إضاءة
الحمد لله الأول والآخر والظاهر والباطن البديع المبدع ، الذي أشرقت أنواره فأضاءت كيان الوجود فتلألأ بدرر أسماء الجمال والكمال التي كانت ظلالا للجمال المطلق، جمال الذات الأحدية القديمة التي هي نور النور. والحمد لله القائل في كتابه العزيز):فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين) الآية.
والصلاة والسلام على بيت الله المعمور بالله ونور الله الدال على الله زيت مصباح الزجاجة والسراج المنير سيدنا ومولانا محمد وعلى آله سرج الهدى ومصابيح الإهتداء،وأصحابه النجوم الزاهرةالذين بأيهم اقتديتم اهتديتم كما قال صلى الله عليه وسلم..ورضوان الله الأكبر يغشى روضة إمامنا ومرشدنا الإمام المجدد السيد محمد ماضي أبي العزائم الروح المنطلقة في الوجود ومشكاة أنوار الجمال المحمديّ والهادي إلى سراط مستقيم والقائل رضوان الله عليه:
رأيت الجمال أراني الجميل فوضح جلّ إليه السبيل
ومتعنا الله تعالى وأدام لنا متعة مطالعة الجمال البهيّ في الوجه والروح والذات إسما ووصفا لسماحة سيدي العارف بالله الإمام السيد محمد علاء الدين ماضي أبي العزائم، وأدام لنا صحبة ورضا أستاذنا ومربي أرواحنا سماحة سيدي الشيخ سيف الدين الشيخ محمد احمد أبي العزائم صورة الأسرار ومرآة الأنوار المحمديّة الماضويّة العزميّة .. وبعد
فإنّ الإبحار بالروح في بحار المواجيد العزمية سفر لا نهائي الى العيون حيث منابع السحر والسكر والجمال ، سياحة في فضاء جمالي لانهائي تتفجر فيه الأنوار في مشارقها الأولية حيث بداءة الروح قبل أن تتخلق فتكون فتمازج حمأة الجسد الأولى فيكون المشهد الجمالي الأول الذي أسجد الملائكة-وهي الكائنات الروحانية-إنبهارا بعبقرية الإبداع الإلهي وعجزا عن إدراك كنه حكمة الخلق والإبداع. بل هي غياب كامل وفناء الذات وعن سياحتها في الغمر المطلق للأنوار القديمة التي هي قبل لروح ، فناء عن الذات حيث يغيب التعبير وتسجد الكلمات والمباني وتسجد الإشارات والمعاني.
إنّ حقيقة المعرفة هي إطلاق للروح من معاقلها الى فضاء الإطلاق الجمالي ، وما الحس بمقتضياته من شئون الحياة والعقل بمقتضيات الإدراك والعلم، والشعور الاّ معابر-إذا تدبرت-للروح تعبر فيها وفوقها الى عوالمها الخاصة .وماخلق الإنسان الاّ لهذا، عليه أن يكابد وعورة الطريق عبر مراحله المختلفة: مرحلة الحس المادي وغرائز الحياة ،الى مرحلة الإدراك العقلي والسمو الى الحياة العقلية من المعرفة والعلم والثقافة، ثم الى مرحلة الشعور بالوجود والفضاء الكوني والسمو الى حياة الشعور والشفافية ،ومن ثمّ الإنطلاق بالروح وفك كل تلك القيود الىفضاء الجمال فيكون الوجود كله أمام الروح لوحة ومشهدا تشهد فيه معنى ويكون المعنى مرآة تتواصل فيها مع الروح حينما ترى أصلها في مرآة المعاني فلاترى في الوجود والكون الاّ الروح الأصلي فتأنس بهذا المشهد وتغيب عن نفسها في سعادة غامرة هي سعادة الوصول:
تحنّ الروح للعليا وتهوى منازل أنسها بعد البيان
وحينما تصل الروح الى غايتها تعلم حقيقة أصلها فتشرب من هذا الكأس حتى الثمالة :
وتسعى باشتياق نحو أصل لتشرب من رحيق في الدنان
ثم بعد الصحو تعود الروح لأداء رسالتها فتفضض فضاء الكون من جديد وتملأه بالأنوار بعد أن بدلت وشربت وتلونت بلون الجمال الأصلي الذي هو الغاية الكبرى للوجود.
فالمتأمل لقصيد الإمام أبي العزائم والمتواجد مع هذه المواجيد المتمايل معها طربا ، لايرى في هذه القصائد الاّ إبحارا في محيط الجمال الإلهي الظاهر والبادي في الوجود ، بل شراب من خمر هذا الجمال حتى تشرق الروح بهذا النور وحتى تتبدل النفس وحتى يظهر التبديل في الإنسان فيكون جميلا جمالا حقيقيا ذاتا ووصفا ومظهرا وجوهرا...فقضية الجمال عند الإمام أبي العزائم رضي الله عنه هي القضية الأساسية-عند المتأمل- تكاد تستغرق كل آثاره خصوصا الأدبية منها نظما ونثرا ،وهنا نجد الإتساق الكامل في هذه الآثار الأدبية بين المبنى والمعنى أو كما يسمى الشكل والمضمون، فالجمال يحيط بهذه الآثار إحاطة تامة فالشكل جمالي نجده في لغته وفي أسلوبه وفي موسيقاه وفي أوزانه وفي أخيلته وتعبيراته وفي جزالته وتماسك معانيه. والمضمون جمالي نجده في معاني الأبيات وتنسيقها وفي فكرتها وغايتها إجمالا وتفصيلا ،والروح الشعري روح جمالي متكامل ينفذ اليك عبر الكلمات والتعبيرات والخطاب ليسري في تفاصيل روحك فتكون هذه التعبيرات الجميلة جسورا للتواصل مع روح الإمام المنطلقة في فضاء الوجود. فلا تكاد تطالع قصيدة من هذه القصائد الاّ وتشهد صورة الإمام وروحه أمامك فهو يجمع في أسلوبه بين الخطاب والتعبير الذاتي فيحول القصيدة الى مرآة شفافة تضعك أمامه مباشرة حيث تواجه الروحُ الروحَ بدون حجاب:
قد كنت أشهد فيّ قبلا هيكلا أعضاؤه قد سخرت لمرام
حتى لقد ظهرت شموس نعوته منه بسر تنزل العلاّم
فرأيتني بيت الجميل مجملا من يأته يتحلىّ بالإحرام
لذلك فإن هذه القصائد العزمية يصعب أن تصنف ضمن الشعر بقواعده وقوانينه الصارمة وقوالبه الجاهزة الجامدة التي تصلب القول وتقيدالروح وتحدد المعاني الشيء الذي يحول الشعر الىصناعة وحذق أكثر من كونه تعبيرا عن الروح . ولكن قصائد الإمام معابر للروح الى فضائها الخاص ، لذلك نجد الإمام أبو العزائم رضي الله عنه برغم صيانته لقواعداللغة وحراسته لشرفها ورفعتها الا أنه لم يستهدف في الأساس العمل اللغوي أو صناعة النظم بقدر ما كان يستهدف توصيل المعاني وربط روحه بروح قارئه من أجل ربطها بسماء المعاني الشفيفة وصبغها بلون الجمال المكنونفي الرسالة والدعوة العزمية، لذلك تراه لايعتبر هذه القصائد شعرا بل هي كما أسماها (مواجيد) تعبيرا عما يجده في القلب من تقلبات الروح في سماء المعاني ، أو هي الخمر يحتسى في الوجود كما قال:
ليس شعرا ما قلت حال شهودي بل هو الخمر يحتسى في الوجود
فمواجيد الإمام أبي العزائم ليست جهدا فكريا يبذله بعقله ولالغويا يصوغه بحسب قدرته في اللغة ، وإنما هي الهام عرفاني يفاض علىقلبه بقدر صفاء الروح فينطلق به لسانه إنطلاقا حرا يبدأ من حيث يبدأ وينتهي حيث ينتهي ، وقد يتوقف الفيض عند شطر غير مكتمل ولايهتم بعد ذلك بإكماله بل يعتبره عطاء الهيا توقف عند هذه اللحظة لايلبث الاّ ويسترسل في قصيدة جديدة ، وهذا يفسر الكم الهائل لأعداد القصائد التي تصل الى مئات الألوف مما يدل على أنها إمدادوسيل لاينقطع الاّ ويسترسل ليكاد لايمنح حتى فرصة الكتابة والصياغة والتمحيص كما يفعل الشعراء عادة بل هوإملاء مستمر لقصائد تكاد تكون مكتملة الصياغة والجمال تملى جملة واحدة بدون مراجعة.
والإمام في هذه المواجيد يعبر عن فكر راقي ومتكامل وشمولي يدل على قدم الوراثة العالية للرسالة المحمدية، ومن هذا المنطلق يتجلى تميزالفكر العزمي باعتياره فكرا جماليا خالصا بحكم المقام المحمدي الذي هومقام الرسالة الجمالية والرحمانية في الوجود والتي ماجاءت الاّ لتخلص الوجود من شقائه الجلالي لتزج به بحار من الجمال الإلهي والرحمة الإلهية الأزلية واللانهائية . الاّ أن هذا الفكر الجمالي الخالص هو في حقيقته فكر رسالي بحكم الرسالة المحمدية، بل إن هذه الجمالية في الفكر لاتظهر بصورتها الحقيقية الاّ من خلال رسالتها الدعوية ، فإن الجمالية العزمية ليست جمالية تهويمية محلقة في فضاء سماوي لاعلاقة له بالأرض والحياة ومايدور فيها ، ولكن الجمالية العزمية تجمع بين الطرفين أي الجانب الروحاني الخالص المسمى بأحمدية الرسالة أو المقام الأحمدي والجانب الدعوي والرسالي المسمي بالمقام المحمدي . وفي الحقيقة فإن الأمام أبو العزائم يختلف عن أولئك الفلاسفة الذين نظروا للجمال نظرات سطحية أو أحادية أوأيديلوجية ، فمنهم من نظر الى الجمال باعتباره شكلا خالصا ولم يهتم بالمضمون والغاية الإجتماعية والروح الجماعي للجمال ، فمهد لظهور حركات جمالية شكلانية خالص إتسمت بسمة (الموضة) والإشباع اللحظوي ، وهذه إرتبطت بالحركات الإجتماعية الرأسمالية والأرستقراطية الأوروبية ومنهم من نظر للجمال باعتباره زيفا حضاريا وبناء فوقي للرأسمالية والإقطاع ونادى بتحطيم الجمال الزائف ونادى بأن الجمال الحقيقي هو الجمال المرتبط بعملية الإنتاج الإقتصادي والإشتراكية. كل هذه الحركات والفلسفات نظرت للجمال من وجهة نظر محددة ومن جانب معين تبعا لمصلحتها االدنيوية والإقتصادية والإجتماعية. الاّ أن الإمام أبي العزائم وهو ينتمي في فكره الى العقيدة والفكر والفلسفة الإنسانية وهي فلسفة متكاملة ذات رؤية شاملة للوجود، يضع لنا تصورا متميزا للجمال ساحاول في الامستقبل إبرازه في دراسة تفصيلية لتراث الإمام ولفكره الجمالي ، المهمأن هذا التصور مستمدمن العقيدة الإسلامية الحقة التوحيدية التي تجمعبين الوجود الإلهي وهو وجود مطلق وقديم ، وبين الوجود الكوني وهو وجود محدث ، والعلاقة بين الوجودين ليسنت هي الإنفصال الكامل ولا الغتحاد الكامل فالله سبحانه وتعالى واحد أحد وهو مطلق لايحده زمان ولامكان ولايحيط به شيء وهو محيط بعلمه بكل شيء، وصلة الوجود الكوني المحدود والنسبي بالوجود الإلهي المطلق هي صلة الظاهر بالخفي والمشهود بالغيبي والظاهر بالباطن ،وهي صلة (دلالية) بحكم الخلق وبحكم كون الوجود أثر للموجد فهو دليل عليه فهذه الصلة تجعل الباطن ظاهر في الظاهر بحيث يكون الوجود مظهرا للموجد ، وهذه الصلة تسمى عند الإمام أبي العزائم ومن ورائه الفكر الصوفي الإشراقي والفكر الإسلامي عامة (بالتجلي)فالإمام أبو العزائم لايؤمن بفكرة وحدة الوجود التي تعني الإتحاد الكامل بين الوجود والموجد وحلول الله في العالم ، ولا يؤمن بالإنفصال الكامل التي تلغي الوجود الإلهي لصالح المادية المطلقة ، فكلتا الفكرتين أحادية غير توحيدية ، ولكن الإمام يؤمن بالفكر التوحيدي الذي يميز بين الخالق والمخلوق والعابد والمعبود فهما منفصلان بحكم الوجود ومتصلان بحكم علاقة الخلق والإحتياج فهي فكرة توحيدية من حيث تفريد الحق عز وجل بالصفات الواجبة له في العقيدة الإسلامية، ولكنها تؤمن بالمثنوية (ليست مثنوية الإله ولكن مثنوية العوالم) ومن ثم بتعدد الوجود ، وهو تعدد يبرز ويجلي واحدية وأحدية الحق من ورائه وفق علاقة التجلي والظهور والدلالة(تجلي الواحد في العدد، وتجلي الأحد في الواحد) ..
والفكر الجمالي عند ال‘مام أبي العزائم يستمد من هذه العقيدة ، فالله سبحانه وتعالى هو الجميل المطلق الجمال وهومنبع الجمال في الكون ، لنه أول ما تجلى في الوجود تجلى بالجمال وجعل الجمال في الكون لحكمة تؤدي في خاتمتها الى الجمال المطلق ، وحينما تنزل هذا الجمال من إطلاقه وأحديته ىالى الوجود المتعدد تجلى أسماء كثيرة ومتعددة إسمها أسماء الجمال وهي التي تفسر مظاهر الوجود الكوني كله ، لذلك فإن التأمل في الوجود وفي المظاهر الكونية إنما هو سياحة في ملكوت من الجمال المطلق والجمال الإلهي .. وهذا الجمال ظهر في الكون في مستويي الإجمال والتفصيل ، فيمكنك أن ترى الجما لفي كلية الوجود كله تعبيرا عن الجمال والنور الإلهي ، ويمكنك أن تراه في كل تفصيلة من تفاصيل الوجود . لذلك فإننا نرى أن الإمام أبو العزائم يلخص هذا الفكر الجمالي في مفهوم الكمال فالجمال إنما يتجلى في الكمال ، وبهذا حتى يدخل الجلال والقبح والشر الموجود في العالم تحت مظلة الجمال الإلهي ، وهذا لا يعني تصالح مع هذه الصفات وإنما الجمال يأتي من كونها مثل أنبوبة الإختبار لإظهار الصفات الحسنة والجميلة في الكون(الضد يظهر حسنه الضد) فهي تخدم الجمال أيضا فتكامل الصفات القبيحة عند البشر والجلال الموجود في الكون مع الصفات الحسنة والجمال إنما يبرز هذا الجمال الكوني الشامل والمطلق .
إذاً عند الإمام أبي العزائم فإن أهم مظهر للجمال بل المظهر الاساسي هوالكمال ، وكمال الوجود إنما يظهر قدرة الحق المطلقة وإبداعه الذي خلق وجودا متجانسا متسقا بهذا القدر حيث لاترى فيه عوجا ولا أمتا، يقول الحق عز وجل:"فارجع البصر هل ترى من فطورثم ارجع البصر كرتين ينقلب اليك البصر خاسئا وهو حسير" الاية..
لذلك فإننا نرى أن الإمام أبي العزائم يكثر من الحديث عن التجانس والإتساق فهويعلي من مفهوم (النسق) باعتباره مفهوما جماليا خالصا ، فاي شيء لا يكتسب جماله وصلته بالحق عزوجل الاّ من خلال كماله واتساقه ، أي تكامله واتساقه مع نفسه وأجزائه وتكامله واتساقه مع الوجودالكوني من حوله بحسب رتبته ومكانته في هذا الوجود ،وبحيث ينسجم مع منظومة الإتساق الكلي للوجود ، وهي سنة الله في خلقه، وخير مثال برز لناهذا الفكر الجمالي عند الإمام أبي العزالئم هو قصيدته (الآثار):
أسمعيني أيها الآثار لحنا بيني لي الغيب آيات ومعنى
قد أرى إتقان صنعك ثم شكلا وانتساقك في ظهورك ثم مبنى
فيك يا آثار ما حيرني قدألحت الحسن ياآثار لونا
بيني ما فيك من غيب علا جذبة حتى به آثار أفنى
رتلي الآيات فيك تلوح لي كرري التبيان ياآثار مثنى
أظهري الغيب المصون مشاهدا كي بنور الوجه ياآثار أهنى
رب أبدعت العوالم حكمة كي نرى غيبا به نحيا ونهنا
كل شيء جاذب لك منبيء كوننا عنها بها لي قد تغنى
غن لي ياكون أسمعني عسى ان أنيل جماله إنسا وجنا
ان أمكن باليقين وان أرى نور وجه قد يريني الكون حسنا
وسعن لي الخير من فضل هدى أشهد الأخفى بفضل الله عينا
واغفرن لي واعف عني رضني فالعبُيد الى رضا الرحمن حنا
وارض عني وامنح الأولاد خيرا يا مجيب السؤل كي أهنا وأغنا
والواقع فإن الإمام ابو العزائم يعبر عن فكرة(النسق الجمالي) الذي هو المظهر المادي للجمال ليس باعتباره غاية في حد ذاته ، بل عند الإمام ابي العزائم فإن الجمال نفسه ليس غاية إنما القضية هي قضية طريق يمر عبر مراحل نعبر فيه من مظهرللجمال الى الجمال الظاهر فيه ، وممن الجمال الى الجميل الذي هو منبع ذلك الجمال (نلاحظهنا الجميل ليس هوالنسق الجمالي وإنما الحميل هو الحق عز وجل ،والنسق إنما يقوم مقام الرمز إو المثال لجمال الحق كما سنبين ذلك)
إذاً فالضية هي قضية رسالية في المقام الأول ، والجمال عند الإمام أبي العزائم ليس من أجل الجمال كما روج فلاسفة الجمال الأوروبيون ، ولكن الجمال من أجل الحق ، والجما ل هو لوجه الله تعالى، فهي رسالة دعوية ذات طريق جمالي ، لذلك فإننا نجده عبر عن ذلك النسق الجمالي باعتباره (مثالا)، فالمثال هو النسق منظورا اليه من ناحية غايته الرسالية الدعوية ، والغاية من ذلك أن يحقق – أي المثال- وصل (الرائي) الذي هو الإنسان – مستهدف الرسالة والدعوة – (بالمرئي) الظاهر في المثال والذي هو الجميل الحق وهو الله تعالى. فالمثال إذاً هو الرابط في العلاقة الجمالية بين الإنسان والله. والمثال قديحقق عملية الوصل والربط أو لايحققها ، بمعنى أنه قديكون(صلة وصل) او (صلة قطع) بحسب إستعداد الرائي للرؤية، فالمرئي ظاهر في المثال ولكن هل الرائي يرى؟ إذا المثال الذي يمثل مشهدا يحتاج لرؤية نافذة من المشاهد للنفاذ الى ماوراء المشهد من المعاني النورانية والحقية هو حقيقته(حجاب) بين الإنسان المشاهد والله المشهود، هذا الحجاب يمكن أن يرفع تماما من عين المشاهد فر يرى لحظتها الاّ الوجه المقدس. ومابين رؤية الحجاب وغيبة الوجه(وهو مايسمى بالتحجّب) وبين رؤية الوجهالجميل سافررا تكمن مقامات الرؤية بحسب شفافية الرائي واستعداده. وفي الحقيقة فإن الرائي عند الإمام أبي العزائم هو مثال أيضا يتجلى فيه الجمال بصورة أكبر ، بل أكثر منذلك فإن الإنسان عند الإمام أبي العزائم هو المثال الأمثل،وهذا هوالجانب الثاني لهذه الرؤية والغفكر الرسالي ، فغاية هذا الفكر هوالوصول الى أنقى وأصفى صورة للمثال حتى تظهر أصفى صورة للحق وهي صورةالرحمن، أو مايسمى عند الإمام أبي العزائم بالمثال المحمدي أوالصورة أوالحقيقة المحمدية للإنسان. فبحكم كون الإنسان مثله مثل بقية الوجود هو أثر للموجد سبحانه يكون (مثالا)، وبحكم كونه مركزدائرة هذا الوجود الكوني فإنه المؤهل ليكون أصفى صورة للمثال ، عندها تكون الرؤية الجمالية رؤية بين المثل : بين الإنسان وهو المثال الراقي للوجود الإلهي وبين الوجود الكوني ، يرى فيه الإنسان ذاته كجمال إلهي صرف ويرى من خلال ذلك جمال الوجده طاغيا بنوره على الوجود وعليه ، فلا يرى عندها الاّ الجميل سبحانه .. والإمام أبو العزائم يمثل هذا الأمر بالمرآة والمرآة من الرؤية ، فالإنسان مرآة الوجود الكوني والوجود مرآة الإنسان، وعند تلاقي المرايا والمرائي لاينجلي الاّ الجمال المطلق ، يقول تعالى :"وفي أنفسكم أفلا تبصرون"
وأصفى مثال للجمال الإلهي على الإطلاق بحيث ينجذب نحوه الوجود كله المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي هو المثال الإلهي النقي الذي لاتشوبه أية شائبة فلا يظهر فيه الاّ النور الخالص. والله سبحانه وتعالى عبّر عن فكرة المثال هذه في سورة النوروهي أرقى صورة جمالية في سورة قرآنية ، يقول تعالى :" الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لاشرقية ولاغربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء.."
وفي إعتقادي أن هذه الاية الكريمة هي المرجع الذي يرجع اليه كل هذا الفكر الجمالي العزمي. إن الغاية من هذا الفكر الجمالي ليس الغرق النهائي في مشاهد من الجمال المطلق والبقاء في سموات شاهقة بعيدا عن واقع الحياة الإنسانية، ولكن هذا الفكر كما ذكرت هو فكر رسالي في المقام الأول جمالي من حيث لونيته ولكن الغاية منه دعوية تستهدف تخليص الإنسان من شوائبه وقبحه وتنقيته بعد غسله في بحار من الجمال الإلهي ومن ثم إعادته روحا نقية جميلة لتساهم في تصفية وتنقية الوجود الأرضي والواقع الإنساني وذلك بمساهمتها في نشر الجمال والنور الإلهي في الوجود، بل فتح الأعين المغلقة والمحجبة لترى تلك الرؤية الجمالية . وهذا الدور الرسالي للجمال يتحقق عبر تحقيق المثال المحمدي والرسالة المحمدية كرسالة جمالية أمام الوجود كله وذلك عبر تطبيق مستوييها الشرعي والذاتي في النفس الآفاق ..
تجليات تعبيرية وأسلوبية:
هذه الروح العزمية المنطلقة في الوجود ، التي إغتلست بماء الغيب وتطهرت بطهور القدس وشربت من رحيق القرآن فسكرت بشراب الصفات القدسية فاشرقت عليها شمس جمال المحبوب فتجلت في مرآتها صورة الوجه ، هذا في مقام جمعها وتلوينها ، عادت بعد تمكينها لتعبر عن تجربتها وتصف الطريق لمن تهيموا وشغلهم الوجد والشوق الى لقاء محبوبهم ومشاهدة جمال وجهه والتمتع بمتعة النظر اليه عما سواه، ولكن كيف السبيل الى التعبير والتجربة تفوق الخيال والعقل واللغة ، بل تدق عن النفس وعن الروح ، لأنها تجربة في فضاء الإطلاق الذي لاتصفه العبارة ولاتحدده الإشارة .لاسبيل الى ذلك الاّ بوصل الروح مع الروح ، ومواجهة القلب السليم من الأغيار مع القلب السليم، وفي الحقيقة فإن قصائد الإمام أبي العزائم لايصل الى عمق معناها وذوق صافي شرابها الاّ قلب خلص مما سوى محبوبه وروح راقت لراحها:
فلا خمر ولاقدح إذا عاينت إصلاحا
أما غير ذلك ، فإن هذه القصائد رموز وكنوز وطلاسم وألغاز، لاتفك الاّ لمن نظرت له عين العناية ، وجذبته جواذب المحبة الخالصة ، لأنها تعبير عن الروح قبل الفكر وعن المعنى قبل المبنى ، والروح نفسها طلسم عصي عن الفهم :" يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي" الآية.. فهي من عالم الأمر لامن عالم الخلق فلا يكاد مخلوق يدرك كنه روحه فكيف يستطيع العقل بل القلب أن يدرك كنه جمال ربه ، لذلك فإن الإمام أبي العزالئم ومن قبله من أئمة الرجال الذين خاضوا التجربة أشاروا الى التجربة لاتحكى ولايخبر عنها وهي شراب لمن أراد أن يتذوقها، والذوق معرفة وهي معرفة فوق الخبر وفوق العقل. إذاً لابد من السير على ذات الطريق حتى نعرف من المشاهدة والذوق لامن الخبر ، ومن رأى ليس كمن سمع، فعلمهم هذا علم يقين بل هو تحقيق باليقين وليس خبرا .. فلا يبقى أمامنا بعد هذا الاّ خوض التجربة والسير على طريق مشاهدة الجمال ..ولكن كيف؟ الإمام إبو العزائم يمنحنا الفرصة لنرى بأنفسنا ما رآه، فهذه القصائد ليست إخبارا عن تجربة عاشها الإمام ، وإنما هي دعوة وفرصة وباب يفتحه لنا لنلج معه حرم ذلك الجمال القدسي لنشاهد بأعيننا آيات السحر وننفذ من ورائها الى بحار النور والجمال المحمدي والإلهي.
إذاً نحن عندما نريد أن ندخل الى حرم القصائد ونتجول في مساحاتها ، لانريد أن نأتي بذواتنا مدعين المعرفة ومحاولين القراءة بادعاء التفسير ، فهذا الحرم هوالوادي المقدس (طوى) الذي طويت فيه الحقائق ، فعلينا أن نخلع النعلين : نعلي الحس والذات ، فقط نتلقى من روحه فنرى بعين القلب ونسمع بأذن الروح، واقفين بالأدب عند العجز عن الإدراك وهو يفتح لنا أبواب الدخول ..
والإمام ابو العزائم رضي الله عنه وهو يقودنا من أيدينا عبر قصائده لنخوض معه تجربة الجمال يضع بين أيدينا مفاتيح الولوج الى ذلك الحرم المقدس ، يدلنا على الطريق تارة بالعبارة وتارة بالأشارة ، تصريحا وتلويحا ، يخاطب فينا العقل مرة لنفتح أعيننا للحقائق ، ومرة يخاطب القلب والعاطفة ، ومرة يغازل أرواحنا لتسي وتنطلق محطمة قيود الحس والمادة التي هي سجن نأي، قال:
ألا خلصوا الأرواح من سجن نأيها وجدّوا لتزكية النفوس وسابقوا
ومرة يسري عبر أسرارنا الى قدس العزة والجبروت ليضعنا في المواجهة الحقة مع الحق عزوجل، وهي قمة المشاهدة لقلب صفى ورق حتى شعر ان هذا القول وهذا الخطاب إنما ينطلق من عمق أسراره الذاتية مخاطبا الوجود كله..لافقط يسمعه من غيره ولكنه روح تسري في روحه وصورة إنعكست في مرآته الخاصة .. والإمام أبو العزائم ينوع في قصائده هذه الأساليب ليخاطب بها حقائق فينا متعددة وليتقلب بنا في الوان من الجمال اللانهائي، فتارة يسكب لنا الإمام في قصائده شرابا واحدا صافيا راقيا يخاطب به فينا واحدية الروح السارية في أوصال الجسد ، وأحيانا ينوع بين المباشرة وغيرها وبين الحقيقة والمجاز وينتقل من الخطاب الى الحكي ومن الحكي الى الخطاب الى المناجاة الذاتية ، ومن الظهور الى الغموض ، ومن الغموض الى الظهور أي من البوح الى الإسرار ومن الإسرار والإشارة الى البوح حين تسكر الروح ويعلو عليها حال الشهود في الغيبة والجمع . فتصريح الذات عند الإمام أبي العزائم وتلويحها تعبير عن تقلبها بين حالي الغيبة والحضور ، أي بين حالي السكر والصحو ، فهو غائب عن الوجود حاضر مع الشهود ، ثم حاضر في الوجود مراعيا الشهود ..
في دراسة قدمت لنيل درجة الماجستير في الآثار الشعرية للإمام المجدد السيد محمد ماضي أبي العزائم، أبان الباحث سري محمد الحسن أن للإمام أسلوبان عبر بهما عن فكره ومعانيه في هذه المواجيدوهما : المباشرة وغير المباشرة ، أي أسلوبا التصريح والتلويح . فالمباشرة إستخدمها لبيان الحقائق الواضحة والثابتة في رسالته ودعوته، وذلك يتسم بعدة سمات هي :
1- منهج الإلتزام بالبحث عن الحقائق والنظر الى بواطن الأمور وحقائقها ومن أمثلة ذلك النظر الى
حقيقة الإنسان والغاية من خلقه، يقول:
يأيها الإنسان من طين فخار تكونت كي ترأى مظاهر أسراري
ومن نطفة أنشئت آيا جلية وصرت بمحض الفضل حصن قراري
2- الأسلوب الفلسفي الصوفي ، ومن أمثاة ذلك حثه على السياحة الفكرية في الكون والتدبر في آيات
الحق:
سح في السما مافوقها في العرش بل ما فوقه من غيهب الأنوار
بعد السياحة فافن عنك بمن علا عن مشهدالأرواح والأفكار
3- الحرص على إبراز قضايا المجتمع السياسية والإجتماعية والفكرية بأسلوب النصح والإرشاد.
4- النزعة الإيمانية والصوفية في السير والسلوك، يقول
كل ذنب وإن تراه صغيرا فهو نار إن لم تنل غفراني
صغر الذنب جاهل بمقامي وبفضلي وعزتي وحناني
اما غير المباشرة من التلميح والإشارة والرمزواستخدام التعبير البياني فقد استخدمها للتعبير عن الجوانب المعنوية والذاتية التي تعبر عن وجدان الذات واتصالها بمعشوقها في درجاتالوصل والتعبير المتصاعدة الى درجة الإطلاق التي يستحيل التعبير عنها حتى بالإشارة ، وقداستخدم للتعبير عن تلك المعاني أكثر من أسلوب :
1- الأسلوب الرمزي ، وله في ذلك متنوعة مثل رموز الحب الإلهي كالشوق والغرام والهيام ورموز الخمر والسكر ويشير بها الى خمر الحب الإلهي :
سقوني الراح في ليل التداني بكأس النور من بحر المعاني
ورموزاستخدمها في سياق هجومه السياسي على الإستعمار والدول الإستعمارية باستخدام مقلوب الكلمات مثل (زيلنكا) إشارة الى الإنجليز و(سنرفا)إشارة الى فرنسا وهكزا،ورموز الإشارة الى الأعوام الهجرية مثل غاشم وغاشن ورموز المناجاة الإلهية وهي رموز تشير الى الذات الإلهية مثل كان – كينون – أهيا – ديهور – دهر.
أياكان ياكينون يا فرد يا صمد أيا دهر يا ديهور يافرد ياأحد
كذلك استخدم الإمام المجدد رمز(العين) مشيرا به الى الذات الإلهية كقوله:
أهل المحبة في شوق الى العين والعين في غيهب التنزيه واللون
2- الأسلوب البياني ، مثل التشبيه والإستعارة والمجاز الكناية يقول :
وقفت مرتديا ذلا ومسكنة وحسن ظني إنقاذي من الكرب
ويقول:
لكن ووجه جميل لعين قلبي تجلى
والإمام أبو العزائم يمزج جميع هذهالأساليب بمزيج مركب من الأساليب الشكلية التي تمنح القصائد بتكاملها الداخلي والخارجي المعنوي والمبنى إتساقا جماليا متكاملا يجعلها مثلا لذات الإمام وشخصيته المتوجهة الى الحق مرتدية ثيابا من البهاء والجمال ، ومن هذه الأساليب الشكلية بعض الجوانب البديعية كالجناس والسجع والطباق بالإضافة الى لاموسيقى الداخلية في تلاؤم الألفاظ والمعنى وتناسقهما والرنين والجرس الموسيقي يقول مثلا:
التحلي بالتخلي بعد محوي لمحلي
وانفصالي عن فعالي وسروري بالتجلي
وشهودي لوجودي إنه نوريحلي
ولم يترك الإمام أبو العزائم قصائده للبناء الفني والجمالي المحض وإنما أراد لها أن تكون ذات تأثير كبير على نفس المتلقي وروحه لذلك نوع في أساليبه المعنوية فتارة يستخدم أسلوب الامر وتارة يستخدم النداء، ومرة أسلوب الإستفهام والشرط والتوكيد والنفي والإيجاب وأسلوب القصر والحذف والتكرار والتقديم والتأخير...الخ.
هذا مجمل مابينه الباحث سري محمد الحسن في دراسته التفصيلية عن آثار الإمام أبي العزائم الشعرية في جانبها الفني ، لكن في الحقيقة فإن هذه المواجيد يصعب بل يستحيل أن تستقصيها دراسة واحدة مهما كانت دقيقة وشاملة . يقول السيد محمد علاء الدين ماضي أبوالعزائم معلقا على هذه الدراسة :" .. لاريب أن مهمة الباحث كانت غاية في الصعوبة ولكن الذي نحب أن نلفت النظر اليه هو أن الباحث في هذه الرسالة قد تناول ظاهر المواجيد الإمام المجدد.. لم تكن مهمته تناول معانيها وبواطنها وأسرارها ، وظاهر المواجيد لابد أن تخضع للدراسات النقدية واللغوية ، ولنفس المقاييس التي يخضع لها الشعر العربي عامة . مع التسليم بأن مواجيد الإمام المجدد الهامية عرفانية كما أثبت الباحث.."
ولاتعليق لنا بعد هذا التعليق بل نتجه بسياحتنا في ملكوت من هذه المواجيد لابروح الدراسة والعلم العقلي ولكن بروح التمتع والشرب من رحيق يسقينا له الإمام أبو العزائم بكأس النور من بحر المعاني.
سامي عثمان القريش
2003 م