بسم الله الرحمن الرحيم
الإصلاح الديني (1)
سامي عثمان القريش
مقدمة
إن حركة الإصلاح الديني كما وردت في التاريخ الحديث هي الحركة الدينية التي برزت في أوروبا العصر الوسيط بقيادة المجدد مارتن لوثر، وناضلت من أجل تصحيح الكنيسة ضد قوى الكهنة والإكليريوس والملاّك وقادة الكنيسة الكاثوليكية الذين حوّّلوا الدين الى أداة في أيديهم لقهر العبيد وتأبيد جهلهم وتخلفهم للحفاظ على سلطة مؤبدة وأخطبوطية تغولت حتى على السلطة الملكية وأخضعتها فتحولت أوروبا الى أقطاعيات دينية في أيدي الملاك الكنسيين وتحول الناس الى عبيد للسادة والقسيسين والمفسدين ، لقدحاول مارتن لوثر أن ينتزع أي سلطة من أيدي هؤلاء ويبريء الدين من أن يكون أداة لقهر الناس فقاد الفلاحين الى ثورة دينية كانت تمهيدا لما سمي في التاريخ بحركة الأنوار التي أعادت للإنسان حريته وأعادت الإعتبار للعقل الإنساني وأعادت الدين الى وضعيته الطبيعية كمنبع أصيل للضمير الإنساني السليم . هذه الحركة حدثت في أوروبا العصر الوسيط وبداية العصور الحديثة ، فهل نحتاج نحن في عصر آخر هو عصر ما بعد الحداثة عصر تكنلوجيا الفضاء والجينات وعصر الديمقراطية وحقوق الإنسان، وفي مكان آخرتتعدد فيه الديانات والمذاهب والرؤى والأفكار وتصطرع فيه الأيديلوجيات حتى فقد فيه الدين رونقه وطبيعته الحقيقية كدين وتحول الى مجرد حركات سياسية ودينية تصطرع من أجل مصالح دنيوية بارزة للعيان لاتكاد تكون لها صلة بالسماء ، هل نحتاج في مثل هذا العصر الى أصلاح ديني؟ بل قل هل نحتاج الى دين أصلابعد أن ملأ العقل الفضاء الكوني واستطاع بكل قوة أقتدار أن يحقق للإنسان كل ما يصبواليه في حياته الدنيوية من الحرية والرفاه والحياة المدنيةالتي لم تترك للإنسان ولو دقائق ليفكرفي (الله)؟.في وقت تحولت الأديان الى أكبر محفز للصراع ونفي الآخر بل وقتله وتدميرالحضارة والإنسان بحجة الدين والجهاد والله ؟ام إننا مازلنا حتى في عصور ما بعد الحداثة نحتاج الى الدين من أجل (لجم) النفس الإنسانية السفلية والأمارة بالسوء والتي هي السبب في الحرب والقتل والتشريد ونفي الآخر وقهره واغتصاب حقوقه وانتزاعها ، نحتاج للدين من أجل السلام والمحبة والخير ووحدة الإنسانية وعناقها؟.
إن الإنسانية جميعها ، ليس في أوروبا أوالعالم الإسلامي أو غيرهما أو فيما يخص الإسلام أو المسيحية أو اليهودية فقط بل الإنسانية جميعها تمر بمفترق طرق خطير جدا فيما يخص موضوع الدين وضرورة وجوده في الحياة المدنية الحديثة ودوره فيها ، نحتاج من جديد ولمرة أخرى في التاريخ الى البحث في جوهر هذه القضية ، نحتاج الى (أنبياء) جدد لن يأتوا هذه المرة بخبر من السماء جديد ولكن (أنبياء) عقلانيين يجيبون عن هذه الأسئلة الكبرى في تاريخ البشرية .
أما فيما يخصنا ، فإننا نحتاج الى إعمال عقولنا في هذه القضية من أجل بناء النهضة الحقيقية لإنسان بلادنا والعالم وذلك لأن هذه القضية نعتبرها جوهرية جدا وفي قلب قضية النهضة الإنسانية ،لماذا؟
الدين يتعلق بالإنسان وجوهره لأن حقل عمل الدين الأساسي هوالقلب وهو المركز أوالقطب أوالكعبة التي تدور حولها كل الحقائق الجوهرية للإنسان كالعقل والنفس والغريزة والجوارح ، والنهضة في حقيقتها هي مسألة تحول في الإنسان أي تحول في هذه الحقائق من أن تكون مجرد حقائق منفعلة وسلبية الى حقائق فاعلة وايجابية وتقدمية، النهضة هي حركة من الداخل الى الخارج،من القلب الى العقل والنفس الى الجوارح الى الواقع الخارجي المادي ،تثوير لجوهر الإنسان واكتشاف لكنوزة الباطنة الهائلة،وتوظيف لهذه الكنوز من أجل خدمة الإنسان والعالم.في هذا الفضاء الداخلي يكمن الدين عاملا مؤثرا غاية التأثير، فهل الدين عامل إيجابي للنهضة أم سلبي ، هل الدين كدين عامل تقدم أم تقهقر للإنسان ؟.
وفي الفضاء الخارجي أيضا الدين موجود ، في شكل مؤسسات ونظم وقوانين وقوى إجتماعيةوسياسية وعادات وتقاليد وتابوهات ، فمتى تكون هذه القوى والمؤسسات عوامل دفع وتقدم للإنسان ومتى تكون عوامل قهر ؟. هذه هي قضيتنا التي يجب ان نعمل فيها عقولنا للإجابة عن هذه الأسئلة ، هذه هي بالضبط الأسس التي تقوم عليها حركة الإصلاح الديني.
· الدين والعقل :
هل يجوز(دينيا) البحث في مسألة الدين بطريقة عقلانية؟ وبعبارة أخرى هل يجوز إخضاع الدين للعقل ليكون العقل هو المرجعية النهائية للحكم على الدين؟ إن المنطق الديني البسيط(التقليدي) يرفض ذلك لأن الدين في الأصل مسألة غيبية ومرجعيته الأصلية هي الوحي بمعنى أنها خارج نطاق البحث العقلاني وفق منهجيته المادية التي تقوم على الشك والتجريب المادي، ولكن التعامل مع الدين يجب أن يتم بطريقة إيمانية بحتة بمعنى التصديق القلبي بالوحي أو عدمه ، نعم الدين يعتمد العقل لإيجاد الدلائل على (صدق)الخبر السماوي –كالتدبر في الآيات مثلا- ولكن المحك الديني هو التصديق القلبي والغرض من العقل هو دعم الإيمان، بل إن العقل نفسه جزء من هذه الدلائل باعتباره حقيقة جوهرية وغيبية في الإنسان تدل على وجود خالق مبدع لها ، إذاً العقل لايستطيع أن يكون حاكما على الدين إطلاقا في حين أن مرجعيته(أي الدين) لأثبات دلائله هي مرجعية دينية وغيبية. نحن هنا في مفترق طرق بين العقل المادي والإيمان الغيبي ، ونحتاج حتى نحكم على الدين لإعادة تعريف العقل نفسه لأننا وبالرغم مما قدمنا نجد في الدين حث بل وإصرار وتوكيد وتكرار لهذا الحث لإعمال العقل في الكثير من الأمور المتعلقة بالدين والغيب ، الاّ أن العقل الذي يتم تعريفه في الدين يختلف عن العقل كما نستخدمه نحن في حياتنا الدنيوية وفي بحوثنا المدنية ، فأي عقل من هؤلاء نعتمد في بحثنا في مسألة الدين والإصلاح الديني. إننا أمام مشكلة معرفية حقيقية أمام عقلين كلاهما يتناقض مع الآخر : عقل مادي حين النظر عبره الى الدين يذهب مباشرة الى تجريد الدين من عنصره الغيبي ولايعترف الاّ بالمشهود المدروس بنيويا وتاريخيا منه وبالتالي يحول الدين الى مجرد حركة تاريخية أو تراث جماعي أو ثقافة شعبية ويجرده من أهم خصائصه كدين مصدره الغيب، وعقل إيماني(كما يبدو عند القوى الدينية التقليدية) يبدو مسلما تسليما أعمى للغيب والنصوص المنقولة مجردا ذاته من أهم خصائصه كعقل مجمّدا لها إذاء النصوص الدينية موظفا نفسه إذاء هذه النصوص كمتلقي سلبي وحفّيظ. علينا البحث عن شيء آخر يكون حاكما على الكل نستطيع من خلاله أن نختار العقل الذي نريد ونستطيع أيضا أن نبحث في قضية الدين بإطمئنان ، فما هو هذا الشيء؟إنه حاجتنا الإنسانية للتغيير والبحث عن الأفضل لنا إجتماعيا أو ثقافيا أوحتى وجدانيا ، وهذه الحاجة لاتحتاج لدليل عقلي أو بحث علمي لأثباتها أو دين لتوكيدها ، إنما هي حاجة إنسانية واقعية وشعورية تؤكد نفسها بنفسها(يجب ان ننتبه هنا الى أن هذه الحاجة ليس المقصود بها الهوى بل يجب ان تكون محكومة بالضمير الإنساني الأخلاقي الذي يعمل من أجل مصلحة الكل والغير لا المصلحة الذاتية المجردة من الأخلاق) ، والإنسان هو الحاكم النهائي على الدين والعقل كليها باعتبارهما مجالات نشاطه العقلي والوجداني.
إذا ماهو العقل الذي نريد وفقا لهذا المفهوم الإنساني ؟. إن للدين بعدان جوهريان متعلقان بالإنسان: بعد ذاتي وهومسألة الإيمان وعلاقته بربه واعتقاده فيه ،وبعد موضوعي وهو الأشكال الخارجية التي يظهر فيها الدين من خلال اللغة والسلوك والعلاقات الإجتماعية والمؤسسية والسياسية ... الخ والعقل هو الكيفية التي يدرك بها الإنسان هذه الجوانب ويتعامل معها. الجوانب المادية التي هي الأشكال الخارجية للدين بعد تمظهره خاضعة للحكم العقلي والبحث العلمي في صورته المادية والمدنية سواء كان من حيث البنيات الداخلية والتنظيمية والكيفيات أو من حيث البنية الخارجية بمعنى علاقاتها الإجتماعية وأثرها النفسي أو من حيث تطورها التاريخي ، يستطيع الإنسان أن يطوروعيه بهذه الأشكال الظاهرية للدين وعلاقة إنتمائه بها باستخدام العقل ، أما الجوانب الوجدانية أوالروحانية للدين فلامجال فيها للبحث المادي(التجريبي) باعتبارها جوانب غيبية ومعنوية يمكن أن نسميها(فوق نفسية) إن وعي الإنسان بهذه الجوانب يظل وعيا (عقل عاطفيا) متعلقا بإيمانه وتصديقه لها ، إن التناقض الظاهري بين العقل المادي والوعي العاطفي يخلق إستقطابا حادا تجاه الدين يصل الى مرحلة رفض كل طرف للآخر رفضا تاما ونفيا له، والسبب في ذلك التمركز الشديد لكل طرف حول مركزه الذاتي لأن هذه طبيعةالذات البنيوية التي تميل الى الظن أنها مركز العالم ، والحل لهذا الإستقطاب هو التنازل من كل طرف للآخر والإعتراف به باعتبار أن العالم يسع الجميع ، والإعتراف يخلق شكلا من أشكال الوحدة والتكامل بين الطرفين يمكن أن نسميها ب(العقل الإنساني المثنوي والجديد) سميناه بذلك لأنه يجمع بين جانبي الوعي الإنساني : العقلاني والعاطفي ، وهو بذلك يمثل الجوهر والقلب والمركز للإنسان ، ومن خلال هذا القلب أو العقل يدرك الإنسان ذاته وعلاقته بالعالم بصورة شاملة ودقيقة. وفي الحقيقة فإن هذا العقل الإنساني ليس بالأمر الجديد في حركة الإنسان في التاريخ ، فإن هذه الحركة عبر التاريخ وعبر كل جوانبها العقلية والوجدانية أو الثقافية لم تعرف الفصل بين هذين الجانبين ، وقد تم التعبير عن هذا العقل في كل النصوص الدينية (يتم التعبير عنه في القرآن بمصطلح اللبّ أو- القلب الذي يعقل-) ولكن الفصل والإصطراع نتج في التاريخ نتيجة الصراع بين المؤسسة الدينية والمؤسسة الزمنية وهو الصراع الذي أنتج إبعاد ماسمي عندالفلاسفة الماديين الذين أنتجتهم حركة العلم التجريبي في أوروبا ب(العقل الحدسي)والإكتفاء فقط بالعقل المادي الذي قامت عليه كل الحضارة المادية الحديثة وموقفها من الدين.
الدين من الداخل:
الدين(في أصله) بمعنى -قبل تمظهره- هو عبارة عن علاقة وجدانية/إعتقادية مع موجود غيبي لايستطيع الإنسان أن يدركه حسا أو يدرك حقيقته عقلا ولكن شعورا يدرك أنه موجود في حياته ومؤثر فيها ،وهو يعتقد ويتطور هذا الإعتقاد مع تطور العقل باتجاه الشمولية والكلية والإطلاق أن الله هو خالق الوجود ومدبره والمحيط به بصفاته من الوجود والعلم والقدرة والإرادة والحب والقيومية والتدبير والرحمة ...الخ إن مصدر هذا الشعور الذي يدعم الإعتقاد ليس هو العقل المادي أوالحسي الذي يتعامل مع المحسوسات مباشرة ولكنه العقل الفوقي أوالحدسي الذي يتعامل مع كليات الوجود ويشعر ويؤمن بوجودها ، هذا العقل يخبره دائما أن وراء هذه المادة ذات غيبية خالقة ومتحكمة فيها ولابد من التعامل مع هذه الذات، ويخبره أن هذه الذات خالقه له هو أيضا وقائمة على كل حركته وسكنته ، وهذا الإدراك يفرض على الإنسان إن يقيم علاقة مع الله ، وهي علاقة ذات طبيعة خاصة لأنها بين طرف حسي وآخر غيبي ولها نظام خاص هو نظام تربوي في الأساس لأنه يهدف الى هدف معين، إذاً يمكننا أن نحدد أسسا لنظام العلاقة الدينية العقل قلبية مع الله :
- الرابط الأساسي بين الطرفين .
- العوامل التربوية الدافعة لتحقيق الهدف.
- الهدف نفسه كدافع.
هذه العوامل الثلاثة مترابطة ومتجانسة في كل واحد.
أولا: الرابط الأساسي بين طرفين هما الرب والعبد – والرب من التربية – أي القائم على تربية الإنسان بالإيجاد والإمداد وتربية السلوك وتحقيق الهدف المقصود ، وبالرغم من شكل التناقض القائم بين الرب والمربوب الاّ أن الرابط الأساسي بينهما هو الحب والمقصود به علاقة التجاذب بين الطرفين، إذاً هناك جدلية في هذه العلاقة أشبه بما يدور في داخل الذرة من خلال قوى الطرد والجذب المركزية ، فقوى الطرد ناتجة من خلال دوران الألكترون حول النواة وهو بذاته الدور الذي يقوم به العبد في مواجهة ربه، وقوى الجذب من وجود كتلة النواة التي تواجه كتلة الألكترون وهي المواجهة بين ذاتي العبد والرب ، وهذه الجدلية تتجلى في مفهومين أساسين هما العبادة والعبودية أو الحب ، العبادة هي السلوك الظاهري الواجب على العبد والتي تدور حول معبود واحد ، وهي مسألة قاسية ومنفرة كما قيل ( طريق الجنة محفوف بالمكاره) فهي قوى الطرد بين الطرفين وتعبر عن جانب الجلال في الله الذي يظهر(كمعبود) عالي وقهار وتظهر من خلال أسماءالجلال المختلفة. أما العبودية أوالحب فيظهر عندما يشعر الإنسان بالمواجهة المباشرة مع ذات الله (وهي حالة روحانية تسمى بالحضور) والعبودية حب لان الإنسان عندما يواجه الذات العلية يعلم أنه لاشيء لأن كل مافيه من الله فهو المالك الكلي لذات الإنسان إذاً الإنسان لايملك ذاتا يحب بها ربه إنما الذي يحب الله في الحقيقة هو الحقيقة الربانية في الإنسان فهي تحب أصلها ، أو بعبارة أخرى إن المواجهة تعني أن كل طرف يرى حقيقته في الآخر ، والحب في الحقيقة حب للذات فالعبد حينما يواجه الله لايشهد الاّحقيقة كونه عبدا فقيرا كامل الفقرلله ، والله حينما يواجه الإنسان يحب أن يشهد ربوبيته من خلال إفتقار العبد اليه ، هذا هو الأصل الأول الذي يقوم عليه الدين وهوالرابط الأساسي بين الله والإنسان .
ثانيا العوامل التربوية في العلاقة بين الإنسان والله : المقصود بالعوامل التربوية الوسائل التي عن طريقها يسلك الإنسان الى الله يعني تحقيق هدفه وهما عاملان يتفرعان الى عوامل كثيرة تفصيلية لامكان هنا لشرحها . هذان العاملان هما الخوف والرجاءوهما الذان يتجليان في الدين كنظام تربوي فيما يعرف: بالثواب والعقاب،وتتجلى الشريعة كلها كنظام عملى وسلوكي يهدف الىتحقيق الأهداف التربوية المنشودة. الخوف والرجاءفي العلاقة الوجدانية مع الله تعالى يمثلان الإطار السلوكي والمعرفي لعلاقة مركزها الحب، فهما حافتي الوادي المقدس والسراط المستقيم وهما دوافع نفسية تدفعه دفعا للإقتراب من الله فهو يفعل مايرضي الله ويقربه منه خوفا من جلاله ورجاء لجماله وهما مع الحب يشكلان النظام الثلاثي الأبعاد الذي يحقق الهدف، ولكن ماهو الهدف؟
ثالثا : الهدف من هذه العلاقة هي الوصول اليه بمعنى التحقق بالحقائق الربانية، والتحقق يعد ارفع مستوى من مستويات المعرفة والتي هي الهدف النهائي والغاية الكبرى للدين، قال صلى الله عليه وسلم:"واتقوا الله ويعلمكم الله".حتى يحقق في ذاته صورة الكمال الرباني التي هي إنعكاس الحقائق الإيجابية على مرآة الحقائق السلبية(العز والأمن والغنى والقوة.../الخوف والإفتقار والتذلل والضعف...) الإنسان الكامل هو العبد الكامل لله وهي غاية الأديان جميعا لم يستطع أن يبلغها الاّ الذين وفقتهم يد العناية الإلهية من الأنبياء والأولياء.والسبب في ذلك أن طريقها محفوف بالمكاره لأن الإنسان الذي يسعى الىالله يجب أن يتخلى عما سواه وماسوى الله هو ذات الإنسان نفسها بمعنى أن يتخلى عن ذاته نفسها التي تتعلق بشئون الحياة من القوة والمنعة والتسلط والرفعة الظالمة للآخرين وهذا يعد من أصعب الأشياء. القضية هنا ليست قضية زهد بقدر ما هي قضية حرية وأخلاق والسؤال الذي يهمنا في هذا الموضوع هو: هل هذه العلاقة تشكل عامل دفع أم صد لنهضة الإنسان وانطلاقته الدنيوية ؟ هناك سؤال فرعي ولكنه أساسي وهو:ماهي علاقة الإنسان بما هو(سوى)و(غير) الله في إطار علاقته بالله؟ هذه القضية يحكمها مبدأ التوحيد المتجسد في عبارة (لا اله الاّ الله)وهي عبارة سلوكية بمعنى أنها أداة مهمة في يد الإنسان في سلوكه الى الله وهي مَركبُه أو (بُراقُه)الى الله . وهي في نفس الوقت الأساس الجذري لحرية الإنسان على الأرض ،والأديان جميعها في حركتهاالأرضية ماجاءت الاّ لتؤكد هذه الحرية وتحرر الإنسان ، فكلمة (اله) واسعة المعاني والدلالات وليس المقصود المعبود بمعنى مجردالعبادة المعروفة فقط، ولنا أن نتساءل هنا عن معنى العبادة نفسه هل هي مجرد أداء شعائر دينية معروفة في أطار الأديان المعروفة إجتماعيا في التاريخ أم لها معنى أوسع من ذلك؟ إن الشعائر ماهي الى وسيلة ومظهر خارجي وليست العبادة نفسها، والعبادة هي التعلق القلبي بالإله ، واله الإنسان هو كل مايتعلق قلبه به وهو ما(يأله) اليه بمعنى يحتاج اليه ويجعله أساسه ومرجعه في كل شأن ،أي هو القيد المطلق للإنسان ولايوجد من يستحق ذلك دينيا الاّ الله تعالى ، وهذا يعني أن كل ما سوى الله من الموجودات الكونية لاتستحق أن تستعبد الإنسان بل على العكس هي دونه وهي التي تحتاج وتلجأ اليه بمافي ذلك نفسه وهو لايلجأ الاّ الى الله وهذه هي قمة الحرية.
بهذه الطريقة يشكل الدين في وعي الإنسان رؤية للعالم تتمركزحول وعي بالعالم سميناه (عقلوجداني)يقوم على المنطق الحدسي باعتبار الإنسان منصة للوعي بالعالم الخارجي بما يتطلبه من إنعكاس لهذا العالم في وعي الإنسان. إذاً هي رؤية تستند على ثلاثة عناصر جوهرية هي:الإنسان – العالم(بشقيه المادي والوجداني) – الله . هذه الرؤية تعتبر أكبر محفز على الإطلاق لحرية الإنسان في العالم ولنهضته فيه لأن الإنسان يمثل الصلة الجوهرية بين الله والعالم لذلك فله علاقة مزدوجة مع كلي الطرفين، وكل منهما شرط للأخرى فالعبودية(لله) لاتتحقق الاّ بشرط الحرية والحرية لاتتحقق الاّ بشرط العبودية، أكثر من ذلك ، فبما أن الإنسان صلةالعالم بالله والعكس فالله يظهر للعالم من خلال الإنسان (رمز آدم) وهذا هو سر تسخير العالم للإنسان فهو طوع إرادته الحرة التي تظهر من خلال العبودية، ومن جانب آخر فإن الله يظهر للإنسان من خلال العالم في صورة كمال جلالي جمالي فيتحول العالم بين يدي الإنسان الى معراج وحقل إمداد لانهائي يتخلق فيه الإنسان من جديد وبإستمرارلانهائي.
الدين من الخارج:
المقصود هنا شيئان:
- الدين كسلوك شخصي يعلق بالعبادات من ناحية ومن ناحية أخري كأخلاق ومعملات.
- الدين كمؤسسات إجتماعية وجماعات ، سياسية كانت أم فقهية.
لقد جسدت الأديان في التاريخ الإنساني على هذا المستوى صورا لتطور العقل الإنساني حسب ظروفه التاريخية وحاجاته المعيشية في كل مرحلة ، فالأديان المختلفة وبكل أشكالها الأرضية والسماوية تجسد ذلك وتعبر عنه ليس ذلك فحسب بل كان لتلك الأديان أكبر الأثر في تطور صورة العقل إيجابا أو سلبا . فالدين هو إنعكاس للعقل وفي نفس الوقت هو باني لهذا العقل وصانع له ،وفيما يخص الدين فلا يمكن أن نفصل فصلا جذريا بين (الداخل) أو العقل وبين (الخارج) ، فالدين هو نتاج تفاعل الإنسان مع الوجود الكوني بشقيه المادي والروحي أو هو إبداع إنساني خالص مصدره الوحي (العقل الحدسي) متفاعلا مع العقل المادي أو صورة العالم كما يفهمها الإنسان في تاريخه ، وعموما في أي مرحلة من مراحل التاريخ يمكن تقسيم الدين على مستواه الخارجي إلى مؤسستين :
* مؤسسة فردية أي الدين على مستوى الفرد وعلاقته بالوجود الكوني :العالم والله والناس، * العالم : أي علاقته بالأشياء المادية وكيفية التعامل معها* والله : بالنظر إلى الطقوس الدينية وأشكال العبادات المختلفة * والناس : بالنظر إلى أخلاق الفرد وأشكال تعاملاته الإجتماعية والاقتصادية والسياسية معهم ، وفي هذا الإطار يمكن التعرف على ثلاث بني أساسية مشتركة في كل مرحلة تحكم هذه المؤسسة وهي
- المعرفة .
- المهارة أو الجودة .
- الإتجاه .
وبحسب هذه البني يمكن الحكم على الدين في هذا المستوى باعتباره دينا إيجابيا أو سلبيا ، بالطبع فإن الدراسة العقلية المادية (الأمبريقية) تستطيع تتبع والتحقق من الآثار المادية أو النصوص والحكم عليها وفق المناهج التحليلية والمقارنة ، أما الحكم على الدين ككل في أي مرحلة من المراحل يحتاج إلى إعمال العقل المزدوج أي العقل المادي - الإنساني بإستصحاب الإتجاهات الدينية في كل مرحلة . وفي هذا المستوى يمكن القول أن الدين الإيجابي هو الذي يستطيع أن يرفد الفرد بالمعرفة التي تؤهله لتجاوز أوضاعه المتخلفة للإرتقاء إلى أوضاع أفضل ، كما يستطيع أن يملكه المهارات االعملية والإجتماعية التي بها يساهم في تطوير واقعه ، كما يعطيه القدرة على تحقيق إتجاهات إيجابية في تعامله مع الوجود والكون .
· مؤسسة جماعية : أي تكوّن الجماعة الدينية كهياكل تنظيمية وكقواعد أخلاقية وكقواعد تنظيمية وقوانين ، إن بناء المؤسسة هو إنعكاس لذوات أصحابها ، إن الهدف الأساسي للمؤسسة الدينية هو تربية الأفراد على أساس الدين بحيث يصبح الأفراد صورة متحركة لهذا الدين فهي مؤسسة معرفية وتربوية في الأساس ، والمؤسسة الدينية في أي وقت من الأوقات تمثل أفراد ذلك الدين وقد تتناقض معهم بحيث تتحول من مؤسسة معرفية وتربوية تساهم في تطويرهم إلى سلطة عليهم وحينها تصبح مصادر المعرفة شيئا آخر غيرالمؤسسة : التجربة الفعلية المادية للأفراد أو إستبطانهم الذاتي ، وإذا حدث تطور ما في وعي الأفراد بالعالم حسب تطور احتياجات جديدة في هذه الحالة تصبح المؤسسة الدينية مؤسسة تقليدية ويعمل الأفراد على تطويرها بالتفاعل مع قياداتهم الدينية فإذا كان هناك توافقا على أهداف التغيير حدث ذلك بصورة سلمية وتجدد الدين، أما إذا عملت القيادات الدينية على المحافظة على الأوضاع القديمة ومحاربة التغيير أصبحت المؤسسة الدينية وبالاً على الجماعة ويجب تغييرها بصورة ثورية لأنها تقف حائلا أمام نهضة الأفراد وحريتهم الذاتية التي قوامها المعرفة والمهارة والإتجاه الإنساني ، بديلا عنها يبدأ الأفراد في بناء مؤسسات جديدة تمثل مرحلة جديدة من مراحل تاريخ الجماعة.
فيما يخص النهضة الإنسانية الحديثة فإن الإصلاح الديني في مستوييه الفردي والجماعي يحتاج بدأً - كما أسلفنا – إلي ثورة على المستوى الثقافي والعلمي العام نستطيع من خلالها تطوير المفاهيم المعرفية والمنهجية التي من خلالها نحدد معايير إصلاح المؤسسات التربوية والقانونية والتشريعات وفق رؤية إنسانية إيجابية كما نحتاج إلى ثورة إجتماعية عميقة نستطيع بها إنتزاع السلطة الدينية من أيدي القوى غير الإنسانية التي تتزيا برداء الدين والتي تقف حجر عثرة ضد حرية الإنسان.
سامي عثمان القريش
منبر أصدقاء الإنسان الجديد
2007
بسم الله الرحمن الرحيم
الإصلاح الديني(2)
سامي عثمان القريش
مقدمة
إن قيام حركة ثقافية ذات بعد واهتمام خاص بقضية الدين وعلاقته بالمجتمع والتطور الإنساني مسألة تقتضيها الحاجة الملحة إجتماعيا وسياسيا للنهضة، فالدين يمكن إن يكون عامل دفع قوي جدا لعملية النهضة باعتباره منبعا جوهريا لثورة الإنسان من اجل حريته ومناهضته الظلم والقهر والإستعباد .إن واقع الدين متمثلا في مؤسساته الإجتماعية والسياسية يدل على إنحراف كبير وتأويل فاسد للحقائق الدينية إستمر أزمانا طويلة وخلق حالة من الإعتقاد البدهي أن أصل الدين هو قهر للإنسان بما يتجلى فيه من أسماء القهار والمنتقم وغيرها المسماة بأسماء الجلال والتي إنعكست وتجلت في بناء المؤسسات الدينية التي (تنوب عن الله ) - كما يشاع- في إستخدام هذا القهر لإستعباد الناس للناس بدلا عن الله . هذا الأنحراف خلقته المؤسسات الدينية (المقصود بالمؤسسات الدينية كل الجماعات الفكرية أو السياسية أو الدينية) والتي إرتبطت مصالحها عبر التاريخ بالسلطة السياسية لتلعب معها أدورا متكاملة : تبرير الفساد وارتكاب الظلم والكبائر في مقابل الحفاظ على سيادة فكرية وعقدية بين الناس، وللحفاظ على هذه السلطة ومن ورائها مصالحها الذاتية عمدت الى تأبيد حالة الجهل بالدين من خلال الغائها للعقل لمصلحة النقل الذي تحتكره هي بالذات وتحتكر تفسيره.
إذا أردنا أن نقيم إصلاحا للدين بمعنى إعادته لأصله الإنساني الذي لايستعبد الإنسان الاّ لربه، لابد لنا من هذه التحديات والمهام:
1- إعادة الإعتبار ل(العقل الإنساني) –لا أقصد العقل في صورته المادية المجردة كمعيار وحيد ، بل العقل الإنساني بشقية المادي والوجداني أي الحدسي - كحاكم على الدين والدنيا وكمرجعية نهائية لكل حركة الإنسان في التاريخ.
2- إصلاح المؤسسة الدينية لتتحول من مؤسسة ذات (سلطة) دينية على الإنسان الى مؤسسة تربوية وإرشادية مجردة، إذ لاوجود لما يسمى بالسلطة الدينية في الدين الاّ سلطة الله على الإنسان التي يمثلها الضمير الإنساني الحي، ومهمة المؤسسة الدينية هي تنمية هذا الضمير الإنساني الرباني وتربيته وليس إستبداله بسلطة خاصة في يد قادة هذه المؤسسة .
3- إصلاح المؤسسة السياسية لأنها مؤسسة زمنية تختص بشئون الناس الدنيوية ، وتفويضها جماعي بمعنى أنها ملك الجماعة التي تمثلها وتعبرعن الذات الكلية لها ، فقد خرجت بذلك من الدلالة الذاتية الى الدلالة الموضوعية ، فالحاكم فيها هذا التفويض المتجلي من خلال التشريعات والقوانين التي تتوصل اليها الجماعة وتتفق حولها بعد المناقشة العقلانية حول أحوال الجماعة وشئونها وحاجاتها ولايحق لأي طرف من أطراف الجماعة أن يفرض تصوراته الخاصة بحجة الحاكمية الدينية ، فحاكمية الدين موجودة ولكنها على الضمير وحسب(حتى على ضمائر أصحاب السلطة).
إصلاح الدين في السودان :
في السودان أديان كثيرة ومتعددة وثنية وسماوية الى جانب وجود أفراد وجماعات وثقافات لادينية أو تمتلك ضميرا الحاديا يشكل في ذواتهم ضميرا مالكا وحاكما ومرجعا لرؤيتهم الكونية ولكل حركتهم في الحياة . الاّ أن الأديان الرئيسية في السودان والتي ترتبط إرتباطا وثيقا بالمجتمع ككل من خلال وحدته وتطوره هي الإسلام والمسيحية . السؤال الجوهري هنا وفيما يخص حركة النهضة الإنسانية في السودان هو : هل تستطيع هذه الأديان والضمائر إن تعمل من أجل مصلحة الإنسان السوداني كإنسان وحسب (أي بصرف النظر عن إنتمائه العرقي أو الشعوبي أو الثقافي او الأيديلوجي) حقه في الحرية والتطور والمساواة أم تعمل على عكس ذلك ؟ هذا سؤال مرجعي ومنهجي لتحديد موقفنا من /وعلاقتنا مع هذه الأديان ومحاولتنا لإصلاحها .
إن وجود تعدد للأديان وخصوصا في أوضاعها (الزمنية) يخلق حالة أشبه بالصراع أو الحرب الدينية نفسية كانت أم فكرية إن لم تكن حرب فعلية وسياسية، بل أكثر من ذلك عنيفة وإرهابية. والدين باعتباره رؤية للعالم يمكن أن يصبح اشد رؤى العالم نفيا للآخر ورفضا له ليس فقط لأنها تتمركز حول نفسها وتظن نفسها مركزا للعالم ، بل أكثر من ذلك تستند على سند رباني والهي مطلق يقوم على أن العالم كله بيد الله تعالى وراجع اليه وطائف من حول كعبته المطلقة. لذلك فإن لهذه الأديان اخطر الأثر على الحياة الإجتماعية والسياسية خصوصا إذا استطاع أحد هذه الأديان إخضاع السلطة السياسية في المجتمع والدولة وجعلها أداة من أدواته لفرض رؤيته هذه ، وهذا بالضبط ما يحدث في السودان الآن.
والمسألة أوسع من ذلك في ما يخص النهضة الإجتماعية العميقة في قواعد المجتمع الواسعة في المدن والقرى والأرياف والمجتمعات المحلية ، لأن هذه الأديان من خلال رؤاها المختلفة تسيطر على الضمائر والنفوس والقلوب وتتحكم في حركةالحياة الإجتماعية بصورة عميقة وجذرية وإطلاقية ، وسيكون لها أثر كبيرجدا إيجابا أوسلبا في حركة النهضة . إننا لانستطيع ان نقول أن كل الرؤى الدينية المتجذرة في المجتمع رؤى سلبية تجاه النهضة وخصما عليها بل إن الرؤى الدينية الإيجابية التي يمكن ان تكون في قلب حركةالنهضة وتمثل قوة دفع فيها موجودة ولكنها متنحية مكنوزة وخابئة وكامنة في جوهر الإنسان وضميره الحي وتحتاج الى لبحث وتثوير وإخراج واكتشاف ، إنما السائد المتحكم في المجتمع هي الرؤى والقوى السلبية ، والتحدي الكبير هنا هو إنتزاع السلطة (زمنية كانت أو دينية) من أيدي هذه الرؤى والقوى وتنحيتها لفتح الباب للضمير الإنساني الحي أن يتقدم ويصنع نهضته، إن أسلوب حركة النهضة لاتزاع هذه السلطة من أيدي القوى والرؤى السبية يجب ألاّ يكون عنيفا الاّ إذا اقتضت الضرورة السياسية ذلك ، ولكن الأصل في إنتزاع هذه السلطة هو تعريتها وكشف حقيقتها الزائفة : بأن لاأصل لها في الدين.
سأحاول هنا أن أضع بعض الإضاءات السريعة لواقع الرؤى الدينية المؤثرة ومواقفها من حركة النهضة والإصلاح:
اولا: الدين المسيحي:
الديانة المسيحية ديانة أقلية في السودان – خصوصا في الشمال - (من حيث عدد الأتباع) إذا نظرنا اليها بصورة عامة ، لذلك هي لاتملك أية سلطة سياسية أو إجتماعية على غالبية المجتمع ، وأثرها على هذه الغالبية سيكون من حيث علاقتها بها سلمية أم صراعية. ولكن سلطة هذه الديانة واقعة على أتباعها وهم فئة مقدرة وكبيرة من الشعب السوداني(الغالبية في الجنوب) ولها الأثر الكبير في حركة النهضة لذلك فإن هذه السلطة مهمة وذات أثر . وفيما يخص الديانة المسيحية، فإن حركة الإصلاح الديني التي حدثت في أوروبا منذ القرن السادس عشر كان لها أثر كبير على هذا الدين الذي إنقسم أتباعه الى تيارين رئيسيين: تيار الكنيسة الكاثوليكية وهذه تؤمن بفلسفة الحلول والإتحاد المادي والطبيعة الإلهية للمسيح والإتحاد الكامل بينه وبين الله وبالتالي فهي تعبد المسيح باعتباره ربا لها ، ثم يتحول المسيح متحدا في الكنيسة كمؤسسة ذاتية له والتي تتجلى في قادتها ، هذه المؤسسية الدينية تتحول الى سلطة دينية وزمنية مطلقة في أيدي القادة والكهنوت ، تستعبد الأتباع وتعتبرهم جزءا لايتجزأ من الكنيسة وبالتالي تنزع منهم حرية التعبير عن الضمير الشخصي فهم لايستطيعون التعبير الاّ عن آراء الكنيسة فلا وجود لذواتهم الخاصة.أما التيار الرئيسي الثاني هو تيار الكنيسة الأرثوذوكسية وهي كنيسة نشات في الشرق وتأثرت كثيرا بالإسلام خصوصا في مستواه السياسي ، وهي لاتختلف كثيرا (كما أعتقد)عن الكنيسة الكاثوليكية الاّ في علاقتها المتحالفة من القوى الشعبية الإسلامية وتداخلها الإجتماعي مع المجتمعات المسلمة.أما الكنيسة البروتستانتية البريطانية فإن أثرها في السودان ضعيف الاّ أنها وبالرغم من تحالفها مع القوى الإستعمارية تقترب كثيرا من فلسفة النهضة باعتبارها تعترف بحرية الإنسان والمستمدة من الطبيعة البشرية للسيد المسيح.
ثانيا الإسلام :
الإسلام هو أخطرالديانات في السودان وأكثرها التصاقا بقضيتنا وتأثيرا فيها لأنه صاحب السلطة السياسية والإجتماعية والذي يشكل الحياة الإجتماعي والثقافية لغالبية أهل السودان إن لم يكن كلهم إطلاقا .فهل الإسلام في السودان يمثل عامل دفع أم صد لحركة النهضة الإنسانية ؟ طبعا لانستطيع أن نحكم ونجيب هكذا وبصورة عامة ما لم نبحث في التيارات والمذاهب الفكرية والعقدية وتطورها التاريخي وعلاقتها بقضية (حرية الإنسان)، لن أستطيع هنا أن أدخل في هذا البحث لأن له مكان آخر غير هذه الورقة، إنما سأواصل في الإضاءات السريعة للتيارات الرئيسية:
للإسلام في السودان تياران رئيسيان يتفرعان الى عدة تيارات ورؤى مختلفة تصب في تيارها الرئيسي :
1- الإسلام السلفي في شقيه السياسي والدعوي وهو تيار نصوصي بالأساس بمعنى أنه يستمد أدلته إستنادا على التفسير الظاهري للنصوص، ويتوسل بذلك لتأكيد وجود السلطة الدينية(كسلطة زمنية)بمعنى وصايتها المباشرة والقانونية على السلوك الظاهري للناس، وذلك بدون إعمال المبادئ العقلية التي تحكم عملية التفسير أوالتأويل ممايؤدي الى تأويل فاسد وتحريف عملي للمقاصد الخيرة والشرعية للإسلام من اجل الحفاظ على السلطة السياسية أو إنتزاعها من الغير مستفيدة غاية الإستفادة من العاطفة الدينية للجماهير وجهلها بالمقاصد الإنسانية للدين، ومستفيدة أيضا من المؤسسة الفقهية كمرجعية معرفية وهي مؤسسة متجمدة منذ عصور الأئمة لم تستطع الإضافة لجهودهم بما يتطلبه الواقع الإنساني المتغير .
2- الإسلام الشعبي والمتمثل في الطرق الصوفية وهو تيار متفاعل مع حركة القواعد الإجتماعية مؤثرا ومتأثرا بواقعها الإجتماعي والإقتصادي والثقافي والسياسي ، لذلك لانستطيع أن نقول أنه تيار متجمد اوجمودي الاّ في إطارجمود الحياة الثقافية والمعرفية العامة، والواقع أن الحياة الإجتماعية والثقافية في المجتمع السوداني جامدة ومتخلفة، وللتيار الصوفي علاقة بهذا التخلف فيمكن إعتباره من ناحية أحد أسباب هذا التخلف ويمكن إعتباره من ناحية أخرى مظهرا من مظاهر التخلف.والتصوّف نوعان أوتياران : التصوف كرؤية معرفية(التصوف العرفاني)أوالفلسفي وهو عبارة عن مشاهد قلبية تستجلي حقيقة الدين وتستفيد من الأسس العقلية لتفسير الظواهر والنصوص الدينية بما ينسجم مع تلك المشاهد ومع ضمير أخلاقي صافي وسليم، وهي بذلك تنظر الى جوهر الدين وباطنه لتصل من خلاله الى حقيقة الإنسان والكون والله ولتعرف ماهية الدين والشريعة ودورهما ودور الإنسان في الحياة، لذلك هو لايعتبر تيار نصوصي بقدر ما يعتبر تيار (عقل وجداني)، الاّ أن هذا التيار العرفاني ضعيف التأثير على المجتمع وهو يؤثر على المطّلعين عليه من أفراد الصوفية الكبار وهو محجوب عن القواعد الوسعة للمتصوفة بحجة عدم قدرة العقل العادي على الفهم وتحمل تلك المشاهد القلبية العالية في حين أن قادة وعلماء الصوفية لا يقومون بالدور العلمي لتنزيل تلك المعارف الى مفاهيم يفهمها عامة الناس ويستطيعون التعامل بها مع دينهم .النوع الثاني هو (التصوف العملي) وهو التيار الأوسع إنتشارا والأكثر تأثيرا على القاعدة العريضة من المجتمع ويمكن إعتباره بشكل مباشر حركة إجتماعية ثقافية ضخمة مثلت في تاريخ معين ذات وضمير الشعب وشكلت وجدانه وبنت شخصيته المميزة وهويته الوطنية الخاصة، الاّ أن هذا التيار تخلف وتوقف عند مرحلة معينة وتحول الى نظام إجتماعي طقوسي وجامد ساهم في جمود الحياة العقلية والثقافية والإجتماعية والسبب في ذلك النظام الإجتماعي للطرق الذي حول النظام التربوي والإرشادي الى ما هو أشبه بالسلطة الدينية الكنسية التي تسعى الحجب المعرفة عن عقول الأتباع لتحافظ على (المكانة الدينية) للمشايخ في قلوب الناس في حين أن المعرفة الصوفية الحقيقية هي التي ترفع هؤلاء المرشدين الى مكانتهم كمرشدين ربانيين وسرج هدى للقلوب.
إن حركة الإصلاح الديني في اعتقادي تهدف الى إعادة الدين كمؤثر إيجابي في حركة النهضة والتقدم الإنساني وتنحية العوامل السلبية فكرية كانت أم اجتماعية . وليتم ذلك لابد من بناء نظام معرفي للتعامل مع الدين : لتعريفه ولتحدديد دوره ومعرفة النصوصوكيفية التعامل معها والمؤسسات العقدية والإجتماية والسياسية التي تنبني عليها .
إن الرؤية الصوفية كرؤية معرفية وكحركة إجتماعية أكثر الرؤى تجانسا مع حركة النهضة ويمكنها أن تساندها وتتحالف معها بشرط العمل على تصحيح الأوضاع المتخلفة وتتطوير التجربة الصوفية عمليا وعلميا واجتماعيا.
سامي عثمان القريش
منبر أصدقاء الإسان الجديد
2007
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق