حول مقام الختم
نزولا بين يدي نظرات سماحة مولانا الشيخ / سيف الدبن الشيخ محمد أحمد أبو العزائم ورعايته ، واستجابة لأوامره الكريمة ، أسوق هذه الكلمات ، وهي ليست على قدر طلبكم، ولا على قدر موضوعها – وأين هي من السماء ؟ ولكنها على قدر عجزها عن القيام بحق الطلب ، وحسبها أنها جهد العاجز بين يدي مولاه الكريم . فأقول وما أنا الاّ قلم لا يجري مداده (الاّ إذا الفرد أملى)
وإن أكتب فيدك لي يمين وإن أملي فآخذ عنك قولي
وبعد،
فختم كل شيء هو مختتمه ومنتهاه ومستقره ، سر قوله تعالى:"فمستقر ومستودع" والله سبحانه وتعالى هوالختم لأنه وارث كل شيء ، وإليه المنتهى والختام ، فإليه يصير الأمر ، ويكون الجمع ، حيث تجمع الخلائق في صعيد واحد ، فتجمع من كل شيء ومن كل إنسان أجزاؤه ، قال تعالى :"وكلهم آتيه يوم القيامة فردا..." 95 مريم.
فيصير التعدد في الكائنات وحدة ، ويرتق فتق الوجود ، ويتحقق الجمع الأكبر بفضل الله العزبز القهار، وتصير الألوان لوناً واحداً هو (لا إله الاّ الله) . والختم هوالوحدة الخالصة في التعدد ، وهوخلاصة الوجود ، ومركز الدائرة ، لذلك فالله سبحانه وتعالى حينما أراد في سابق إرادته القديمة أن يخلق خلقا ينجلي فيه نور وجوده وأحديته في واحديته سبحانه ، وتنجلي فيه أسرار قدرته وإرادته وكماله ، أراد ذلك أن يكون على سنة ونظام تتحقق فيه صفة الكمال المطلق فكان بدء وختام ، وكان البدء هو عين الختام ، منه بدأ وإليه انتهي ، فيه دائرة الوجود التي هي مرآة انجلت فيها صورة الرحمن حيث انطبقت الصورة على المرآة فشفت المرآة وتجلت الصورة مشرقة في الوجود . وكان الحق عز وجل قد تجلى في الوجود برحمته، وكانت الرحمة هي مركز دائرة التجلي الكلي ، ومنها بدأ الكون .ولما كان الله تعالى قد اقتضت حكمته الأزلية أن يكون(النظام والإستقامة) هي السنة ، فقد أراد سبحانه أن يفتتح خلقه بخلق يكون مظهرا للكمال- الذي هو عنوان الإستقامة- ومجلى لذاته القديمة حتى يكون مركزا لدائرة الوجود ، ولما كانت الرحمة الأزلية صفة للذات القديمة ، خلقا خلقا أسماه(الإنسان)كان مجلى للرحمة ، وملخصا لإرادة الله تعالى في الخلق ، وكان الإنسان بين معنى ومبنى ، إفتتح الله تعالى به الخلق وختمه به.
فأول ما بدأ ، بدأ بالمعنى مرادا من حضرته معنى كاملا ومجلى للذات ، فكانت الحقيقة المحمدية التي عليها وعلى نموذجها رسم الحق جل وعلا صورة الخلق عاليه ودانيه ثم بدأ - ولا زمان – بخلق الروح، ( وهي مقتضى المثنوية والتنزل الإلهي في الخلق) ومنها كانت عوالم عالين والملكوت وعمار السموات والأرض ، ثم خلق المادة(بالإنفجار العظيم) ومنها خلق عناصر الوجود الكوني والسماء والأرض وما أقلت ، ثم أختتم خلقه بالإنسان (المبنى)فكان آدم رمزا للمبنى الذي أسجد له الحق عز وجل الملائكة رمزا الى القدرة الإلهية التي تجعل من طينة حقيرة ملخصا للوجود وطلبة لكل الموجودات ، فتنفرد هي بهذا المقاتم وتكون برزخا بين عالمي المادة والروح وفوقهما ، التي تنتهي اليها حقيقتاهما معا ويكونان إمتدادا لها ولا يبغيان، قال تعالى :" بينهما برزخ لايبغيان" وكان آدم بذلك آية فريدة من آيات الحق عز وجل، مؤهلا كاملا ليرتدي حلة البدء والختام ، حلة المقام المحمدي المراد أزلا من الحق ، ولكن الله تعالى أراده (خلقا آخر) منتشرا في الأرض ليعمر ملك الله ، ويكون صورة للإرادة محققا مراد الله فيه بإرادته العبودة وتحت إرادة الله ونظره. سر قوله تعالى:" ولقد خلقناالإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين" (3)التين، وحتى تتحقق سنة الله وقانونه وهو قانون الإصطفاء الكمالي ، فمن هذا الخلق إصطفى الله تعالى خلقا ليقترب بهم الى حضرته وليقترب بهم من مركز دائرة الوجود حثيثا ، فكان السراط المستقيم ، والحق المبين الذي يميز الخبيث المبعد من الطيب المؤهل لطريق الإصطفاء حتى تتركز دائرة الوجود على مركزها ، ويقترب (المعنى) لينطبق على (المبنى) ويقترب ظهور الإنسان الذي هو(ختم) الوجود ومركزه ونموذجه فيرسل الله تعالى المرسلين مبشرين بزمان ظهوره ومنذرين الناس من هول لقاء ربهم إن لم يتبعوه،فكانوا رجالا تشرق عليهم أنوار ذلك الإنسان ومضات دلالة على إقتراب زمانه ودلالة على أنهم صلوات الله وسلامه عليهم مقدمات لظهوره قال أحد العارفين:
الرسل من قبل النبي محمد نوّابه وهو النبي الهادي
حتى ولد المصطفى صلى الله عليه وسلم فكان صفوة من صفوة كما قال صلوات الله وسلامه عليه:" أنا خيار من خيار" رجلا فردا واحدا ومظهرا أكمل لتلك الحقيقة التي أرادها الله تعالى أزلا، حيث إنطبق فيها المعنى الأزلي بالمبنى، وكانت على يديه صلى الله عليه وسلم ختام الرسالات والنبوات ، فكان رسول الله ختما وخاتما : كان ختما من حيث ما كان كعبة لدائرة الوجود عاليه ودانيه ، ملخصة فيه كل الحقائق ، ومتجليا فيه مراد الحق عز وجل ، وكان ختاما أيضا حيث ختم الله تعالى به أنوار رسالاته ونبواته ، فكان عهده عهد الرسالة الخاتمة لكل الخلق ، وكان ختاما أيضا من حيث ختم الله به وجوده الكوني وجعله (علامة) دالة مشيرا الى ذاته العلية سبحانه وتعالى.
والله سبحانه وتعالى خلق الخلق تكوينا مرتبا متجانسا على سراط مستقيم تجانسه الوحدة وتحققه الإستقامة، والإستقامة هي القانون الذي قهر به الله تعالى خلقه فسجد الكل عندها للحق عز وجل سر قوله تعالى:"وله أسلم من في السموات وألأرض كل له قانتون"الآية وعلى هذه الإستقامة تتحقق المعرفة بالله تعالى للإنسان ، وكان الوجود من حيث قربه من الله تعالى ومن دار كرامته ورحمته درجات ومقامات ومراتب ودوائر وأفلاك تدور كلها من حول قطب هذا الوجود ومركز دائرته وهو المصطفى صلى الله عليه وسلم ، ودورانها في حقيقته هو تعبير عن إحتياجها لقطبها بحكم قانون قهرها ووجودها وبحكم جواذب الرحمة الأزلية التي أشرقت من شمس ذات المصطفى ، فهذا هو قانون الجاذبية الحقيقي الذي به قهرت العوالم جميعها .
والإنسان (مطلق الإ نسان) في هذا الوجود المقهور هو الفلك والدائرة التي جعلها الله سبحانه وتعالى وسطا بين العوالم ، فهي بالنسبة إلى كون جميعه أقربها الى الله لأن الإنسان هو رمز الوجود جميعه وملخصه، قال سيدنا الإمام عليّ كرم الله وجهه:
وتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر
وهي بالنسبة للحق عز وجل فلك والمصطفى صلى الله عليه وسلّم الذي هو عبد ذات الله قطبه. لذلك فإن الله سبحانه وتعالى عندما خلق الإنسان أعاد فيه تطبيق سنته الكونية فجعل الناس من حيث قربهم من الحق عز وجل درجات ومقامات ومراتب ودوائر وأفلاك . فجعل سيرهم اليه سيرا على السراط المستقيم الذي به تكون المعرفة بالله ، ويكون القرب من الله تعالى وجعل المصطفى صلى الله عليه وسلم (وهو بشر)سراجا وهاجا يضيء للسالكين في سيرهم الى الله فهو الممد برحمته جميع العوالم وجميع البشر ما به كانوا ، وما به سيرهم اليه وهوسائر بهم جميعا الى الله تعالى حيث المنتهى والختام قال تعالى :"وإلينا المصير"وقال سبحانه وتعالى في الحديث القدسي :"خلقت كل شيء لبني آدم وخلقت بني آدم لمحمد وخلقت محمدا لذاتي فمن شغله ما خلقت له أبعدته عني.." الحديث،لهذافالبشر ألوان ومراتب وفئات ، لكل دائرة منهم (قطبها) الذي تدور حوله ، ومنه تستمد وجودها وسيرها ، وهي بحكم قربه من الحق تقترب وبحكم بعده عنه تبتعد، والعناية الإلهية هي التي تمايز ما بين الناس وترتقي بهم وتهديهم سواء السبيل ، فمنهم الصالحون الذين يسيرون على الصراط المستقيم وهم عامة الذين هداهم الله تعالى طريق الرشاد، ومنهم دون ذلك ،والصالحون يرتقون مراقي الإيمان وهي مراقي الإستقامة التي تقترب بهم من الحق عز وجل، وهي أربع (درجات) أدناها وأوسعها هم عامة الصالحين وهم أيضا درجات كثيرة، وأعلى منهم الشهداء الذين قربهم الحق عزوجل وأشهدهم جمال جنته واقتطعهم لحضرته، وأعلى منهم الصديقون وهم الذين جعلهم الله تعالى نوابا لرسله الكرام، صدقوا رسالاته فأشرقت فيهم أنوارها وتجلت فيهم أسرارها ، وأعلى منهم النبيون الذين اختصهم الله تعالى بكلامه ورسالته وجعلهم مجالي لأنواره في الوجود ، فوق ذلك ينفرد المصطفى صلى الله عليه وسلم بالمقام ، فهو فرد الله تعالى الذي جعله مجلى لذاته حتى تكتمل السنة ويتم المراد.
والصالحون ر ضوان الله عليهم ، هو الأولياء الذين تولاهم الله تعالى برحمته وتولى سيرهم اليه ، فكان الله تعالى مولاهم الحق تفضل عليهم فجعلهم مجالي لأنوار المصطفى صلى الله عليه وسلم، ومشارق لشموس أسراره فكانوا ألوانا كثيرة على قدم أسماء الحق المتجلية في شمس ذات النبيّ صلى الله عليه وسلم وكان تمكينهم فيها بقدر تحققهم بذات المصطفى صلى الله عليه وسلم وسيرهم على سنته ووراثة نوره الكلي الممد لجميع الأنوار والأسرار، والممد لجميع الحقائق، حتى يكون من تحقق فيه ذلك بكل تلك المعاني (الوارث الأكمل) للمصطفى صلى الله عليه وسلم ، وهو المتمكن من الوجود الذي يرث أول ما يرث مقامه صلى الله عليه وسلم في الوجودوهو(مقام الختم)الذي هو مقام (العبد)الكامل الذي به يكون بجوارمولاه ناعما بأنسه ، سر قوله تعالى :"سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير"(1)الإسراء،،، فالمسجد الحرام بالنسبة الى أي عبد هو إشارة الى الكينونة االإنسانية التي أسجد لها الملائكة والتي حرمها الله تعالى وكرمها وحرم جسدها على النار ، والمسجد الأقصى إشارة الى الحقيقة المحمدية الكاملة التي هي الغاية الكبرى لكل إنسان والتي أسجد لها قلوب الأولياء، والإسراء هو إنتقال الولي من كينونته ليتحقق بذات المصطفى صلى الله تعالى عليه – وتلك هي حقيقة الطريق الى الله تعالى – حتى يكرمه الله تعالى فيريه آية من آياته الكبرى وهي ذات المصطفى من حيث هي مرآة ومجلى لذات الحق عزوجل ، وهذا هو المقام السامي الرفيع الذي إذا ناله العبد من الحق كان بذلك مرادا من الوجود كله ، ومرادا من الله تعالى فيكون بذلك هو (الختم)وهو الممد لجميع العوالم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.