الاثنين، 19 ديسمبر 2011

حول مقام ختم الأولياء

حول مقام الختم

نزولا بين يدي نظرات سماحة مولانا الشيخ / سيف الدبن الشيخ محمد أحمد أبو العزائم ورعايته ، واستجابة لأوامره الكريمة ، أسوق هذه الكلمات ، وهي ليست على قدر طلبكم، ولا على قدر موضوعها – وأين هي من السماء ؟ ولكنها على قدر عجزها عن القيام بحق الطلب ، وحسبها أنها جهد العاجز بين يدي مولاه الكريم . فأقول وما أنا الاّ قلم لا يجري مداده (الاّ إذا الفرد أملى)

وإن أكتب فيدك لي يمين وإن أملي فآخذ عنك قولي

وبعد،

فختم كل شيء هو مختتمه ومنتهاه ومستقره ، سر قوله تعالى:"فمستقر ومستودع" والله سبحانه وتعالى هوالختم لأنه وارث كل شيء ، وإليه المنتهى والختام ، فإليه يصير الأمر ، ويكون الجمع ، حيث تجمع الخلائق في صعيد واحد ، فتجمع من كل شيء ومن كل إنسان أجزاؤه ، قال تعالى :"وكلهم آتيه يوم القيامة فردا..." 95 مريم.

فيصير التعدد في الكائنات وحدة ، ويرتق فتق الوجود ، ويتحقق الجمع الأكبر بفضل الله العزبز القهار، وتصير الألوان لوناً واحداً هو (لا إله الاّ الله) . والختم هوالوحدة الخالصة في التعدد ، وهوخلاصة الوجود ، ومركز الدائرة ، لذلك فالله سبحانه وتعالى حينما أراد في سابق إرادته القديمة أن يخلق خلقا ينجلي فيه نور وجوده وأحديته في واحديته سبحانه ، وتنجلي فيه أسرار قدرته وإرادته وكماله ، أراد ذلك أن يكون على سنة ونظام تتحقق فيه صفة الكمال المطلق فكان بدء وختام ، وكان البدء هو عين الختام ، منه بدأ وإليه انتهي ، فيه دائرة الوجود التي هي مرآة انجلت فيها صورة الرحمن حيث انطبقت الصورة على المرآة فشفت المرآة وتجلت الصورة مشرقة في الوجود . وكان الحق عز وجل قد تجلى في الوجود برحمته، وكانت الرحمة هي مركز دائرة التجلي الكلي ، ومنها بدأ الكون .ولما كان الله تعالى قد اقتضت حكمته الأزلية أن يكون(النظام والإستقامة) هي السنة ، فقد أراد سبحانه أن يفتتح خلقه بخلق يكون مظهرا للكمال- الذي هو عنوان الإستقامة- ومجلى لذاته القديمة حتى يكون مركزا لدائرة الوجود ، ولما كانت الرحمة الأزلية صفة للذات القديمة ، خلقا خلقا أسماه(الإنسان)كان مجلى للرحمة ، وملخصا لإرادة الله تعالى في الخلق ، وكان الإنسان بين معنى ومبنى ، إفتتح الله تعالى به الخلق وختمه به.

فأول ما بدأ ، بدأ بالمعنى مرادا من حضرته معنى كاملا ومجلى للذات ، فكانت الحقيقة المحمدية التي عليها وعلى نموذجها رسم الحق جل وعلا صورة الخلق عاليه ودانيه ثم بدأ - ولا زمان – بخلق الروح، ( وهي مقتضى المثنوية والتنزل الإلهي في الخلق) ومنها كانت عوالم عالين والملكوت وعمار السموات والأرض ، ثم خلق المادة(بالإنفجار العظيم) ومنها خلق عناصر الوجود الكوني والسماء والأرض وما أقلت ، ثم أختتم خلقه بالإنسان (المبنى)فكان آدم رمزا للمبنى الذي أسجد له الحق عز وجل الملائكة رمزا الى القدرة الإلهية التي تجعل من طينة حقيرة ملخصا للوجود وطلبة لكل الموجودات ، فتنفرد هي بهذا المقاتم وتكون برزخا بين عالمي المادة والروح وفوقهما ، التي تنتهي اليها حقيقتاهما معا ويكونان إمتدادا لها ولا يبغيان، قال تعالى :" بينهما برزخ لايبغيان" وكان آدم بذلك آية فريدة من آيات الحق عز وجل، مؤهلا كاملا ليرتدي حلة البدء والختام ، حلة المقام المحمدي المراد أزلا من الحق ، ولكن الله تعالى أراده (خلقا آخر) منتشرا في الأرض ليعمر ملك الله ، ويكون صورة للإرادة محققا مراد الله فيه بإرادته العبودة وتحت إرادة الله ونظره. سر قوله تعالى:" ولقد خلقناالإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين" (3)التين، وحتى تتحقق سنة الله وقانونه وهو قانون الإصطفاء الكمالي ، فمن هذا الخلق إصطفى الله تعالى خلقا ليقترب بهم الى حضرته وليقترب بهم من مركز دائرة الوجود حثيثا ، فكان السراط المستقيم ، والحق المبين الذي يميز الخبيث المبعد من الطيب المؤهل لطريق الإصطفاء حتى تتركز دائرة الوجود على مركزها ، ويقترب (المعنى) لينطبق على (المبنى) ويقترب ظهور الإنسان الذي هو(ختم) الوجود ومركزه ونموذجه فيرسل الله تعالى المرسلين مبشرين بزمان ظهوره ومنذرين الناس من هول لقاء ربهم إن لم يتبعوه،فكانوا رجالا تشرق عليهم أنوار ذلك الإنسان ومضات دلالة على إقتراب زمانه ودلالة على أنهم صلوات الله وسلامه عليهم مقدمات لظهوره قال أحد العارفين:

الرسل من قبل النبي محمد نوّابه وهو النبي الهادي

حتى ولد المصطفى صلى الله عليه وسلم فكان صفوة من صفوة كما قال صلوات الله وسلامه عليه:" أنا خيار من خيار" رجلا فردا واحدا ومظهرا أكمل لتلك الحقيقة التي أرادها الله تعالى أزلا، حيث إنطبق فيها المعنى الأزلي بالمبنى، وكانت على يديه صلى الله عليه وسلم ختام الرسالات والنبوات ، فكان رسول الله ختما وخاتما : كان ختما من حيث ما كان كعبة لدائرة الوجود عاليه ودانيه ، ملخصة فيه كل الحقائق ، ومتجليا فيه مراد الحق عز وجل ، وكان ختاما أيضا حيث ختم الله تعالى به أنوار رسالاته ونبواته ، فكان عهده عهد الرسالة الخاتمة لكل الخلق ، وكان ختاما أيضا من حيث ختم الله به وجوده الكوني وجعله (علامة) دالة مشيرا الى ذاته العلية سبحانه وتعالى.

والله سبحانه وتعالى خلق الخلق تكوينا مرتبا متجانسا على سراط مستقيم تجانسه الوحدة وتحققه الإستقامة، والإستقامة هي القانون الذي قهر به الله تعالى خلقه فسجد الكل عندها للحق عز وجل سر قوله تعالى:"وله أسلم من في السموات وألأرض كل له قانتون"الآية وعلى هذه الإستقامة تتحقق المعرفة بالله تعالى للإنسان ، وكان الوجود من حيث قربه من الله تعالى ومن دار كرامته ورحمته درجات ومقامات ومراتب ودوائر وأفلاك تدور كلها من حول قطب هذا الوجود ومركز دائرته وهو المصطفى صلى الله عليه وسلم ، ودورانها في حقيقته هو تعبير عن إحتياجها لقطبها بحكم قانون قهرها ووجودها وبحكم جواذب الرحمة الأزلية التي أشرقت من شمس ذات المصطفى ، فهذا هو قانون الجاذبية الحقيقي الذي به قهرت العوالم جميعها .

والإنسان (مطلق الإ نسان) في هذا الوجود المقهور هو الفلك والدائرة التي جعلها الله سبحانه وتعالى وسطا بين العوالم ، فهي بالنسبة إلى كون جميعه أقربها الى الله لأن الإنسان هو رمز الوجود جميعه وملخصه، قال سيدنا الإمام عليّ كرم الله وجهه:

وتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر

وهي بالنسبة للحق عز وجل فلك والمصطفى صلى الله عليه وسلّم الذي هو عبد ذات الله قطبه. لذلك فإن الله سبحانه وتعالى عندما خلق الإنسان أعاد فيه تطبيق سنته الكونية فجعل الناس من حيث قربهم من الحق عز وجل درجات ومقامات ومراتب ودوائر وأفلاك . فجعل سيرهم اليه سيرا على السراط المستقيم الذي به تكون المعرفة بالله ، ويكون القرب من الله تعالى وجعل المصطفى صلى الله عليه وسلم (وهو بشر)سراجا وهاجا يضيء للسالكين في سيرهم الى الله فهو الممد برحمته جميع العوالم وجميع البشر ما به كانوا ، وما به سيرهم اليه وهوسائر بهم جميعا الى الله تعالى حيث المنتهى والختام قال تعالى :"وإلينا المصير"وقال سبحانه وتعالى في الحديث القدسي :"خلقت كل شيء لبني آدم وخلقت بني آدم لمحمد وخلقت محمدا لذاتي فمن شغله ما خلقت له أبعدته عني.." الحديث،لهذافالبشر ألوان ومراتب وفئات ، لكل دائرة منهم (قطبها) الذي تدور حوله ، ومنه تستمد وجودها وسيرها ، وهي بحكم قربه من الحق تقترب وبحكم بعده عنه تبتعد، والعناية الإلهية هي التي تمايز ما بين الناس وترتقي بهم وتهديهم سواء السبيل ، فمنهم الصالحون الذين يسيرون على الصراط المستقيم وهم عامة الذين هداهم الله تعالى طريق الرشاد، ومنهم دون ذلك ،والصالحون يرتقون مراقي الإيمان وهي مراقي الإستقامة التي تقترب بهم من الحق عز وجل، وهي أربع (درجات) أدناها وأوسعها هم عامة الصالحين وهم أيضا درجات كثيرة، وأعلى منهم الشهداء الذين قربهم الحق عزوجل وأشهدهم جمال جنته واقتطعهم لحضرته، وأعلى منهم الصديقون وهم الذين جعلهم الله تعالى نوابا لرسله الكرام، صدقوا رسالاته فأشرقت فيهم أنوارها وتجلت فيهم أسرارها ، وأعلى منهم النبيون الذين اختصهم الله تعالى بكلامه ورسالته وجعلهم مجالي لأنواره في الوجود ، فوق ذلك ينفرد المصطفى صلى الله عليه وسلم بالمقام ، فهو فرد الله تعالى الذي جعله مجلى لذاته حتى تكتمل السنة ويتم المراد.

والصالحون ر ضوان الله عليهم ، هو الأولياء الذين تولاهم الله تعالى برحمته وتولى سيرهم اليه ، فكان الله تعالى مولاهم الحق تفضل عليهم فجعلهم مجالي لأنوار المصطفى صلى الله عليه وسلم، ومشارق لشموس أسراره فكانوا ألوانا كثيرة على قدم أسماء الحق المتجلية في شمس ذات النبيّ صلى الله عليه وسلم وكان تمكينهم فيها بقدر تحققهم بذات المصطفى صلى الله عليه وسلم وسيرهم على سنته ووراثة نوره الكلي الممد لجميع الأنوار والأسرار، والممد لجميع الحقائق، حتى يكون من تحقق فيه ذلك بكل تلك المعاني (الوارث الأكمل) للمصطفى صلى الله عليه وسلم ، وهو المتمكن من الوجود الذي يرث أول ما يرث مقامه صلى الله عليه وسلم في الوجودوهو(مقام الختم)الذي هو مقام (العبد)الكامل الذي به يكون بجوارمولاه ناعما بأنسه ، سر قوله تعالى :"سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير"(1)الإسراء،،، فالمسجد الحرام بالنسبة الى أي عبد هو إشارة الى الكينونة االإنسانية التي أسجد لها الملائكة والتي حرمها الله تعالى وكرمها وحرم جسدها على النار ، والمسجد الأقصى إشارة الى الحقيقة المحمدية الكاملة التي هي الغاية الكبرى لكل إنسان والتي أسجد لها قلوب الأولياء، والإسراء هو إنتقال الولي من كينونته ليتحقق بذات المصطفى صلى الله تعالى عليه – وتلك هي حقيقة الطريق الى الله تعالى – حتى يكرمه الله تعالى فيريه آية من آياته الكبرى وهي ذات المصطفى من حيث هي مرآة ومجلى لذات الحق عزوجل ، وهذا هو المقام السامي الرفيع الذي إذا ناله العبد من الحق كان بذلك مرادا من الوجود كله ، ومرادا من الله تعالى فيكون بذلك هو (الختم)وهو الممد لجميع العوالم.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


المزامير

المزامير

من سامي القريش في 19 ديسمبر، 2011‏ في 06:50 صباحاً‏‏

المزامير

كتاب الدموع..... أو

بكائية الزمن الوغد

لما ارتجت الأمم ، وتفكر الشعوب في الباطل ، قام ملوك الأرض ، وتآمر الرؤساء معا على الرب وعلى مسيحه قائلين: لنقطع قيودهما .. لنطرح عنا ربطهما..

الساكن في السموات هناك يضحك،

الرب يستهذيء بهم .. حينئذ يتكلم عليهم بغضبه ، ويرجفهم بغيظه ، ، ،

أما أنا فقد مسحبت ملكي على صهيون جبل قدسي. .

إني أخبر من جهة قضاء الرب..

قال لي: أنت إبني ، أنا اليوم ولدتك .. اسألني فأعطيك الأمم ميراثا لك .. وأقاصي الأرض ملكا لك .. تحطمهم بقضيب من حديد ، مثل إناء خزاف تكسرهم..

فالآن يا أيها الملوك تعقلوا..

تأدبوا ياقضاة الأرض..

أعبدوا الرب بخوف..

واهتفو برعدة ..

قبلو الإبن لئلا يغضب فتبيدوا من الطريق

لأنه عن قليل يتقد غضبه

طوبى لجميع المتكلين عليه

العهد القديم

مزامير 2 – ح

مزمور

حتى متى

يارب تجلدني بصمتك

ثم ترميني رجيما في حواشي الروح

معبود الأسى

والروح كهف هارب كالموت في كهف المسا

يارب

هذا القلب مستشفى الدمامة في الزوايا

إن تكن أنت الذي فوق السماء فإنه في الأرض

عذبه بصمتك

سوف يبقى ضارعا أبدا إليك ولن تخيب

هذا فؤادي

شد مئذره وطاف مسبحا

لخروج هذا الرب من ملكوته للناس

خط مداده عشرين عام

ألف عام

في دم الورقات شعرا

أن يجيء..

فلا يجيء

حتى متى يارب؟

تنساني أمد خطيئتي للناس

كفا نازفا

مجروح أنف واللسان هو اللسان

وما تبقي في دمي من وردة

قد كنتها يارب

والأشرار يكتشفونني في كل حين

في الأزقة والمسا متورطا في قبلة

حتى متى يارب تنساني

وبي مابالحقيقة من جراح

أنفخ المزمار في وجل

فتزهو

والعصافير احترقن من الصبابة

والحجارة راقصتني

والجبال

يارب حرك قبضي

لأدق رأسي بالجدار

لعلني أنسى صدى صمتي

وأهرب من مكابدة الحقيقة والجراح

يارب حركني تماما صوب هذا البحر

حتى لا أكون سوى صدى ذكرى

ومتكأ لآلاف الذين سيولدون

فيعرفون

حتى متى يارب

أبقى واحدا في العشق

والأشرار يقترفون باسمك في دم الطرقات

هذا الحزن

يحتشدون في وجهي

ويقتربون مني

يصعدون إلى رؤوس الناس

يبتعدون عني

يرفعون الرب في أقسى رماح

يخرجون من المياه

ومن لحاء الأرض مثل طحالب

بتدحرجون على التراب

يركبون عيونهم فوق المآذن

يحرقون رؤوسهم مثل الشياطين الأبالسة العظام

ويفتحون النار من أفواههم

يارب باسمك في عبادك

في جميع الآلهة

حتى متى يارب؟

أبقى واحدا في العشق

والأشرار تلهو

بالعيون الفارهة

حتى متى؟

مزمور

إني فتاك

يارب حوك قبضتي في الناس

مزماري تحطم

وانطوى حزني بواد ليس ذي زرع

وروحي في يدي

ولا فكاك

مزمور

يارب إصغ إلى ندائي

واستمع مني صلاتي

واهدني إن شئت:

بلغني السلامة في دمي إن كنت لاأقوى على موتي

وبلغني السلامة في رجالي

آلتي المكسورة الأطراف

قوسي

أسهمي وربابتي

- يارب – قلبي

والقطيع من الغنم

هذان كفاي ارتفعن إلى السماء

ورحت هذا الليل في وجد طويل واحترقت

ولم أنم

الآن .. هل يلج الجريح مفازة النور وإشراق الإله؟

مزمور .. ماقاله الشاعر لأهله وهو راحل

جاء طوفانها

ملأ الأرض والسماء

وعلى ساحل البحر كان الزبد

وعلى ساحل الموت

كان رجال لهم أعين من ذوات الخفوت

وأقلامهم من مسد

يقفزون كموتى

ولكنهم يسرقون الدماء التي لطعامهم

من نبات الجراح الأكيدة في الأرض

حتى الأبد

وحتى يجيء دمي

أفض رقاع الصباح وأبكي

لعلي أحدث عن ذات نفسي

لموتى سيأتون حتما إليّ

ويحتشدون تماما على قارعة الوقت

عند الظهيرة

ثم يكون المدد

أحدد عند الظهيرة مثل الإله مكاني

ومن قامة الشمس

أعدو إلى أي حزن وأبكي

أحدد قامته في دمي

إنني يا رفاق إحتكمت إلى الليل

عند اختصامي مع ردتي

يارفاق

أنا ميت لامحالة

محتشد

صامد في السنين

صمد

جاء طوفانها يارفاق

وعلى ساحل البحر كان الجسد

أبيض.. غامض مثل فوضى

ومغتسل بالبرد

الجراح التي في زوايا البلاد

وللأرض صوت ارتطام الحقيقة بالوعي

وعند سطوع المرايا

وعند اعتراف المساء بحكته

وانتهاء القصيدة في صمتها

وانطفاء الأبد

حدقت في دمائي طويلا وقالت:

يالك الولد المحتفي بالرحيل

يالك الولد الهجرة المستحيل

كيف تبدو سليما

ومافضها غير صمتي

وماجرحتها سوى هذه الهمهمات الخفيضة في الكون

والماء التي أكدت حكمتها في البلاد البعيدة

أو غمرت حينها اليابسة

يالها من فتاة

يالها

ياله من جسد

والآن

ياأرض ابلعي ماءك

وياسماء اقلعي

ففضاء جديد على الأرض

شمس على أي حال هنا

نهد يرتب إيقاع هذا الزمان

ويمضي كريما

يوزع إيقاعه للجميع

وخاصرة بضة من بنات النجوم

وجيد

وخد

وقلبي الذي ما أراه سوي راكبا كبرياءه

منتفخا في شموخ

سجد

جاء طوفانها

ملأ الأرض والسماء

وعلى ساحل البحر كان الجسد

مزمور

هذا فؤادي

شد مئزره وطاف مسبحا

لخروج هذا الرب من ملكوته

للناس

خط مداده عشرين عاما

ألف عام في دم الورقات شعرا

أن يجيء.. ولا يجيء

متورط هذا الفؤاد بعشقه في الأرض

مذ حملته عاشقة المرايا

بين كفيها

كتابا

ثم تفكيرا ووعيا

ثم قنبلة تقول الشعر والحمى

وتعزف في لربابة

والمزامير القديمة

والتحف

هذا فؤادي

يشتري في الأرض ألوانا من الأخطاء

ملء الأرض

ثم يجيئه متعفرا بغباره

متدثرا بشعاره

مستغفرا بنهاره

يشدو على مزماره:

يارب عد لي

نجني من أجل رحمتك الكبيرة

< لا تؤدبني بغيظك > < لا توبخني ببغضك >

خلص عيوني من دموع بللتني

من تنهدي الذي شق الفؤاد بغم عيني

يا أبي

حتى متى؟

والرب لايشقى بلحن خائف الكلمات

مرتجف الصلابة والصدى

يسقيه من نهر الجراح بصمته

يقسو عليه بناره

مزمور

هذا فؤادي

والذي نفس الفؤاد الحر في يده

" مللنا موتنا في الأرض

نحن الخارجون على نواميس الإله

حدقنا طويلا في زوايا الكون

فتشنا على اللغة الجديدة

عن يد عليا تصوغ الأرض

عن وجه يضوّء مظلمات الروح

حدثنا عن البرد الذي يكسو دوخلنا

ويفتح بابه للريح

كي تتصلب الأشياء فينا.. "

مات هذا البحر

وانكسر الشراع على السفينة

وانتهى البحار في قاع المدينة

هازيا

مترنما بجنونه

متوترا جدا ، وراقصة حجارته

وتجها بقلب واجف لله

يبكي ضارعا:

يارب حرك قبضي في الناس

لأهز جزع النخلة الحمقاء

ثم أموت منسوب الدم المفتوح لك

إني فتاك

هذي الشوارع خاصمتني

منذ أن أخرجتني بالحب للدنيا وقلت لي:

" إني ولدتك يافتى

إسأل أباك الرب

يورثك الحقيقة وألأمم.."

إلهي أهدني إن شئت

بلغني السلامة في دمي

هذان كفاي ارتفعن إلى السماء

ورحت هذا الليل في وجد طويل واحترقت

ولم أنم

الآن هل يلج الجريح مفازة النور

وإشراق الإله؟

مزمور.. ماقاله الشاعر لأهله في العودة

وحتى يجيء دمي

أفض رقاع الصباح وأضحك

علي أحدث عن ذات نفسي لأهلي

عن العشق

عن موطن ذي مرايا

هناك بسفح الجبل

تجلى لي الرب فيه – كمزن هطل

تحققت من حلم قلبي

كتفاحة يسكن السهل

- تفاحة حلم قلبي –

وللرب طعم الكتابة في الفم

للرب طعم أمسية ذات أوتار

ذات بدر يضيء

وماعز ترعى

وخمر أريحية

وفتاة جميلة

وخاطبني الرب حينا

وخاطبته بمكنون قلبي

وطاف بنا طائف

ردنا لزمان جميل كعين الحبيبة

كنت أنا ساكنا في مسائي

دمي أزرق مثل ماء الشراب

دمي أزرق

نادر كصهيل الزمان الطويل

مساء الحقول الفسيحة مثل دمي

أزرق

والقطيع يسبح

كان الحبيب اللهيب

فيوحي لقلبي

فأضحك ملء حنيني

أسامر في رءة البرق مزماره

وأغني لكم يارفاق:

تعالوا إليّ

فإني احتكمت إلى الرب

في ساعة الموت حين اختصامي مع الناس

للرب حكته أن تكون الحياة الحياة

ولكنه في هواه:

عبور القوافل سم الخياط

دخول الغني إلى ملكوت الإله

وهذا زمان تكون الحقيقة فيه:

أحقية العيش للمترفين

وللناس أن يذهبوا للإله

بأوترهم

وأناشيدهم في سفوح الجبال

يغنوا كتاب الدموع كثيرا

ويبكوا

ولكنهم عائدون

مزمور

هللويا..

سبحو ربي الذي فوق السماء

ربي الذي سمع الصلاة من الفؤاد

ومن دمي هذا

ويسمع مادعوت به بليل

في الصباح

وعند منتصف النهار

هللويا .. يادمي هذا هو الهزيان

يرفعني الإله إلى حديقته القديمة

والشوارع ضاجة بالموت

والأشرار يحتفلون بالموتى

ويحتفلون بي ضاجا بحزني

ضائعا بالحزن في ملكوت ربي

هللويا ... "لامكان الآن لك"

والرعب يسكن بالأماكن كلها

ودمي توزع في الطريق

على مخدات الشوارع

في الصخور

وفي حبالات الغسيل

دمي تشبث بالجدار

- هناك حزني –

والجدار هو الجدار

قالوا ورثنا الأرض حقا

والذي فوق السماء هناك يضحك

هازئا

ياقضاة الأرض كونوا عاقلين

ففي دمي هذي العصافير

استراحت في حدائقها

وسبحت الإله

وهذه الأشجار حين نفخت في مزمار قلبي

أوبت من وجدها

والرب غنى

والحجارة راقصتني

والجبال

الرب حرك قبضتي

سمع الصلاة وجاءني بالغضبة الكبرى هنا

وأعادني

فتحطموا يامعشر الأشرار

هللويا..

سبحو ربي بقدسه

سبحوه بماتغني الطير

ماتترنم الأشجار حزنا

سبحوه الآن بالمزمار

بالأسرار

بالأنهار

بالأمطار

بالسحر الذي في النار

بالأحجار

بالأسوار

بالموتى الذين يحطمون قيودهم

ويشققون قبورهم

ويعاودون مع الهتاف إلى الطريق

هللويا..

مارس

الاثنين، 5 ديسمبر 2011

العبد (مفهوم الحرية عند الصوفية)

بسم الله الرحمن الرحيم

العبد (مفهوم الحرية عند الصوفية)

العبد عكس الحر، وهو المملوك لصاحبه كما يملك صاحبه اي متاع آخر ، فليس للعبد أي إرادة في أمره ومعاشه وحركته وسكنته ، فهو تحت إمرة مولاه وخدمته لايستطيع أن يخرج من طوعه وقهره حتى يشتريه مالك آخر فينتقل من عبودية إلى أخرى بغير إرادة منه وبلا حول ولا قوة، وهو بذلك مقهور لصاحبه قهرا قد يصل به الى مستوى أعلى من العبودية وهو مستوى العبادة فيصير مالك العبد إلها له في كثير من الأحيان وهذا هو الأساس الذي يمكن أن نفرق به بين ما يمكن تسميته الأديان السماوية والأديان الأرضية ، فكل نظام إجتماعي أو فكر أو أيديلوجيا يجعل الإنسان عبدا لكائن أرضي مهما كان، يمثل دينا أرضيا وإن لم يسمى في التاريخ دينا ، ولكن يمكن أن نقسم الأديان الأرضية في التاريخ الى قسمين:1- ما سمي دينا : وهي كل الأديان البشرية التي وجدت في التاريخ ونلاحظ أن جميعها إستعبدت الإنسان الى كائنات أرضية أو سماوية( بخلاف الإنسان) كعبادة الشمس والقمر أو الحيوانات أو الملائكة أو غيرها من الأشياء وهي بالرغم أنها قامت على قهر الإنسان لهذه الأشياء إلاّ أننا يمكن أن نفسرها تاريخيا كمراحل إنسانية تطلبتها حاجات عقلية أو إجتماعية أو سلوكية أو إقتصادية أو حتى دينية وروحية في تاريخها ذاك،وهي كانت افي غالبها محاولة الإنسان لتحرير نفسه من تلك الظروف والحاجات بالطريقة التي هداه اليها عقله في ذلك الزمان ، لذلك فهي تكتسب شرعيتها التاريخية ولكن داخل هذا السياق وحسب . 2- ما لم يسمى دينا : وهو الذي سمي في التاريخ نظاما أو سلطة زمنية إما سياسية أو إقتصادية، ولكنها سلطة وصلت في تحكمها على الإنسان مرحلة إستعبدته فيها لأصحاب السلطة والثروة، فهو(أي الإنسان) متارجح فيها بين العبودية والعبادة فالأنظمة التي عاش فيها الإنسان عبوديته التاريخية لغيره من البشر هي أنظمة سياسية وإقتصادية وإن لم يختلط الدين فيها بالدولة ، وهذه الأنظمة هي المذكورة في الدراسات الإجتماعية بالمراحل العبودية من تاريخ البشرية ، أما الأنظمة التي عاش فيها الإنسان عبادته للأنسان هي تلك التي اختلط فيها الدين بالدولة (دولة فرعون،مثلا) وهذه بالطبع لاتجد شرعية في أي مرحلة من مراحل التاريخ . إذا اعتبرنا أن الدين هو إستعباد الإنسان فإن كل التاريخ البشري هو في حقيقته تاريخ ديني وأن الحرية المطلقة للإنسان بمعنى أن يتحرر الإنسان تماما فلا يكون عبدا لشيء وهم مطلق فقد أثبتت التجربة الإنسانية في التاريخ أن الإنسان بالرغم من هذا النضال التاريخي لإنتزاع حريته المطلقة (إطلاقا مطلقا) مازال مستعبدا ولو لنفسه، وحتى في هذا المستوى فإنه يعيش دينه الخاص (الأنانية)، وسنعود الى هذا المستوى بعد قليل.

. أما الأديان السماوية فهي التي تستعبد الإنسان لله وحده وقد مثلت مراحل تاريخية مختلفة لتحرير الإنسان من عبوديته الأرضية، وهذا ما يجعلها تختلف جذريا عن الأديان الأرضية بل على النقيض منها لأن عبودية الإنسان وعبادته لله لاتقوم إبتداء الاّ على أساس حريته المطلقة في الأرض (نلاحظ أن الأطلاق هنا لايتناقض مع نسبية الحرية) لأنه إطلاق بالنسبة الى الأرض فقط وفي هذا السياق فإن الحرية المطلقة ممكنة بشرط أن تنبني على عبودية لله، أما التحرر من الله غير ممكن إطلاقا الاّ في حال الإستعباد لشيء أرضي، وذلك فقد كامل للحرية ، لذلك فإننا نجد أن الأديان السماوية كلها جاءت لتؤكد حقيقة واحدة وهي أن لاإله إلاّ الله وهي أديان التوحيد وهي تمثل ثورة الإنسان التاريخية بل والمستقبلية لانتزاع حريته.

يلتبس في هذا العصر الحديث مبدأ الحرية مع مبدأ العلمنة خصوصا في مستواه الأيديلوجي (لا السياسي المتخصص) لأن العلمنة في هذا المستوى تنبني على إفتراض أن الإنسان قادر على بناء نفسه وحريته إنطلاقا من معرفته العلمية بواقعه وقدرته المعرفية على حل مشكلاته ولايحتاج في عصر العقل والحرية والتكنلوجيا الفضائية وتكنلوجيا الجينات والمعلومات الى دين يتوصى به ويخط له وبالنيابة عنه طريق سلوكه ومعرفته فالعقل الإنساني وصل الى مرحلة رشده ولايحتاج الى وصي .لكن وبالرغم من ذلك ولهذا االسبب تحديدا فإن هذا العصر هو أكثر العصور البشرية إحتياجا للدين، لأنه أتنج الى جانب العقل والمعرفة والحرية بل وبسببهما آلة الحرب والدمار وهدد الوجود تالبشري ذاته حفاظا على المصالح الذاتية والأيدلوجية وتلك تعبير عن أقصى مرحلة يصلها الإنسان عبودية لذاته . فهل استطاع الإنسان في هذا العصر أن يصل الى الحرية ؟؟؟؟

هذا الإلتباس بين الحرية والعلمنة هو التباس قديم ظهر في الماضي في صورة تناقض بين حرية الإنسان ومبدأ التسيير الذي تقوم عليه الأديان وهو إلتباس متوهم منشؤه إعتقاد أن حرية الإرادة هي ما يسمى بالإشباع بمعنى سعي الإنسان لإشباع حاجاته الخاصة وهو المبدأ الذي تقوم عليه الحضارة الغربية المادية .

والعبودية تختلف عن العبادة في أن السيد في المجتمعات العبودية يستطيع أن يقهر عبيده قهرا ماديا بحتا فيتحكم في أنشطتهم الحياتية ومعاشعهم ويسخرهم لمصلحته وينتزع إرادتهم ، ولكنه بأي حال لا يستطيع أن يمتلك قلوبهم ورغباتهم وينال محبتهم ويجعلهم يخدمونه برغبتهم ويبذلون له إراداتهم وأنفسهم ، وذلك فقط لأنه توقف عند العلاقات المادية مع هؤلاء ولم يخلط أمره بالدين ولم يجعل نفسه إلها لهم.وتلك هي المجتمعات العبودية ، أما المجتمعات الدينية ا لقديمة فالسيد هو الإله وعبيده هم عباد له وتلك العلاقة هي الأسوأ في تاريخ البشرية وما جاءت الأديان السماوية الاّ لتصفيتها ، وإذا تأملنا في الواقع المادي الحالي نجده ليس واقعا عبوديا وحسب بل أكثر من ذلك يمثل أسوأ الصور للمجتمعات الدينية القاهرة للإنسان والمنتزعة لحريته،فالسيد هنا هو الحاجة الخاصة والذاتية التي تستعبد إرادة الإنسان بل قلبه ورغبته، فتجعله مندفعا بكل حواسه لإشباع تلك الحاجةإشباعا كاملا والإشباع هو الإستعباد إلا أنه إستعباد ينطلق من رغبة أصيلة في النفس( ولكن في هذه الحدود تكون الرغبة مشروعة إذا أشبعت حاجات شرعية بمعنى أن تكون أخلاقية وخيرة أو موضوعية بمعنى أن تحقق حاجات أكبرقدر من الناس دون أن تمس مصلحتهم وحريتهم أو أن تحقق إحتيلجات معاشية حقيقية) ، أما إشباع الحاجات الذاتية التي تقوم على حساب الآخرين وضد مصالحهم إبتداء من خدش حيائهم وانتهاء بقتلهم ، تلك حاجات غير مشروعة والإستعباد لها بمعنى العبودية للنفس وهو ما يسمى بالأنانية بكل مستوياتها وأنواعها الشخصية أو الأيديلوجية أو الإجتماعية تصل في أقصى منتهاها إلى عبادة النفس وهو الأساس الذي تنبني عليه أيديلوجية قهر الآخرين واستعبادهم والتي تتأسس عليها الدولة الدينية القاهرة . إن الأديان السماوية في أصولها الجوهرية تؤسس لما يمكن تسميته بمجتمعات الإنسان الحر أو (العبد) في المفهوم الصوفي وهو الذي لا ترتبط حاجاته الإنسانية بأي شيء سوى الله تعالى فهو متحرر تماما من أي نوع من الإستعباد للحاجة ، بل هو يعتقد أن الحاجة للأشياء وهم فكل شيء مسخر له بمعنى أن كل حاجة هي تحت سلطة العقل ويستطيع بقليل من التدبر العقلي وبتوفيق من الله أن يحقق حاجاته كافة فلا يستعبده شيء ودون أن يتعدى على حرية ألاخرين او حاجاتهم الموضوعية .

وفق هذا المفهوم فإن للإنسان وجهتان وجهة تجاه الله تعالى يكون فيها عبدا كامل العبودية والعبادة بمعنى أن علاقته مع الله تعالى هي علاقة مزدوجة : تكوينية ووجدانية، فهو من ناحية عبد مملوك ومن ناحية أخرى عابد لله بكل وجدانه. ووجهة تجاه الوجود الأرضي أو الكوني كله لأن الأرض (في المفهوم الصوفي) هي تعبير عن كل الوجود الكوني المادي في مقابل السماء وهي الوجود الروحاني، وهو في هذه الوجهة حر حرية تمكنه من السيطرة الإيجابية على الكون المادي وتسخيره،هتين الوجهنين هما العقل والروح ، بالروح يتعامل مع الله تعالى وبالعقل يتعامل مع الوجود الكوني . الحرية وفق هذا المفهوم الصوفي لاتعني باية حال التحلل من الإلتزام كما هي في الفلسفة البراجماتية ولكنها تعني المسؤولية الكاملة ليس عن الذات أو المحيط الإجتماعي ولكن المسؤولية عن الوجود الكوني بأكمله ، لأن الحرية تعني مباشرة العبودية لله تعالى والإنسان الحر هو العبد المملوك القائم على خدمة مولاه في أملاكه بما يحب ويرضى وكل الوجود الكوني هو ملك الله سبحانه وتعالى فالإنسان مسؤول عنه قال تعالى : " إني جاعل في الأرض خليفة "