للعالم لأن الإنسان مهما عمل لن يضيف للعالم (ذرة) واحدة جديدة،أما الإضافة الحقيقية فهي في العنصر الثقافي للعمل (إعادة تشكيل العناصر المادية وفق التصورات الخاصة)لأنه إنعكاس لهذه التصورات للعالم والتي تعبر بالضرورة عن ذات الإنسان ووعيه ولأنه يخلق تميّزالعمل وخصوصيته.
قدمنا بهذه المقدمة لأن الحديث عن النهضة الثقافية يقتضي الأنطلاق من مفاهيم واضحة وتصوّرات محددة لما نريد، فالنهضة الثقافية تمثل حجر الزاوية في مشروع النهضة الشاملة وتشكل التحدي الأساسي فالتنمية الأقتصادية يمكن بناؤها إنطلاقا من أية منطلقات أيديلوجية أو سياسية مختلفة، ولكن هذه المنطلقات لاتستطيع تحقيق نهضة حقيقية للإنسان الاّ بشرط الحرية، وحرية الأنسان تعني(مشاركته) في النهضة مشاركة حقيقية فكرا وتصميما وصياغة وتخطيطا وتنفيذا مما يقتضي فتح النوافذ على مصراعيها لتيارات المعرفة المختلفة وتنمية وسائلها ووسائل نقلها وتلقيها كالنشر وتمليك المعرفة وتطوير وسائل نقل المعلومات الحديثة بصورة تهدف مباشرة لتنمية المعرفة لدى الإنسان.كما تقتضي إتاحة حرية التعبير وتمكين الإنسان من الإبداع إقتصاديا كان أم ثقافيا أم فنيا..إذاً النهضة الثقافيةمقدمة ضرورية للنهضة الشاملة لأنها تخاطب الإنسان بالذات في إرادته الحرة ومعرفته بالعالم وإبداعه الحر المعبر عن ذاته، وبالتالي تعمل على إنتاج وبناء الإنسان الجديد والقائد المصمم والمنفذ للنهضة الإقتصادية والسياسية والباني للحضارة الجديدة.
إن الشرط الأساسي للنهضة-كما قدمنا – هو الحرية، وحرية الإنسان في حقيقته ليست مجرد حرية سياسية أو إجتماعية بل هي أعمق من ذلك فالحريةلا تتجزأ إنها كل واحد متكامل أساسها حرية الإرادة الذاتية، الشعور بإستقلالية الذات في الوجود الكوني والشعور بالكينونة الخاصة ووزنها الوجودي والشعور بالمساواة الإنسانية فكل البشر سواسية،وهذا الشعور لايكتسب الاّ بالمعرفة الأعمق معرفة الإنسان بذاته وخصوصيته.إن أشد آفة تنتهك حرية الإنسان وتعيق حريته هي الجهل بالذات والخطأ في تقديرهاوهذا يجعل الإنسان إمامحتقرا لذاته مشيئا لها يتعامل مع الآخرين بدونية وعقلية العبيد مكرسا لتخلفه، أومغاليا في تقديرها جاعلا لهافوق رؤس الناس محتقرا إياهم،ومن جانب آخرفإن من أشد الآفات التي تنتهك هذه الحرية مفهوم (السلطة) أي سلطة ألإنسان على الآخر بمختلف أشكالها ومستويات قهرها والتي ميزت تاريخ الإنسان منذ نزوله على الأرض والى يومنا هذا ، وأشد أنواع هذه السلطة على الإنسان خصوصا في عالم اليوم هي السلطة الفكرية أو الثقافية والتي تستطيع أن تتوسل بكل أشكال السلطة الأخرى سياسية أو إجتماعية لفرض ذاتها على الوجود لإنها لاتستطيع أن ترى في الوجود الاّ ذاتها وحسب، فهي سلطة عمياء يسيطر عليها وهم الحق المطلق وتلك هي ماتسمى بالأيديلوجيا الزائفة أو الوعي الزائف بالعالم الذي لايرى في العالم الاّ أحاديته المطلقة والمتوهمة،لأن تعدد البشر يعني تعدد الذوات وبالتالي تعدد العالم المتجلي في الرؤى المتعددة له،والمساواة بين البشرتعني أن جميع هذه الرؤى صحيحة وإن (قد تنطبق أو لا)مع واقع العالم فهي صحيحة من حيث أنها تعبر بصورة صحيحة عن ذوات أصحابها .إن العلاقة الصحيحة بين الإنسان الآخر يجب الاّتنبني إبتداء على أساس السلطة فالبشر متساوون ولاسلطةلأحد على الآخر ولكن المفهوم الصحيح للسلطة يقوم على أساس وجود (مؤسسة) بين الطرفين هي التي لها السلطة على الطرفين والسلطة التي تحفظ حرية كلا الطرفين هي السلطة الديمقراطية وسميت مؤسسةباعتبار أنها تحقق علاقة مؤسسة على أسس سليمة وقانونية و(موضوعية) باعتبار أنها لاتعبر بالضرورة عن ذات أحد الطرفين فالسلطة أو المؤسسة الإجتماعية عمل إنسان يشترك فيه بالتساوي جميع أعضاء المؤسسة ، فهي بالتالي تعبر عن الذات الكلية او الجمعية للجماعة ولا تعبر عن ذات أحدهم. إن المؤسسة تقوم على أسس موضوعية بمعنى أنها تنبني على قواعد وقوانين علمية لا على رؤى وتصورات أحد أفراد الجماعة أو طرف من أطرافها ولكن هذه القواعد تعبر عن وجود(عقد أجتماعي) يتخلى فيه الأفراد أو أطراف ألجماعة عن ذواتهم الخاصة أو جوانب منها لمصلحةالذات الكلية للجماعة والتي هي وجود موضوعي بالضرورة وهذا هو المفهوم العميق (للعلمانية) فهي لاتعني تناقضا مع الذوات الخاصةلأفراد الجماعة أو تصوّراتهم ولكنها تفصل بشكل موضوعي وعلمي بين الذات الخاصة والمؤسسة فالذين يتولون السلطة التنفيذية في المجتمع بتفويض منه يجب عليهم أن يفصلوا بين (الحق العام) و(الحق الخاص) بمعنى الفصل بين تصوراتهم الخاصة ومقتضيات المسؤلية المؤسسية.
إن النهضةالثقافية لايمكن أن تنبني بأي حال من الأحوال على رؤية أحادية للعالم لاّنها بذلك تكون معبرة عن مبتدريها فقط ومفروضة على الآخرين. إن العالم واحد ولكن البشر متعددون وبالتالي الرؤى والثقافات متعددة ،وجوهر النهضة هو إبراز هذا التعدد والثراء العظيم للإنسان والعالم، ومن أجل ذلك فإن حركة النهضة هي صراع مستميت ضد سلطة الأيديلوجيا والثقافة الأحادية. إن مفهوم الديمقراطية الثقافية أو ديمقراطية الثقافة يعد مفهوما جوهريا في حركة النهضة خصوصا في بلد كبلدنا تتعدد فيه الثقافات بشكل كبير لكن تتسيد بل تتسلط فيه ثقافة واحدة في سلطتها أحادية في رؤيتها وتتوسل لذلك بالسلطتين السياسية والإجتماعية، إن ديمقراطية الثقافة تعني (حيادية) السلطة السياسية تجاه الثقافات ، وبالتالي نزع عنصر (التسلط) من الثقافة وإلغاء مركزية الثقافة الواحدة وإتاحة الفرصة للثقافات المتعددة للتتفاعل وتتحاور بحرية وتنتشر وتسود وفق معايير الصحة والإقناع والعمق والديمقراطية بدون الإنحياز لثقافة معينة على حساب الأخريات.
إن الدور الإيجابي والنهضوي الذي يمكن أن تقوم به الدولة والسلطة السياسية تجاه الثقافة عامة هو أن تجسد بصورة حاسمة مفهوم الحرية الإنسانية بشقيها الذاتي والإجتماعي من خلال تطبيق المعايير الجوهرية والعميقة لحريتي المعرفة والتعبير وتحويلها الى مؤسسات راسخة يحتكم ويلجأ اليها الناس،إن دور الدولة هو (خدمة) التفاعل الحر للثقافات وفتح مساربه وتطويره من خلال تصحيح المؤسسات الثقافية وتطوير معاييرها . ويمكن تقسيم هذه المؤسسات الى قسمين:
- مؤسسات تعمل على أساس (حرية المعرفة) وتخدم الجانب المعرفي في المجتمع كالمؤسسات العلمية والتعليمية والتثقيفية، فهي علمية من حيث أنها تنتهج البحث العلمي الذي يعمل على تنمية وإنتاج المعارف والعلوم وبالتالي يسهم في تنمية الوعي العام بقضايا المجتمع والنهضة، وهي تعليمية /تعلّمية تنتهج (ديمقراطية التعليم والتعلّم) لتعمل بشكل مباشر في بناء الإنسان الجديد وإتاحة الإسهام العام في النهضة.
- مؤسسات تعمل على أساس (حرية التعبير) مثل مؤسسات النشر الثقافي بمختلف أوجهها ومؤسسات الإنتاج الفني والمؤسسات الصحفية والإعلامية وهي الكفيلةبالأعلان والتعبير عن الوعي الإجتماعي العام وعن الذات الفردية والجمعية داخل المجتمع.
غير إن واقع الحال يقتضي الإسهام المباشر والفعال من كل قطاعات المجتمع ومؤسساته الفكرية والثقافية وقواه النهضوية في حركة التغيير والضغط الجماهيري والمؤسساتي على الدولة لكفكفة قواها وتحقيق تراجعها لمصلحة الحرية والنهضة.إن الطريق الفعال نحو النجاح وتحقيق هذه الأهداف هو الآتي:
- وحدة القوى النهضوية (سياسية وثقافية) وتضامها.
- التخطيط العلمي.
- المقاومة الفعالة.
إن مشروع الجبهة الثقافية والإجتماعية يفترض أنها الأداة السليمة لمقاومة السلطة وقوى التخلف في الحقل المعرفي والثقافي وهي أيضا أداة تحقيق النهضة الثقافية. وهي عبارة عن تحالف ثقافي إجتماعي تشترك فيه كل قوى المجتمع السياسية ومنظماته المدنية ومؤسساته العلمية وقواه القاعدية والفئوية يهدف بشكل مباشر الى دحر التخلف بكل صوره وتجلياته السياسية والإجتماعية والثقافية والفكرية والدينية ودحر قواه المحافظة عليه والعاملة على ترسيخه سواء كانت في السلطة أو في المجتمع. كما يهدف الى بناء النهضة الفكرية والعلمية والثقافية كمقدمة ضرورية للنهضة الوطنية الشاملة.
قضايا وأهداف الجبهة الثقافية والإجتماعية
· محاور للبحث والحوار الفكري:
1- محور السلام والوحدة الوطنية:
إن حركة النهضة يجب أن تنبني على رؤية واحدة و مشتركة لقضية الحرب السلام والوحدة الوطنية لأن النهضة تترتب على هذه القضايا ، وفي وجود الحرب وتفكك الوطن لامعنى للنهضة ثقافية كانت ام إقتصادية أم سياسية ، والسلام المقصود ليس فقط بمعانيه السياسية ولكن بمعناه الإجتماعي الأشمل لأنه الأساس لسلام الوطن ووحدته . فما هو السلام وكيف يتحقق؟
السلام في أعمق معانيه هو قبول (الآخر) ومعانقته والتوحد معه على علاته ،ولايعني ذلك تنميطه أي إجباره على أن يكون نسخة من (الأنا) ذلك جذر الشقاق والحرب ، ولكن الإختلاف هو الضمان الوحيد للسلام ،لأنه يحافظ على حرية الذات (ذات الاخر) ويضمن ثقتها . ولكن هل تستطيع (النفس الإنسانية)أن تقبل السلام مع الآخر المخالف؟ الطريق الوحيد الى ذلك هو (سلام النفس) أو ما يمكن أن نسميها بالحرب الأخرى . سلام النفس هو تواضعها واعترافها بالنقص والأحتياج للآخر المكمل وهذا يقتضي الحرب (ضد) النفس او الأنا االسفلى التي تظن أنها مركز العالم وانها الكمال المطلق ، وأن لها السيادة المطلقة على الكون والآخر .إن سلام الوطن ووحدته لايمكن أن يتحقق الا ّ في وجود هذه الحرب الأخرى لهزيمة التسلط والشوفينية في ذواتنا على المستوىالشخصي أو الفكري اوالموضوعي (المؤسسي والتنظيمي).
وفي داخل هذا المحور تنتصب قضايا مهمة جديرة بالبحث والحوار ونشر الوعي حولها :
أولى هذه القضايا :قضية الهوية الوطنية
الهوية هي معرفة الذات الأنتماء لها والتعبير عنها والدفاع عنها ، إجابة عن السؤال الأساسي :من أنا ؟ من هو ؟.إن العقل القديم للبشرية لم يكن يستطيع أن يدرك للإنسان الاّ هوية واحدة هي تلك الظاهرة التي يتبناها ويتعامل بها مع الآخرين وبالتالي لم يستطع الإنسان أن يدرك ذاته الاّفي حدود ضيقة جدا هي التي يرسمها له وعيه الحاضر فيظلم نفسه ويظلم الآخرين، وربما كان السبب في ذلك الحياة الإنسانية البسيطة والعقل التجسيمي التبسيطي الذي تعاملت به البشرية . أما في عصورنا الحديثة وفي الحياة الإجتماعية المعقدة، فإن العقل الإنساني يستطيع إدراك الهويات المتعددة للأنا :فمن أنا ؟ هو يستطيع أن يصفها بصفات مختلفة وكثيرة ومتنوعة من حيث العرق أو الدين أو الثقافة أو العمل ...الخ ولكن السؤال الأساسي في هذا العصر :بأي هذه الهويات يتعامل مع الآخرين وكيف يتعامل ؟ ماهي الهوية الأساسية وماهي علاقتها بالأخريات ؟
إن هذه القضية مهمة لإرتباطها بالسلطة الإجتماعية والسياسية وتأثيرها في قضية الحرب والسلام في الوطن.
وأيضامن القضايا التي تندرج تحت هذا المحور : قضيةالأيديلوجيا والأثر الثقافي والسياسي للفكر الإنساني .
إن الفكر تعبير عن الذات الإنسانية ورؤية العالم نتاج للفكر الذي يعمل في العالم ،فمتى يمكن ان نسمي رؤية العالم (أيديلوجيا)؟ وماهي الجذور لما يمكن ان نسميه الصراع الأيديلوجي وأثر هذا الصراع في الواقع السياسي وفي قضية الحرب والسلام؟
الأيديلوجيا هي رؤ ية العالم حينما تتحول الى (فكر منظم) بقصد تحويله الى فعل عملي لتغيير الواقع ،وفي الواقع فإن عملية التغيير المستندة الى فكر مسبق ومنظم عملية شرعية وعلمية ولاغبار عليها بل ان أي فعل لايستند على فكر هو فعل عشوائي وغير ناجح إن التخطيط العلمي الذي هو من أسس عالمنا المعاصر هو عبارة عن فكر منظم يقوم على مراحل : بحث علمي – بناء أهداف – خطط عملية – تنفيذ ، بل أكثر من ذلك فإن وجود (رؤية للعالم) سابقة للتخطيط ضرورة لخلق الإضافة والتميز . إذاً المشكلة ليست في طبيعة اليديلوجيا كفكر منظم وسابق للعمل ، فإين المشكلة ؟ المشكلة تكمن في إتجاه هذه الرؤية وأهدافها ومضامينها الداخلية ، فرؤية العالم كما ذكرنا تعبر عن الذات الإنسانية عندما ترى العالم وترى نفسها فيه .والذات الإنسانية في هذا المقام على ثلاثة أحوال:
- إما أن ترى نفسها مركزا للعالم وكعبة له يدور من حولها ،فإنها بذلك تخلق رؤية أحادية للعالم لأنها ترى العالم من ذاتها وبالتالي تخلق أيديلوجيا متسلطة لاتعترف بالحقائق العلمية .
- وإما أن ترى نفسها جزءا صغيرا من العالم ولها فلك تدور فيه بإنتظام متجانس مع بقية الفلاك في نظام كوني واحد واكبر ، هذه تستطيع أن تخلق رؤية للعالم متعددة ومتجانسة ومتحدة وبالتالي تخلق ايديلوجيا علمية تعترف بالحقائق العلمية.
- وإما أن ترىنفسها جزءا من عالم مبعثر لاينتظم في أفلاك وليس له نظام كوني واحد فهذه لاتستطيع أن ترى العالم ككل ولاتعترف الاّ بالحقائق العلمية الجزئية ، ولاترى العالم خارج الظاهرة المدروسة ، فلاتستطيع بالتالي أن تخلق أيديلوجا ما أو تخطيط علمي سليم (الفكر البراجماتي- الفكر الفوضوي).
إن أخطر هذه النواع على السلم الإجتماعي خصوصا اذا تحولت الى ايديلوجيا سياسية تمتلك السلطة المالدية والإجتماعية هي الرؤية الأولى لأنها لن تعترف بالاخرين وافكارهم ورؤاهم فستحاول تنميط الناس جميعا على طبق ذاتها ونموذجها هي فتجعلهم نسخة منها . تليها في الخطورة الرؤية الثالثة التي لن تستطيع أن تخلق فكرا إجتماعيا شاملا معتمدة على حقائق البحث العلمي الجزئية التي تخدم قضايا ومصاح جزئية ولاتفي بكل ما هو مطلوب إجتماعيا فتنقلب رؤية مزاجية عند أفراد القيادة فتتحول الى ديكتاتورية فردية . أما أقرب هذه الرؤى للسلم الإجتماعي هي الرؤية الثانية لوجود خاصيتين :
1/ قدرتها على صنع الأهداف الإجتماعية الشاملة.
2/ إعترافها بالتعدد وبالتالي إعترافها بالآخرين من ناحية ونتائج البحث العلمي من ناحية أخرى.
فهذه الرؤية بهذه الخصائص تستطيع بناء النظام إجتماعي متعدد ومتجانس في وحدة وطنية شاملة وهو ما نسميه بالنظام الديقراطي .
القضية الثالثة والمهمة تحت هذا المحور هي قضية النظالم السياسي والإجتماعي (النظام العام)
النظام السياسي والإجتماعي تعبير عن الذات الكلية الجماعية للمجتمع، فهو ملك للمجتمع ككل ولايحق لأي فرد أو طرف من اطراف المجتمع ( جماعة او مؤسسة أو حزب) إحتكار النظام العام أو توظيفه لخدمة أغراض أو رؤية خاصة. والنظام بهذه الصفة خرج من دائرة الذاتية الى دائرة الموضوعية ، بمعنى أن الأسس والقوانين التي تحكم النظام العام يجب أن الاّ تكون مبنية على أساس من رؤية فكرية ذاتية ولكن على أسس موضوعية بمعنى أن يكون النظام العام مؤسسة قائمة بذاتها لها شخصيتها الإعتبارية غير متوقفة على اي طرف من اطراف الجماعة وتتطور وفق التطور الكلي التاريخي للجماعة (الفردي والجماعي) . فما هي هذه الأسس؟
المجتمع يعبر عن ذاته تلقائيا عبر مرحلتين :
1/ الرؤية العامة للعالم، وتمثل جماع المعرفة الفكر والتعبير الثقافي الذي يدور حول وجود الجماعة وهويتها ووحدتها وإنتمائها للعالم وحاجتها للتطور وموقفهها منه وطريقتها وأسلوبها في حل مشكلاتها وتطورها، وتبرز من خلال نشاط أفرادها المعرفي والفكري والثقافي ، وتتبلور كرؤية جماعية عامة من خلال سيادة قيم وأفكار واتجاهات ذات قدرة عامة على التعبير عن ذوات أكبر قدر من أفراد الجماعة مما يدفعهم لتبنيها والإرتباط العقلي والوجداني بها فتصبح رؤيتهم الخاصة مع كونها رؤية عامة بذلك تمكنهم من الشعور بالإنتماء للجماعة.
2/ النظام العام ، وهو الخطوات التنسيقية والتدابير الضرورية لتنظيم أعمال أفراد وأطراف الجماعة وعلاقاتهم التي تهدف الى تسيير شئونهم وحل مشكلاتهم بحيث تتجانس هذه العلاقات والأعمال في كل واحد متجانس يمكن أن نسميه عمل اجماعة كلها لتدبير شئونها . إن البناء الكلي للجماعة يقوم على أسس هرمية تنقسم الى مراحل متدرجةمن القاعدة الى القمة(بحسب الحاجة)وشمولها من الخاص الى العام ومن الجزئي الى الكلي ، وفي كل المستويات تتجسد الحاجة والتدابير الخاصة بها في شكل نظام إجتماعي جزئي بدءا من نظام الأفراد لتدبير شئونهم وتنظيم أعمالهم الخاصة مرورا بالمؤسسات الإجتماعية الخاصة والقاعدية (الأسرة، المدرسة ..الخ)الى المؤسسات الإجتماعية العامة الى الدولة والتي تجسد ما يسمى بالنظام السياسي العام والكلي للجماعة . وفي هذا الخصوص فإن هناك مسائل تتداخل مع النظام كوعاء مؤسسي لحل المشكلات وتدبير الحاجة مثل علاقات الأطراف مع بعضهم داخل المؤسسة وخارجها ، وتولي المسؤلية العامة، وتصريف السياسة ، وكيفية الفصل بين الذاتي والموضوعي أو بين الحق العام والخاص ،و ماهية الدولة الديمقراطية ،وتعريف العلمانية فيما يخص العلاقة بين رؤية العالم والنظام السياسي ، كل هذه المسائل في حاجة الى المزيد من الإضاءة الفكرية وفق مفاهيم ونظريات علم الإجتماع السياسي الحديث. قصدنا في هذه الورقة بناء رؤية أولية ووجهة نظر تقوم على رؤية جديدة للإنسان وحريته.
2- المحور الثاني : محور الإصلاح الديني
إن قضية النهضة ترتبط إرتباطا وثيقا بقضية الإصلاح الديني، ومناقشة مسألة الدين ضرورية للحركة النهضوية لأنها تتعلق بالإنسان الذي هو محور موضوع النهضة ،ونهضة الإنسان تبدأ من داخله: تثويرا لهذا الداخل وإشراكا له في تغيير الخارج، وباطن الإنسان أو داخله هو مجال عمل الدين كما هو مجال عمل الفكر والفن ، ولو لم تكن النهضة كذلك لكانت مجرد (تشغيل) للإنسان في برامج لم يشترك في وضعها ولاتعبر عن ذاته وهذا هو عين القهر . إن حرية الإنسان التي هي أساس النهضة تقتضي النظر للإنسان من الداخل لأن هذا هو مجال عمل الحرية الحقيقي ولا معنى لحرية الإنسان إذا لم يشعر بها .
حرية الإنسان ونهضته هي أن يصنها هو ويبدعها معبرا عن ذاته وعن ضميره وعن رؤيته الخاصة وموقفه من العالم وحريته فيه ، هنا الدين يعمل ، فهل الدين عامل إيجابي أم سلبي؟ بمعنى هل الدين يعمل في باطن الإنسان في صورة دافع للنهضة أم في صورة حاجز لها ؟ هل الدين يثور الإنسان ويحرره أم الدين قيد يجمد قواه الداخلية وطاقته ويلغي عقله ووجدانه ؟ إن الإجابة على مثل هذه الأسئلة ستصبح منهجية ومرجعية لحركة الإصلاح الديني كلها لأنها في تقديري تسعى الى تحويل الدين الى عامل دفع ثوري وقوي للإنسان لتحقيق حريته ونهضته وتقدمه من خلال تصفية منابعه الأصلية من جراثيم الإنحراف التي ساقتها اليه التجربة والفعل الإنساني في التاريخ ، فما هو الدين ، وكيف يعمل في باطن الإنسان ، وما هي تجلياته الخارجية ؟ وماهي أهدافه وغاياته الأصلية؟ وما هي مؤسساته ؟ وكيف يمكن إصلاحها لتتحول الى مؤسسات إيجابية وعاملة في خط نهضة الإنسان لا ضدها؟ كل هذه الأسئلة مهمة يجب أن تضعها حركة النهضة والإصلاح الديني نصب أعينها وتعمل فيها بالبحث والتنظير لتتبين خطها الحركي وتحدد أهدافها العملية.
3- المحور الثالث : العمل الإجتماعي والثقافي
الإنسان الجديد أو الناهض هو النموذج النشط والفاعل المنتج الذي يعمل للإضافة لرسم صورته ووضع بصمته في العالم هو النموذج الخلاق أو كما يسمى في الإصطلاح الديني : الخليفة الحقيقي عن ربه الذي يعيد خلق العالم كما فعل ربه بدءا. إن واقع الإنسان الآن في مجتمعاتنا المتخلفة هو عكس ذلك ، الذي يسود الان هو النموذج السلبي للإنسان لا أقصد على المستوى الفردي فحسب ولكن النموذج الإنساني على مستوى الجماعة أو المؤسسة او الدولة...الخ نموذج سلبي منفعل مستهلك كسول متمتع باللحظة المادية والغرور الروحي متسلط على الاخرين متعالي عليهم متصارع معهم لا يستطيع الإنتاج وعاجز عن الإبداع والإضافة فاقد للذات والوعي . إن العمل الإجتماعي والثقافي في إطار النهضة يجب أن يتجه بصورة مباشرة الى محاربة التخلف أعني محاربة النموذج السلبي للإنسان وبناء النموذج الإيجابي على المستوى الفردي والإجتماعي والمؤسسي والسياسي.
إن حركة النهضة الحقيقية هي حركة إجتماعية ثقافية تنطلق من القواعد الإجتماعية الحقيقية أي المدن والحواري والأرياف وأماكن العمل وساحات الإبداع الفكري والثقافي تثويرا للإنسان بمعني قتل النموذج السلبي في داخله إحياء النموذج الإيجابي وجعله نموذجا ثوريا قويا يعمل بقوة لتحطيم قيوده ليس بالعنف المادي ولكن بالإنتاج والمزيد من الإنتاج المنطلق من دواخله ثم تتحول الى هذه الحركة الثورية الى قوة فعلية في شكل قوى اجتماعية ومؤسسات متصاعدة الى أعلى حتى يتم تتويجها بالتغيير السياسي وقطع رأس أفعى التخلف المتأبدة .
إن المضامين الحقيقية لأي عمل اجتماعي أو ثقافي يريد أن يكون نهضويا تكمن في وجوب تخليه عن أية منطلقات غير إنسانية بمعنى أن يضمر بوعي أوبغير وعي أغراض أو غايات ضد حرية الإنسان . على العمل الإجتماعي أو الثقافي يجب أن يكتشف (الإنسان) ذلك الكنز الثر المكنون داخل جوانح البشر.
سامي عثمان القريش
يناير 2008














رؤية حول مشروع الجبهة الثقافية
سامي عثمان القريش
مقدمة :
منذ أزمان طويلة والنهضة الوطنية الشاملة حلم يداعب أفئدة شعبنا، وقد ظل السودانيون طوال عقود يحلمون بسودان حر وموحد وديمقراطي ومتقدم إقتصاديا وإجتماعيا وثقافيا، تسود فيه قيم العدالة والتنمية وحرية الأنسان،ومساسا بنظام سياسي عادل يستجيب لكل تطلعات أبنائه معبرا في بنائه التنظيمي والإداري والثقافي والإعلامي عن كل ألوان طيفه الإجتماعية والثقافية والحضارية. وقد إرتبطت هذه الأحلام عند جماهير الشعب منذ بداية الحركة الوطنية وتأسيس الأحزاب السودانية بحلم التحرر الوطني من الإستعمار وتأسيس دولة سودانية مستقلة ذات سيادة كانت هي الوحيدة في عقيدة الشعب التي تجانس وتحقق حلم النهضة العزيز.
وعندما تأسست الأحزاب السودانية صهرت في بوتقتها شعارات النهضة الوطنية مع شعارات التحرر الوطني مما حدا بهذا الشعب المناضل الصبور أن يلقي إليها بعصا النضال الطويل ويحمّلها شعلة حملها في مراثونه الممتد عبر التاريخ. ولكن سرعان ما تحقق التحرر الوطني دون أن تتحقق النهضة الوطنية، ووجدت الأحزاب نفسها في قمة السلطة السودانية وفي خضم واقع غريب وطريق مبهمة وتركة مثقلة:شعب ألقى بعصا الترحال وجلس مترقبا، سلطة سودانية بغير مقومات السلطة الحديثة الاّ تلك الكراسي في شارع البرلمان، مؤسسات وطنية تبدأ أعمالها من الصفر وبغير كوادر مؤهلة الاّ فيما ندر ، تخلف عام وسيادة شاملة لمؤسسات التعليم القديم التي لاتعرف الاّ التلقين والتكرار والإستظهار غافلة عن أساليب التعليم الحديثة والتعليم الإنساني الديمقراطي، رؤية سياسية عاجزة توقفت عند حدود مرحلة الإستقلال والتحرر الوطني،إقتصاد زراعي ضعيف لايفي بمتطلبات الخدمات والرواتب ناهيك عن التنمية بل موجه إستعماريا.هذا الواقع جعل القوى السياسية عاجزة الاّ عن الإحتراب والإقتتال والسياسي والحزبي غافلة مكتسبات الشعب ومتطلباته، ولكنها غير غافلة عن مكتسباتها الحزبية في السلطة والبرلمان فذهبت لحمايتها لاجئة الى القوى الطائفية ناسية أو متناسية أن هذه القوى بالذات هي من صنع واقع التخلف وهي تمثله فهي الأحرص على بقائه في مواجهة أيّة قوى للنهضة قد تصعد في المستقبل، وبدلا من أن تتوحد هذه القوى المستنيرة في مواحهة قوى التخلف أخذت تتحالف معها ضد بعضها البعض فضاعت بذلك قضية النهضة في أقبية السياسة الضيقة، وظلت القوى السيلسية محافظة دائما على مكاسبها السياسية ومواقعا السيادية وعينها باستمرار على القوى الحليفة داخل الجيش كحارس أمين لسلطتها المؤبدة والمستردة، ومايستفيق الشعب من غفوته الاّ ومكاسبه منتهكة وأحلامه ممزقة إربا تحت جنازير الدبابات ،والاّ وهو بين يدي كذابين يمنّونه بالأوهام الكاذبة والنفاق المضل.
هذا الواقع المزري المزمن والمستمر جعل العزلة تسري رويدا رويدا تبني جدارها عاليا بين الشعب وبين قادته السياسيين والحزبيين ، وفقد الناس الثقة تماما في الأحزاب بصورتها القديمةوفي قدرتها في بناء النهضة، وتحولت الأحزاب الى أدوات للصراع السياسي لاتستطيع أن تقدم أي نجاح أو تقدّم الا في إطار حقلها الضيق الأفق والإهتمامات.
إن الأحزاب والقوى السياسية بصورتها الحاليةعاجزة تماما عن تحقيق أي نجاح في مشروع النهضة الوطنية الشاملة ، وهي غير وؤهلة لقيادةمثل هذا المشروع لوحدها وفي معزل عن قوى الشعب الحيّة الأخرى لأن هذه التنظيمات بصورة أساسية هي تنظيمات (سياسيةمحضة)بمعنى أن السياسة عندها تحولت إلى مهنة وغاية تقصد لذاتها لاوسيلة للتغيير أوالنهضة،وقد ساهمت التجربة السياسية السودانية بظروفها المعروفة في نشأتها وبنائها بصورة معزولة عن قواعد الشعب وقضاياه اليومية، فهي لم تنشأ نتيجة لحركة جماهيرية نهضوية بدأت من القاعدة وتصاعدت متطورة حتى تحولت الى قوة سياسية(بمعنى أن تكون لها جذور إجتماعية كما حدث في النهضة الأوروبية) بل لم تعبر بصورة فعلية في برامجها عن قضايا أو مطالب جماهيرية حقيقية، ولكنها نشأت إستجابة لأفكار أصحابها وانتشرت نتيجة لنضالاتهم ووعيهم الوطني وعبرت عن مجهودات صادقة ولكنها تكاد تكون فردية ومعزولة ، جسدت مدى هوة وعمق التخلف المستشري في أوصال جسد هذا الشعب ، لذلك ظلت أبنية مقامة فوق رؤوس الجماهير لم تستطع أن تنزل الى أرضها وتلتحم بقضاياها.وفي حدود حقلها السياسي الضيق المعزول إنبنت هذه القوى فكريا وتنظيميا وحركيا، وجسدت في بنائها الداخلى هذا الحقل بصورته الشاذة التي تضيع فيها الرؤى والأهداف وتنبهم الطرق وتصبح السياسة فيه صراعا في الظلام.
لقد تأسست القوى الداخلية لهذه الأحزاب والتنظيمات على أساس سياسي محض(كمهنة وتخصص فاشل أو كشلليات فاسدة)وغير نهضوي : تكتلات منفعلة بقضايا ومصالح شخصية أو طائفية أو أيديلوجيّة بعيدة كل البعد عن المفاهيم النهضوية:التخطيط والتنظيم والعلمية والديمقراطيّة والمؤسسية.. (وهي المفاهيم الوحيدة القادرة على إنجاز النهضة)، وانبنت على أساس تنظيمي مركزي لايكرس الاّ لتركيز السلطة في أيدي القيادة العليا مما يؤدي الى شخصنة القضايا والرؤى الفكرية المزاجيّة، وسيادة الهوى على الفكر السياسي.وبذلك لاتصلح هذ القوى لقيادة أية حركة نهضوية الاّ بشروط الأصلاح الفكري والتنظيمي والتحالف مع القوى الإجتماعية الحية الأخرى غير السياسية .
وفي المقابل أي الجانب الآخرمن جدار العزلة ، يقبع الشعب الصبور معانيا أسوأ أوضاع للتخلف تشهدها البشرية في كل جوانب الحياة ، ومن ويلات الحرب والتمزق التي جرتها عليه إجتهادات السياسيين وشهواتهم مترقبا الوحي الذي يمكن أن ينزل من السماء على أحد من هولاء السياسيين لينقذه والنتيجة دائما لهذا الوحي المزيد من التخلف والمزيد من الفقر والمعاناة والإحتراب والإغتراب، حتى بدأ اليأس يتسلل الى قلوب الناس وبدأ الشعب يفقد الثقة في نفسه وفي نهضته وفي مستقبله حتى وصل اليأس الى درجة مخاصمة الوطن وفقدان الرغبة في الإنتماء اليه كوطن يسع الجميع وبدلا من ذلك أستيقظت من منامها الهويات القديمة والنعرات الذميمة واتسعت دائرة الإحتراب والمخاصمة وبدأت نجمة الوطن في الأفول.
إن الأزمة الوطنية الشاملة التي تجلت في أجلى مظاهرها في هذا الحال تعود في جوهرها الى سببين:
1/القوى السياسية كافة يمينها أو يسارها لم تستطع منذ الإستقلال وحتى الآن أن تصل الى برنامج وطني للنهضة يستطيع أن يحلل بصورة علمية مشكلات الوطن ويصل الى حلول جذرية لها ، وأن يصل الى رؤية واضحة للنهضة السياسية والإقتصادية والثقافية تجمع بين عناصر العدالة الإجتماعية والكفاية والنظام السياسي الديمقراطي الراشد، برنامج يمكن أن تجتمع عليه قوى الوطن تتوحد عليه وتتطور تحت رايته، تتخلى عن قديمها البالي وتتجدد بالأساليب الديمقراطية والمناهج العلمية ، وتطور من نظمها الفكرية والإدارية ومن برامجها السياسية والثقافية. وهي لن تستطيع أن تصل الى مثل هذا البرنامج مادامت تعتقل نفسها داخل أقبيتها الضيقة ومالم تنفتح على إنسان الوطن الكبير وعلى القوى الحية الكامنة في داخله.
2/ سيطرة الوهم القائل أن مشروع النهضة مشروع سياسي لن تستطيع إنجازه الاّ الدولة أوالقوى السياسية في معزل عن المشاركة الواسعة لقوى المجتمع الحية والناهضة ، وهي القوى الوحيدة صاحبة الحق والمصلحة في النهضة ، هذه العزلة أثرت حتى على هذه القوى فأصبحت قوى خاملة منشغلة بقضاياها الجزئية واليومية غافلة عن دورها الوطني فأدى ذلك الى تراجع الروح الثورية والنهضوية وحلت محلها روح الإنهزامية والإنكفاء والعزلة فأثر ذلك على الرؤى والبرامج والأشكال التنظيمية والإدارية للمؤسسات والمنظمات المدنية والإتحادات والأندية والروابط الجماهيرية فأصبح الشعب بعيدا تماما عن المشاركة .
إن بناء برنامج وطني وثوري للنهضة سيعتمد على ثلاثة عناصر جوهرية وضرورية:
أ‌- الإصلاح السياسي والحزبي وبناء المؤسسات الوطنية على مستوى الدولة على أسس ديمقراطية جوهرية وعلمية.
ب‌- المشاركة الجماهيرية الواسعة من خلال تنظيمات المجتمع المدني المتنوعة بما يحقق بناء لمجتمع مدني مندفع بقوة نحو النهضة والتقدم الإقتصادي والسياسي والثقافي والتعليمي وعلى أسس العدالة والديمقراطية والشفافية.
ت‌- المقاومة العنيفة لكل أشكال التخلف العقلية والتنظيمية والسلوكية ، ومقاومة قوى التخلف الداعمة لمؤسساته وتحافظ على قيمه وقواه الجوهرية ،وذلك بإصلاح البنيات الإجتماعية القاعدية كبنيتي(التربية والتعليم)و(الإنتاج المعرفي والإقتصادي) وتصفيتها من هذه القوى .
مثل هذا البرنامج يقتضي وجود (قوى نهضوية) قائدة تتميز ببرامجها وقيمها الفكرية وتناضل بقوة ضد التخلف وقواه ومؤسساته على جبهتين :
1- الجبهة الثقافية:وهي التحالف الواسع بين قوى الشعب المدنية المختلفة والمتنوعة سياسيا واجتماعيا وثقافيا من أجل ترسيخ ونشر ثقافة النهضة والنضال على مستوى القواعد الجتماعية من خلال المساهمة الواسعة في بناء الإنسان الجديد فكريا وتنمويا واجتماعيا وتفجير قواه الحية والكامنة في الشعب وبناء مؤسساته ومنظماته وتجفيف منابع التخلف المتجذرة عميقا في الشعب.
2- الجبهة السياسية: وهي جبهة المقاومة السياسية للأشكال التنظيمية والقانونية والمؤسسية للتخلف والتي تبنيها وتحافظ عليها قواه السياسية ، وهذه الجبهة هي التحالف العريض للقوى الديمقراطية التي تعتبرالإنسان ونهضته قيمة جوهرية في فكرها.
هذه الورقة تحاول التعرض بشيء من التفصيل (للجبهة الثقافية) في أسسها الفكرية وبرامجها وقضاياها وصولا لصيغة عملية وتنظيمية يجب التعرض لها في ورقة أخرى، هذا بدون التعرض للجوانب السياسية التفصيلية المرتبطة بمشروع الجبهة الثقافية.
العناصر السياسية والإجتماعية للنهضة:
لقد خلقت إتفاقية السلام (نيفاشا) مناخا إيجابيا للسلام بين قوى الوطن ، وإن لم يتحقق هذا السلام بصورته الكاملة في دارفور،الاّ أن الإتفاقية صالحة لتكون أساسا لسلام الوطن بما تؤسسه لدولة ودستور ديمقراطيين.وبالرغم من أن هذا الإتفاق بني على أساس الشراكة بين الحركة الشعبية والمؤتمر الوطني-وهذه هي طبيعة إتفاقيات السلام التي تتم بين المتحاربين-الاّ أن البعض ظن أنه يمكن أن يبني عليها برنامجا وطنيا للنهضة والتنمية والشراكة الإجتماعية الإستراتيجية ،فانطلقت دعوات ومبادرات تحاول جمع شتات كل البيض والأحجار في سلة واحدة لالتبني برنامجا سياسيا معينا ولكن لبناء مشروع النهضة تدفعها النوايا الحسنة أحيانا والسيئة أحيانا أخرى مثل مبادرة البرنامج الوطني (الشريف) والمؤتمر الجامع (الصادق)- في أبعاده الإجتماعية والفكرية-ومبادرة جمع الصف الوطني(سوار الدهب)...الخ.وكلها كتب لها أن تبوء بالفشل الذريع لأنها لاتتأسس على رؤية معرفية وإجتماعية واضحة وموحدة وإيجابيةلقضية الوطن بل تدفعها الأماني ويكذبها الواقع.فالسلام يعني فض النزاع بين المتحاربين ويمكن أن يخلق مناخا للإستماع للآخر والعيش المشترك، ولكنه غير كاف لإقناع الناس بترك أيديلوجياتهم القبيحة وسلوكهم الشاذ، والآليات الديمقراطية كما هي صالحة لإنجاز النهضة أيضا صالحة لهدمها ، والذين جاءوا عبر الدبابات يمكن بذات العقلية أن يزوروا الإنتخابات.
إن مشروع النهضة كمشروع يستهدف حرية إنسان السودان وكرامته ورفعته الإقتصادية والإجتماعية لايمكن بحال من الأحوال أن يتجانس أو يتحالف مع أيديلوجيا تضطهد الإنسان تأسيسا على مبدأمن مباديء العبودية الإجتماعية التي تتأسس عليها الثقافة السلفية التي تنظر للناس باعتبارهم رصيدا(للاخرة)وحسب أما مكتسبات الدنيافهي (شأن رباني يفيض به على حملة دعوته ورسالته لتمكينهم في الأرض). وايضا لايمكن أن يتجانس أو يتحالف مع نظام أجتماعي عبودي كالذي تتأسس عليه الطائفية التقليدية التي تسود إنسانا على الآخرسيادة مطلقة وتقسم الدنيا على هذا الأساس ،كما لايمكنه أن يتحالف مع نظام حزبي يضطهد الإنسان ويجعله آلة تنفيذية يسمع ويطيع وينفذ أهواء القيادة العليا . إن هذا الأساس السياسي المتناقض لايصلح أن ينبني عليه مشروع النهضة لأنه يجمع بين المتناقضين، والنهضة لابد أن تبنى على موقف جوهري وقاطع وعل أسس فكرية واجتماعية خصوصا على صعيد حرية الأنسان لأن قضية النهضة ليست سياسية مجردة ولكنها في الأساس قضية إجتماعية وفكرية عميقة تنهض لحل مشكلة التخلف كمشكلة رئيسية وعلّية في كل مشكلات الوطن، والتخلف هو تخلف الإنسان أي بشكل مباشر هو (عجزه عن تحقيق حريته وإنسانيته بمختلف أشكالها) إذا هي قضية تضع فاصلا جوهريا أو منهجا للفصل بين أنواع مختلفة من القوى إنطلاقا من (الإنسان) وحريته كإنسان وحسب وبالتالي لايمكن خلق تحالف استراتيجي للنهضة بين قوى تضطهد الإنسان وأخرى تسعي لحريته . والتحالف الصحيح لذلك هو تحالف القوى التي تناضل بقوة من أجل حرية الإنسان وتضع الديمقراطية كقيمة جوهرية في فكرها ونظمها الثقافية والتنظيمية والقانونية ..وهي ليست بالضرورة قوى سياسية ولكنها إجتماعية وثقافية أيضا ..لماذا؟
إن عالم اليوم يشهد تناقضا واضحا بين النزعات التجديدية ذات السمات الإنسانية الكونية ، بين النزعات القديمة والمحافظة التي تنطلق من منطلقات أخرى غير إنسانية (عرقية أو شعوبية أو أيديلوجية) ، وفي ذات الوقت يشهد تناقضا اقتصاديا متزامنا مع التناقض السابق بين حركة التقارب الإقتصادي العالمي(العولمة) وبين اتجاهات وأنظمة الهيمنة المسنودة بالقوة العسكريةوالتي تسعي لخلق مراكز كونية جبارة متمركزة حول مايمكن تسميته بالإقتصاد الراسمالي المؤدلج. هذه التناقضات خلقت شكلا من أشكال الإستقطاب العالمي بصورة جديدة وحادة بين (مراكز) تتضامن وتتقارب على الهيمنة الإقتصادية والتفوق الشعوبي وتهميش الأطراف ، وبين (أطراف) تسعى للتضامن الإنساني والتقارب العالمي من أجل خلق عالم إنساني جديد وموحد ، وهي في هذا السعي تجد نفسها في تحد وصراع لإنتزاع قدراتها الإقتصادية اللازمة لبناء العالم الجديد من براثن قوى الهيمنة العالمية ولإيجاد طريق لبناء الأسس الجديدة لنظام عالمي ديمقراطي عادل ومتساوي.
هذا التناقض والإستقطاب الحاد الذي أفرزته وماتزال تفعل عوامل كثيرة : إقتصادية: كطبيعة النظام الإقتصادي الرأسمالي المتمثل حاليا في تركيز الأموال المتعددة الجنسيات والسيطرة على حركة الإقتصاد العالمي،وثقافية: تتمثل في المحاولات المستمرة لخلق حالة التبعية وتهميش الثقافات العالمية من خلال ترسيخ مفهوم التفوق الثقافي الى جانب خلق الحروبات المقصود بها صناعةالإستقطاب الثقافي بين شر مصنوع وخير متوهم،وعلماجتماعي: المتمثل في الإنفجارات العلمية والثقافية ذات الأثر الإجتماعي العميق خصوصا في مجالات تقنية المعلومات والإتصالات والتي حطمت نهائيا الحواجز بين الإنسان والآخرمن جانب وسهلت من حركة الإقتصاد من جانب آخر.هذا الإستقطاب يعمل في إتجاهين:
- في إتجاه المراكز(الإقتصاثقافية)ذات الطبيعة الإمبراطورية العالمية لتركيز القوةوتوحيدها من خلال التنافس/ التفاوض المستمر وحركات اللوبي الضاغطة لتلافي الصراع بين المراكز.ومن خلال خلق العلاقات الإقتصادية ذات التاكتيكات السياسية مع القوىالمركزية في الأطراف مالكة السلطة والثروة والتى تلتقي مصالحها الدائمة مع قوى الهيمنة.
- وأيضايعمل في إتجاه الأطراف التي تمثلها(القواعد)المطلقة للإقتصاد والثقافة الإنسانية، وفي هذا الإتجاه يعمل على توحيد القوى ذات الطبيعة الإنسانية المناهضة للهيمنة من خلال فرز إجتماعي عميق داخل الشعوب تتحدد من خلالها رؤى فكرية واتجاهات إجتماعية وحركية جديدة حسمت نهائيا موقفها من قضية الصراع الإنساني وقطعت بشكل نهائي مع الأشكال الأيديلوجية القديمة التي تفصل بين الإنسان الآخر بأي فاصل كان (سوى العمل الإيجابي الخيّر لمصلحة الإنسان بما هو إنسان بالطبع )، وأصبحت العدالة الإجتماعية والديمقراطية لكل البشرشعارها الأساسي وحددت بذلك صراعها واتجاهاتها الأستراتيجية كقوى مناضلة جذريا من أجل حرية الإنسان ورفعته الكونية ومن أجل حل مشكلة تخلف الشعوب وفك قيود إستعبادها وجهلها .
وبذلك يتم تحديد معالم هذه الحركة الإنسانية العالمية كحركة واحدة تعمل في ثلاثة إتجاهات:
- إتجاه سياسي بالعمل على تحرير الإنسان أينما كان وكيفما كان من قيود القوى اللا إنسانية المطبقة عليه قهرا واستعبادا وهيمنة.
- إتجاه إجتماعي إقتصادي وذلك من خلال بناء الجسور والشراكة بين الشعوب والتضامن الإنساني من أجل بناء النهضة والقدرات البشرية القادرة على الفكاك من قبضة الهيمنة.
- إتجاه ثقافي ويعمل على نشر الوعي العالمي بالإنسان ككائن مميز وحر، ونشر ثقافة الحرية والعدالة الإنسانية والسلام العالمي ووحدة الثقافة والإجتماع البشري.
وبالتالي، فإن القوى التي تمثل هذه الحركة الإنسانية قوى متعددة تتضامن مع بعضها وتتفاعل وتعمل من خلال علاقات إجتماعية وتنظيمية تجسد في ذاتها الأهداف والغايات الكبرى ، فتبدوفيها ثلاث سمات جوهرية : الديمقراطية واللامركزية التنظيمية- والتخصصية- والتكامل، فهي تحدد عدوها بدقة وتتحالف (كل في مجاله) لصرعه ، وهذا العدو هو كل ما يهدد الإنسان في إنسانيته وجودا وكرامةورفعة وحرية فهو إما عدو داخلي وهو التخلف أو خارجي وهو القوى النقيضة المتعددة المنطلقات والمستويات والأهداف وتعمل جميعا على بقاء الإنسان في تخلفه الأبدي.
العناصر الثقافية
الثقافة مفهوم متسع الدلالات الى درجة أن الفكر الإنساني وخصوصا في عالمنا الثالث لم يستطع أن يضع له تعريفا محددا جامعا مانعا متفقا حوله يبين ماهية الثقافة وموقعها كنشاط إنساني ودورها الإجتماعي ويحدد العناصر المكونةله وعلاقاتها الداخلية والخارجية، ولكن إنطلاقا من المنطق الإنساني البسيط فإن الثقافة نشاط يتعلق بالإنسان وحده من دون الكائنات الأخرى، ويمكن أن نقول بالتحديد أنها (أسلوب) الإنسان في التعامل مع العالم من حوله ،والإنسان في تعامله مع العالم(طبيعيا)أو(بشريا)أو(ثقافيا) يعمل بأسلوب الأخذ والعطاء فهو (يكتسب)من العالم و(يضيف)اليه، فإكتسابه من العالم(إذا تمت عملية الأخذ والعطاء بصورة صحيحة وإيجابية) (ثقافة) لأن العالم يعمل إيجابيا على تنمية الإنسان من خلال تهذيبه مدنيا وصقل مواهبه وقدراته العامة، وبالتالي يعمل بإستمرار علي تحويله الى إنسان جديد ومتجدد بل مترقيا اكثر في مستويات التطور والرقي المدني والخلاق، فالإنسان يكتسب من العالم :(لمعرفة) بالعالم ذاته من خلال وسائل متعددة : الإحتكاك بالعالم عن طريق التجربة والممارسة والخبرة المباشرة- إكتساب المعرفة عن طريق التعلم والتربية والتبادل- إكتساب المعرفة عن طريق التفكير الحر والتأمل الذاتي والإستبطان الداخلي..هذه المعرفة تتشكل عندالإنسان في شكل (تصوّر)للعالم-قد ينطبق أو لا-مع الواقع الخارجي ولكنه يظل تصورا خاصا ويبدو في إتجاهين: (رؤية)للعالم و(رؤيا)له:
- الرؤية تصور لما هو كائن وتلعب الذاكرة والمنطق العلمي هنا الدور الأساسي.
- الرؤيا تصوّر لما يجب أن يكون وهنا الخيال والرغبة في الأفضل(له) هما الذان يلعبان الدور الأساسي.
هذه التصوّرات هي التي تدفع الإنسان للعمل في الواقع من أجل تغييره حلا لمشكلاته وإبداعا للعالم الجديد (كما يتصوره).إن (العمل) المادي يمثل البنية القاعدية لمفهوم الثقافة في جانبه الثاني وهو(الإضافة)لأن أي عمل إنساني ينبني على عنصرين جوهريين: عنصر مادي وعنصر ثقافي،العناصر المادية للعمل لاتمثل أية إضافة حقيقية للعالم لأن الإنسان مهما عمل لن يضيف للعالم (ذرة) واحدة جديدة،أما الإضافة الحقيقية فهي في العنصر الثقافي للعمل (إعادة تشكيل العناصر المادية وفق التصورات الخاصة)لأنه إنعكاس لهذه التصورات للعالم والتي تعبر بالضرورة عن ذات الإنسان ووعيه ولأنه يخلق تميّزالعمل وخصوصيته.
قدمنا بهذه المقدمة لأن الحديث عن النهضة الثقافية يقتضي الأنطلاق من مفاهيم واضحة وتصوّرات محددة لما نريد، فالنهضة الثقافية تمثل حجر الزاوية في مشروع النهضة الشاملة وتشكل التحدي الأساسي فالتنمية الأقتصادية يمكن بناؤها إنطلاقا من أية منطلقات أيديلوجية أو سياسية مختلفة، ولكن هذه المنطلقات لاتستطيع تحقيق نهضة حقيقية للإنسان الاّ بشرط الحرية، وحرية الأنسان تعني(مشاركته) في النهضة مشاركة حقيقية فكرا وتصميما وصياغة وتخطيطا وتنفيذا مما يقتضي فتح النوافذ على مصراعيها لتيارات المعرفة المختلفة وتنمية وسائلها ووسائل نقلها وتلقيها كالنشر وتمليك المعرفة وتطوير وسائل نقل المعلومات الحديثة بصورة تهدف مباشرة لتنمية المعرفة لدى الإنسان.كما تقتضي إتاحة حرية التعبير وتمكين الإنسان من الإبداع إقتصاديا كان أم ثقافيا أم فنيا..إذاً النهضة الثقافيةمقدمة ضرورية للنهضة الشاملة لأنها تخاطب الإنسان بالذات في إرادته الحرة ومعرفته بالعالم وإبداعه الحر المعبر عن ذاته، وبالتالي تعمل على إنتاج وبناء الإنسان الجديد والقائد المصمم والمنفذ للنهضة الإقتصادية والسياسية والباني للحضارة الجديدة.
إن الشرط الأساسي للنهضة-كما قدمنا – هو الحرية، وحرية الإنسان في حقيقته ليست مجرد حرية سياسية أو إجتماعية بل هي أعمق من ذلك فالحريةلا تتجزأ إنها كل واحد متكامل أساسها حرية الإرادة الذاتية، الشعور بإستقلالية الذات في الوجود الكوني والشعور بالكينونة الخاصة ووزنها الوجودي والشعور بالمساواة الإنسانية فكل البشر سواسية،وهذا الشعور لايكتسب الاّ بالمعرفة الأعمق معرفة الإنسان بذاته وخصوصيته.إن أشد آفة تنتهك حرية الإنسان وتعيق حريته هي الجهل بالذات والخطأ في تقديرهاوهذا يجعل الإنسان إمامحتقرا لذاته مشيئا لها يتعامل مع الآخرين بدونية وعقلية العبيد مكرسا لتخلفه، أومغاليا في تقديرها جاعلا لهافوق رؤس الناس محتقرا إياهم،ومن جانب آخرفإن من أشد الآفات التي تنتهك هذه الحرية مفهوم (السلطة) أي سلطة ألإنسان على الآخر بمختلف أشكالها ومستويات قهرها والتي ميزت تاريخ الإنسان منذ نزوله على الأرض والى يومنا هذا ، وأشد أنواع هذه السلطة على الإنسان خصوصا في عالم اليوم هي السلطة الفكرية أو الثقافية والتي تستطيع أن تتوسل بكل أشكال السلطة الأخرى سياسية أو إجتماعية لفرض ذاتها على الوجود لإنها لاتستطيع أن ترى في الوجود الاّ ذاتها وحسب، فهي سلطة عمياء يسيطر عليها وهم الحق المطلق وتلك هي ماتسمى بالأيديلوجيا الزائفة أو الوعي الزائف بالعالم الذي لايرى في العالم الاّ أحاديته المطلقة والمتوهمة،لأن تعدد البشر يعني تعدد الذوات وبالتالي تعدد العالم المتجلي في الرؤى المتعددة له،والمساواة بين البشرتعني أن جميع هذه الرؤى صحيحة وإن (قد تنطبق أو لا)مع واقع العالم فهي صحيحة من حيث أنها تعبر بصورة صحيحة عن ذوات أصحابها .إن العلاقة الصحيحة بين الإنسان الآخر يجب الاّتنبني إبتداء على أساس السلطة فالبشر متساوون ولاسلطةلأحد على الآخر ولكن المفهوم الصحيح للسلطة يقوم على أساس وجود (مؤسسة) بين الطرفين هي التي لها السلطة على الطرفين والسلطة التي تحفظ حرية كلا الطرفين هي السلطة الديمقراطية وسميت مؤسسةباعتبار أنها تحقق علاقة مؤسسة على أسس سليمة وقانونية و(موضوعية) باعتبار أنها لاتعبر بالضرورة عن ذات أحد الطرفين فالسلطة أو المؤسسة الإجتماعية عمل إنسان يشترك فيه بالتساوي جميع أعضاء المؤسسة ، فهي بالتالي تعبر عن الذات الكلية او الجمعية للجماعة ولا تعبر عن ذات أحدهم. إن المؤسسة تقوم على أسس موضوعية بمعنى أنها تنبني على قواعد وقوانين علمية لا على رؤى وتصورات أحد أفراد الجماعة أو طرف من أطرافها ولكن هذه القواعد تعبر عن وجود(عقد أجتماعي) يتخلى فيه الأفراد أو أطراف ألجماعة عن ذواتهم الخاصة أو جوانب منها لمصلحةالذات الكلية للجماعة والتي هي وجود موضوعي بالضرورة وهذا هو المفهوم العميق (للعلمانية) فهي لاتعني تناقضا مع الذوات الخاصةلأفراد الجماعة أو تصوّراتهم ولكنها تفصل بشكل موضوعي وعلمي بين الذات الخاصة والمؤسسة فالذين يتولون السلطة التنفيذية في المجتمع بتفويض منه يجب عليهم أن يفصلوا بين (الحق العام) و(الحق الخاص) بمعنى الفصل بين تصوراتهم الخاصة ومقتضيات المسؤلية المؤسسية.
إن النهضةالثقافية لايمكن أن تنبني بأي حال من الأحوال على رؤية أحادية للعالم لاّنها بذلك تكون معبرة عن مبتدريها فقط ومفروضة على الآخرين. إن العالم واحد ولكن البشر متعددون وبالتالي الرؤى والثقافات متعددة ،وجوهر النهضة هو إبراز هذا التعدد والثراء العظيم للإنسان والعالم، ومن أجل ذلك فإن حركة النهضة هي صراع مستميت ضد سلطة الأيديلوجيا والثقافة الأحادية. إن مفهوم الديمقراطية الثقافية أو ديمقراطية الثقافة يعد مفهوما جوهريا في حركة النهضة خصوصا في بلد كبلدنا تتعدد فيه الثقافات بشكل كبير لكن تتسيد بل تتسلط فيه ثقافة واحدة في سلطتها أحادية في رؤيتها وتتوسل لذلك بالسلطتين السياسية والإجتماعية، إن ديمقراطية الثقافة تعني (حيادية) السلطة السياسية تجاه الثقافات ، وبالتالي نزع عنصر (التسلط) من الثقافة وإلغاء مركزية الثقافة الواحدة وإتاحة الفرصة للثقافات المتعددة للتتفاعل وتتحاور بحرية وتنتشر وتسود وفق معايير الصحة والإقناع والعمق والديمقراطية بدون الإنحياز لثقافة معينة على حساب الأخريات.
إن الدور الإيجابي والنهضوي الذي يمكن أن تقوم به الدولة والسلطة السياسية تجاه الثقافة عامة هو أن تجسد بصورة حاسمة مفهوم الحرية الإنسانية بشقيها الذاتي والإجتماعي من خلال تطبيق المعايير الجوهرية والعميقة لحريتي المعرفة والتعبير وتحويلها الى مؤسسات راسخة يحتكم ويلجأ اليها الناس،إن دور الدولة هو (خدمة) التفاعل الحر للثقافات وفتح مساربه وتطويره من خلال تصحيح المؤسسات الثقافية وتطوير معاييرها . ويمكن تقسيم هذه المؤسسات الى قسمين:
- مؤسسات تعمل على أساس (حرية المعرفة) وتخدم الجانب المعرفي في المجتمع كالمؤسسات العلمية والتعليمية والتثقيفية، فهي علمية من حيث أنها تنتهج البحث العلمي الذي يعمل على تنمية وإنتاج المعارف والعلوم وبالتالي يسهم في تنمية الوعي العام بقضايا المجتمع والنهضة، وهي تعليمية /تعلّمية تنتهج (ديمقراطية التعليم والتعلّم) لتعمل بشكل مباشر في بناء الإنسان الجديد وإتاحة الإسهام العام في النهضة.
- مؤسسات تعمل على أساس (حرية التعبير) مثل مؤسسات النشر الثقافي بمختلف أوجهها ومؤسسات الإنتاج الفني والمؤسسات الصحفية والإعلامية وهي الكفيلةبالأعلان والتعبير عن الوعي الإجتماعي العام وعن الذات الفردية والجمعية داخل المجتمع.
غير إن واقع الحال يقتضي الإسهام المباشر والفعال من كل قطاعات المجتمع ومؤسساته الفكرية والثقافية وقواه النهضوية في حركة التغيير والضغط الجماهيري والمؤسساتي على الدولة لكفكفة قواها وتحقيق تراجعها لمصلحة الحرية والنهضة.إن الطريق الفعال نحو النجاح وتحقيق هذه الأهداف هو الآتي:
- وحدة القوى النهضوية (سياسية وثقافية) وتضامها.
- التخطيط العلمي.
- المقاومة الفعالة.
إن مشروع الجبهة الثقافية والإجتماعية يفترض أنها الأداة السليمة لمقاومة السلطة وقوى التخلف في الحقل المعرفي والثقافي وهي أيضا أداة تحقيق النهضة الثقافية. وهي عبارة عن تحالف ثقافي إجتماعي تشترك فيه كل قوى المجتمع السياسية ومنظماته المدنية ومؤسساته العلمية وقواه القاعدية والفئوية يهدف بشكل مباشر الى دحر التخلف بكل صوره وتجلياته السياسية والإجتماعية والثقافية والفكرية والدينية ودحر قواه المحافظة عليه والعاملة على ترسيخه سواء كانت في السلطة أو في المجتمع. كما يهدف الى بناء النهضة الفكرية والعلمية والثقافية كمقدمة ضرورية للنهضة الوطنية الشاملة.
قضايا وأهداف الجبهة الثقافية والإجتماعية
· محاور للبحث والحوار الفكري:
1- محور السلام والوحدة الوطنية:
إن حركة النهضة يجب أن تنبني على رؤية واحدة و مشتركة لقضية الحرب السلام والوحدة الوطنية لأن النهضة تترتب على هذه القضايا ، وفي وجود الحرب وتفكك الوطن لامعنى للنهضة ثقافية كانت ام إقتصادية أم سياسية ، والسلام المقصود ليس فقط بمعانيه السياسية ولكن بمعناه الإجتماعي الأشمل لأنه الأساس لسلام الوطن ووحدته . فما هو السلام وكيف يتحقق؟
السلام في أعمق معانيه هو قبول (الآخر) ومعانقته والتوحد معه على علاته ،ولايعني ذلك تنميطه أي إجباره على أن يكون نسخة من (الأنا) ذلك جذر الشقاق والحرب ، ولكن الإختلاف هو الضمان الوحيد للسلام ،لأنه يحافظ على حرية الذات (ذات الاخر) ويضمن ثقتها . ولكن هل تستطيع (النفس الإنسانية)أن تقبل السلام مع الآخر المخالف؟ الطريق الوحيد الى ذلك هو (سلام النفس) أو ما يمكن أن نسميها بالحرب الأخرى . سلام النفس هو تواضعها واعترافها بالنقص والأحتياج للآخر المكمل وهذا يقتضي الحرب (ضد) النفس او الأنا االسفلى التي تظن أنها مركز العالم وانها الكمال المطلق ، وأن لها السيادة المطلقة على الكون والآخر .إن سلام الوطن ووحدته لايمكن أن يتحقق الا ّ في وجود هذه الحرب الأخرى لهزيمة التسلط والشوفينية في ذواتنا على المستوىالشخصي أو الفكري اوالموضوعي (المؤسسي والتنظيمي).
وفي داخل هذا المحور تنتصب قضايا مهمة جديرة بالبحث والحوار ونشر الوعي حولها :
أولى هذه القضايا :قضية الهوية الوطنية
الهوية هي معرفة الذات الأنتماء لها والتعبير عنها والدفاع عنها ، إجابة عن السؤال الأساسي :من أنا ؟ من هو ؟.إن العقل القديم للبشرية لم يكن يستطيع أن يدرك للإنسان الاّ هوية واحدة هي تلك الظاهرة التي يتبناها ويتعامل بها مع الآخرين وبالتالي لم يستطع الإنسان أن يدرك ذاته الاّفي حدود ضيقة جدا هي التي يرسمها له وعيه الحاضر فيظلم نفسه ويظلم الآخرين، وربما كان السبب في ذلك الحياة الإنسانية البسيطة والعقل التجسيمي التبسيطي الذي تعاملت به البشرية . أما في عصورنا الحديثة وفي الحياة الإجتماعية المعقدة، فإن العقل الإنساني يستطيع إدراك الهويات المتعددة للأنا :فمن أنا ؟ هو يستطيع أن يصفها بصفات مختلفة وكثيرة ومتنوعة من حيث العرق أو الدين أو الثقافة أو العمل ...الخ ولكن السؤال الأساسي في هذا العصر :بأي هذه الهويات يتعامل مع الآخرين وكيف يتعامل ؟ ماهي الهوية الأساسية وماهي علاقتها بالأخريات ؟
إن هذه القضية مهمة لإرتباطها بالسلطة الإجتماعية والسياسية وتأثيرها في قضية الحرب والسلام في الوطن.
وأيضامن القضايا التي تندرج تحت هذا المحور : قضيةالأيديلوجيا والأثر الثقافي والسياسي للفكر الإنساني .
إن الفكر تعبير عن الذات الإنسانية ورؤية العالم نتاج للفكر الذي يعمل في العالم ،فمتى يمكن ان نسمي رؤية العالم (أيديلوجيا)؟ وماهي الجذور لما يمكن ان نسميه الصراع الأيديلوجي وأثر هذا الصراع في الواقع السياسي وفي قضية الحرب والسلام؟
الأيديلوجيا هي رؤ ية العالم حينما تتحول الى (فكر منظم) بقصد تحويله الى فعل عملي لتغيير الواقع ،وفي الواقع فإن عملية التغيير المستندة الى فكر مسبق ومنظم عملية شرعية وعلمية ولاغبار عليها بل ان أي فعل لايستند على فكر هو فعل عشوائي وغير ناجح إن التخطيط العلمي الذي هو من أسس عالمنا المعاصر هو عبارة عن فكر منظم يقوم على مراحل : بحث علمي – بناء أهداف – خطط عملية – تنفيذ ، بل أكثر من ذلك فإن وجود (رؤية للعالم) سابقة للتخطيط ضرورة لخلق الإضافة والتميز . إذاً المشكلة ليست في طبيعة اليديلوجيا كفكر منظم وسابق للعمل ، فإين المشكلة ؟ المشكلة تكمن في إتجاه هذه الرؤية وأهدافها ومضامينها الداخلية ، فرؤية العالم كما ذكرنا تعبر عن الذات الإنسانية عندما ترى العالم وترى نفسها فيه .والذات الإنسانية في هذا المقام على ثلاثة أحوال:
- إما أن ترى نفسها مركزا للعالم وكعبة له يدور من حولها ،فإنها بذلك تخلق رؤية أحادية للعالم لأنها ترى العالم من ذاتها وبالتالي تخلق أيديلوجيا متسلطة لاتعترف بالحقائق العلمية .
- وإما أن ترى نفسها جزءا صغيرا من العالم ولها فلك تدور فيه بإنتظام متجانس مع بقية الفلاك في نظام كوني واحد واكبر ، هذه تستطيع أن تخلق رؤية للعالم متعددة ومتجانسة ومتحدة وبالتالي تخلق ايديلوجيا علمية تعترف بالحقائق العلمية.
- وإما أن ترىنفسها جزءا من عالم مبعثر لاينتظم في أفلاك وليس له نظام كوني واحد فهذه لاتستطيع أن ترى العالم ككل ولاتعترف الاّ بالحقائق العلمية الجزئية ، ولاترى العالم خارج الظاهرة المدروسة ، فلاتستطيع بالتالي أن تخلق أيديلوجا ما أو تخطيط علمي سليم (الفكر البراجماتي- الفكر الفوضوي).
إن أخطر هذه النواع على السلم الإجتماعي خصوصا اذا تحولت الى ايديلوجيا سياسية تمتلك السلطة المالدية والإجتماعية هي الرؤية الأولى لأنها لن تعترف بالاخرين وافكارهم ورؤاهم فستحاول تنميط الناس جميعا على طبق ذاتها ونموذجها هي فتجعلهم نسخة منها . تليها في الخطورة الرؤية الثالثة التي لن تستطيع أن تخلق فكرا إجتماعيا شاملا معتمدة على حقائق البحث العلمي الجزئية التي تخدم قضايا ومصاح جزئية ولاتفي بكل ما هو مطلوب إجتماعيا فتنقلب رؤية مزاجية عند أفراد القيادة فتتحول الى ديكتاتورية فردية . أما أقرب هذه الرؤى للسلم الإجتماعي هي الرؤية الثانية لوجود خاصيتين :
1/ قدرتها على صنع الأهداف الإجتماعية الشاملة.
2/ إعترافها بالتعدد وبالتالي إعترافها بالآخرين من ناحية ونتائج البحث العلمي من ناحية أخرى.
فهذه الرؤية بهذه الخصائص تستطيع بناء النظام إجتماعي متعدد ومتجانس في وحدة وطنية شاملة وهو ما نسميه بالنظام الديقراطي .
القضية الثالثة والمهمة تحت هذا المحور هي قضية النظالم السياسي والإجتماعي (النظام العام)
النظام السياسي والإجتماعي تعبير عن الذات الكلية الجماعية للمجتمع، فهو ملك للمجتمع ككل ولايحق لأي فرد أو طرف من اطراف المجتمع ( جماعة او مؤسسة أو حزب) إحتكار النظام العام أو توظيفه لخدمة أغراض أو رؤية خاصة. والنظام بهذه الصفة خرج من دائرة الذاتية الى دائرة الموضوعية ، بمعنى أن الأسس والقوانين التي تحكم النظام العام يجب أن الاّ تكون مبنية على أساس من رؤية فكرية ذاتية ولكن على أسس موضوعية بمعنى أن يكون النظام العام مؤسسة قائمة بذاتها لها شخصيتها الإعتبارية غير متوقفة على اي طرف من اطراف الجماعة وتتطور وفق التطور الكلي التاريخي للجماعة (الفردي والجماعي) . فما هي هذه الأسس؟
المجتمع يعبر عن ذاته تلقائيا عبر مرحلتين :
1/ الرؤية العامة للعالم، وتمثل جماع المعرفة الفكر والتعبير الثقافي الذي يدور حول وجود الجماعة وهويتها ووحدتها وإنتمائها للعالم وحاجتها للتطور وموقفهها منه وطريقتها وأسلوبها في حل مشكلاتها وتطورها، وتبرز من خلال نشاط أفرادها المعرفي والفكري والثقافي ، وتتبلور كرؤية جماعية عامة من خلال سيادة قيم وأفكار واتجاهات ذات قدرة عامة على التعبير عن ذوات أكبر قدر من أفراد الجماعة مما يدفعهم لتبنيها والإرتباط العقلي والوجداني بها فتصبح رؤيتهم الخاصة مع كونها رؤية عامة بذلك تمكنهم من الشعور بالإنتماء للجماعة.
2/ النظام العام ، وهو الخطوات التنسيقية والتدابير الضرورية لتنظيم أعمال أفراد وأطراف الجماعة وعلاقاتهم التي تهدف الى تسيير شئونهم وحل مشكلاتهم بحيث تتجانس هذه العلاقات والأعمال في كل واحد متجانس يمكن أن نسميه عمل اجماعة كلها لتدبير شئونها . إن البناء الكلي للجماعة يقوم على أسس هرمية تنقسم الى مراحل متدرجةمن القاعدة الى القمة(بحسب الحاجة)وشمولها من الخاص الى العام ومن الجزئي الى الكلي ، وفي كل المستويات تتجسد الحاجة والتدابير الخاصة بها في شكل نظام إجتماعي جزئي بدءا من نظام الأفراد لتدبير شئونهم وتنظيم أعمالهم الخاصة مرورا بالمؤسسات الإجتماعية الخاصة والقاعدية (الأسرة، المدرسة ..الخ)الى المؤسسات الإجتماعية العامة الى الدولة والتي تجسد ما يسمى بالنظام السياسي العام والكلي للجماعة . وفي هذا الخصوص فإن هناك مسائل تتداخل مع النظام كوعاء مؤسسي لحل المشكلات وتدبير الحاجة مثل علاقات الأطراف مع بعضهم داخل المؤسسة وخارجها ، وتولي المسؤلية العامة، وتصريف السياسة ، وكيفية الفصل بين الذاتي والموضوعي أو بين الحق العام والخاص ،و ماهية الدولة الديمقراطية ،وتعريف العلمانية فيما يخص العلاقة بين رؤية العالم والنظام السياسي ، كل هذه المسائل في حاجة الى المزيد من الإضاءة الفكرية وفق مفاهيم ونظريات علم الإجتماع السياسي الحديث. قصدنا في هذه الورقة بناء رؤية أولية ووجهة نظر تقوم على رؤية جديدة للإنسان وحريته.
2- المحور الثاني : محور الإصلاح الديني
إن قضية النهضة ترتبط إرتباطا وثيقا بقضية الإصلاح الديني، ومناقشة مسألة الدين ضرورية للحركة النهضوية لأنها تتعلق بالإنسان الذي هو محور موضوع النهضة ،ونهضة الإنسان تبدأ من داخله: تثويرا لهذا الداخل وإشراكا له في تغيير الخارج، وباطن الإنسان أو داخله هو مجال عمل الدين كما هو مجال عمل الفكر والفن ، ولو لم تكن النهضة كذلك لكانت مجرد (تشغيل) للإنسان في برامج لم يشترك في وضعها ولاتعبر عن ذاته وهذا هو عين القهر . إن حرية الإنسان التي هي أساس النهضة تقتضي النظر للإنسان من الداخل لأن هذا هو مجال عمل الحرية الحقيقي ولا معنى لحرية الإنسان إذا لم يشعر بها .
حرية الإنسان ونهضته هي أن يصنها هو ويبدعها معبرا عن ذاته وعن ضميره وعن رؤيته الخاصة وموقفه من العالم وحريته فيه ، هنا الدين يعمل ، فهل الدين عامل إيجابي أم سلبي؟ بمعنى هل الدين يعمل في باطن الإنسان في صورة دافع للنهضة أم في صورة حاجز لها ؟ هل الدين يثور الإنسان ويحرره أم الدين قيد يجمد قواه الداخلية وطاقته ويلغي عقله ووجدانه ؟ إن الإجابة على مثل هذه الأسئلة ستصبح منهجية ومرجعية لحركة الإصلاح الديني كلها لأنها في تقديري تسعى الى تحويل الدين الى عامل دفع ثوري وقوي للإنسان لتحقيق حريته ونهضته وتقدمه من خلال تصفية منابعه الأصلية من جراثيم الإنحراف التي ساقتها اليه التجربة والفعل الإنساني في التاريخ ، فما هو الدين ، وكيف يعمل في باطن الإنسان ، وما هي تجلياته الخارجية ؟ وماهي أهدافه وغاياته الأصلية؟ وما هي مؤسساته ؟ وكيف يمكن إصلاحها لتتحول الى مؤسسات إيجابية وعاملة في خط نهضة الإنسان لا ضدها؟ كل هذه الأسئلة مهمة يجب أن تضعها حركة النهضة والإصلاح الديني نصب أعينها وتعمل فيها بالبحث والتنظير لتتبين خطها الحركي وتحدد أهدافها العملية.
3- المحور الثالث : العمل الإجتماعي والثقافي
الإنسان الجديد أو الناهض هو النموذج النشط والفاعل المنتج الذي يعمل للإضافة لرسم صورته ووضع بصمته في العالم هو النموذج الخلاق أو كما يسمى في الإصطلاح الديني : الخليفة الحقيقي عن ربه الذي يعيد خلق العالم كما فعل ربه بدءا. إن واقع الإنسان الآن في مجتمعاتنا المتخلفة هو عكس ذلك ، الذي يسود الان هو النموذج السلبي للإنسان لا أقصد على المستوى الفردي فحسب ولكن النموذج الإنساني على مستوى الجماعة أو المؤسسة او الدولة...الخ نموذج سلبي منفعل مستهلك كسول متمتع باللحظة المادية والغرور الروحي متسلط على الاخرين متعالي عليهم متصارع معهم لا يستطيع الإنتاج وعاجز عن الإبداع والإضافة فاقد للذات والوعي . إن العمل الإجتماعي والثقافي في إطار النهضة يجب أن يتجه بصورة مباشرة الى محاربة التخلف أعني محاربة النموذج السلبي للإنسان وبناء النموذج الإيجابي على المستوى الفردي والإجتماعي والمؤسسي والسياسي.
إن حركة النهضة الحقيقية هي حركة إجتماعية ثقافية تنطلق من القواعد الإجتماعية الحقيقية أي المدن والحواري والأرياف وأماكن العمل وساحات الإبداع الفكري والثقافي تثويرا للإنسان بمعني قتل النموذج السلبي في داخله إحياء النموذج الإيجابي وجعله نموذجا ثوريا قويا يعمل بقوة لتحطيم قيوده ليس بالعنف المادي ولكن بالإنتاج والمزيد من الإنتاج المنطلق من دواخله ثم تتحول الى هذه الحركة الثورية الى قوة فعلية في شكل قوى اجتماعية ومؤسسات متصاعدة الى أعلى حتى يتم تتويجها بالتغيير السياسي وقطع رأس أفعى التخلف المتأبدة .
إن المضامين الحقيقية لأي عمل اجتماعي أو ثقافي يريد أن يكون نهضويا تكمن في وجوب تخليه عن أية منطلقات غير إنسانية بمعنى أن يضمر بوعي أوبغير وعي أغراض أو غايات ضد حرية الإنسان . على العمل الإجتماعي أو الثقافي يجب أن يكتشف (الإنسان) ذلك الكنز الثر المكنون داخل جوانح البشر.
سامي عثمان القريش
يناير 2008