الجمعة، 21 أكتوبر 2011

سياحة روحية في مواجيد الإمام أبي العزائم بقلم: سامي عثمان القريش 2003

إضاءة

الحمد لله الأول والآخر والظاهر والباطن البديع المبدع ، الذي أشرقت أنواره فأضاءت كيان الوجود فتلألأ بدرر أسماء الجمال والكمال التي كانت ظلالا للجمال المطلق، جمال الذات الأحدية القديمة التي هي نور النور. والحمد لله القائل في كتابه العزيز):فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين) الآية.

والصلاة والسلام على بيت الله المعمور بالله ونور الله الدال على الله زيت مصباح الزجاجة والسراج المنير سيدنا ومولانا محمد وعلى آله سرج الهدى ومصابيح الإهتداء،وأصحابه النجوم الزاهرةالذين بأيهم اقتديتم اهتديتم كما قال صلى الله عليه وسلم..ورضوان الله الأكبر يغشى روضة إمامنا ومرشدنا الإمام المجدد السيد محمد ماضي أبي العزائم الروح المنطلقة في الوجود ومشكاة أنوار الجمال المحمديّ والهادي إلى سراط مستقيم والقائل رضوان الله عليه:

رأيت الجمال أراني الجميل فوضح جلّ إليه السبيل

ومتعنا الله تعالى وأدام لنا متعة مطالعة الجمال البهيّ في الوجه والروح والذات إسما ووصفا لسماحة سيدي العارف بالله الإمام السيد محمد علاء الدين ماضي أبي العزائم، وأدام لنا صحبة ورضا أستاذنا ومربي أرواحنا سماحة سيدي الشيخ سيف الدين الشيخ محمد احمد أبي العزائم صورة الأسرار ومرآة الأنوار المحمديّة الماضويّة العزميّة .. وبعد

فإنّ الإبحار بالروح في بحار المواجيد العزمية سفر لا نهائي الى العيون حيث منابع السحر والسكر والجمال ، سياحة في فضاء جمالي لانهائي تتفجر فيه الأنوار في مشارقها الأولية حيث بداءة الروح قبل أن تتخلق فتكون فتمازج حمأة الجسد الأولى فيكون المشهد الجمالي الأول الذي أسجد الملائكة-وهي الكائنات الروحانية-إنبهارا بعبقرية الإبداع الإلهي وعجزا عن إدراك كنه حكمة الخلق والإبداع. بل هي غياب كامل وفناء الذات وعن سياحتها في الغمر المطلق للأنوار القديمة التي هي قبل لروح ، فناء عن الذات حيث يغيب التعبير وتسجد الكلمات والمباني وتسجد الإشارات والمعاني.

إنّ حقيقة المعرفة هي إطلاق للروح من معاقلها الى فضاء الإطلاق الجمالي ، وما الحس بمقتضياته من شئون الحياة والعقل بمقتضيات الإدراك والعلم، والشعور الاّ معابر-إذا تدبرت-للروح تعبر فيها وفوقها الى عوالمها الخاصة .وماخلق الإنسان الاّ لهذا، عليه أن يكابد وعورة الطريق عبر مراحله المختلفة: مرحلة الحس المادي وغرائز الحياة ،الى مرحلة الإدراك العقلي والسمو الى الحياة العقلية من المعرفة والعلم والثقافة، ثم الى مرحلة الشعور بالوجود والفضاء الكوني والسمو الى حياة الشعور والشفافية ،ومن ثمّ الإنطلاق بالروح وفك كل تلك القيود الىفضاء الجمال فيكون الوجود كله أمام الروح لوحة ومشهدا تشهد فيه معنى ويكون المعنى مرآة تتواصل فيها مع الروح حينما ترى أصلها في مرآة المعاني فلاترى في الوجود والكون الاّ الروح الأصلي فتأنس بهذا المشهد وتغيب عن نفسها في سعادة غامرة هي سعادة الوصول:

تحنّ الروح للعليا وتهوى منازل أنسها بعد البيان

وحينما تصل الروح الى غايتها تعلم حقيقة أصلها فتشرب من هذا الكأس حتى الثمالة :

وتسعى باشتياق نحو أصل لتشرب من رحيق في الدنان

ثم بعد الصحو تعود الروح لأداء رسالتها فتفضض فضاء الكون من جديد وتملأه بالأنوار بعد أن بدلت وشربت وتلونت بلون الجمال الأصلي الذي هو الغاية الكبرى للوجود.

فالمتأمل لقصيد الإمام أبي العزائم والمتواجد مع هذه المواجيد المتمايل معها طربا ، لايرى في هذه القصائد الاّ إبحارا في محيط الجمال الإلهي الظاهر والبادي في الوجود ، بل شراب من خمر هذا الجمال حتى تشرق الروح بهذا النور وحتى تتبدل النفس وحتى يظهر التبديل في الإنسان فيكون جميلا جمالا حقيقيا ذاتا ووصفا ومظهرا وجوهرا...فقضية الجمال عند الإمام أبي العزائم رضي الله عنه هي القضية الأساسية-عند المتأمل- تكاد تستغرق كل آثاره خصوصا الأدبية منها نظما ونثرا ،وهنا نجد الإتساق الكامل في هذه الآثار الأدبية بين المبنى والمعنى أو كما يسمى الشكل والمضمون، فالجمال يحيط بهذه الآثار إحاطة تامة فالشكل جمالي نجده في لغته وفي أسلوبه وفي موسيقاه وفي أوزانه وفي أخيلته وتعبيراته وفي جزالته وتماسك معانيه. والمضمون جمالي نجده في معاني الأبيات وتنسيقها وفي فكرتها وغايتها إجمالا وتفصيلا ،والروح الشعري روح جمالي متكامل ينفذ اليك عبر الكلمات والتعبيرات والخطاب ليسري في تفاصيل روحك فتكون هذه التعبيرات الجميلة جسورا للتواصل مع روح الإمام المنطلقة في فضاء الوجود. فلا تكاد تطالع قصيدة من هذه القصائد الاّ وتشهد صورة الإمام وروحه أمامك فهو يجمع في أسلوبه بين الخطاب والتعبير الذاتي فيحول القصيدة الى مرآة شفافة تضعك أمامه مباشرة حيث تواجه الروحُ الروحَ بدون حجاب:

قد كنت أشهد فيّ قبلا هيكلا أعضاؤه قد سخرت لمرام

حتى لقد ظهرت شموس نعوته منه بسر تنزل العلاّم

فرأيتني بيت الجميل مجملا من يأته يتحلىّ بالإحرام

لذلك فإن هذه القصائد العزمية يصعب أن تصنف ضمن الشعر بقواعده وقوانينه الصارمة وقوالبه الجاهزة الجامدة التي تصلب القول وتقيدالروح وتحدد المعاني الشيء الذي يحول الشعر الىصناعة وحذق أكثر من كونه تعبيرا عن الروح . ولكن قصائد الإمام معابر للروح الى فضائها الخاص ، لذلك نجد الإمام أبو العزائم رضي الله عنه برغم صيانته لقواعداللغة وحراسته لشرفها ورفعتها الا أنه لم يستهدف في الأساس العمل اللغوي أو صناعة النظم بقدر ما كان يستهدف توصيل المعاني وربط روحه بروح قارئه من أجل ربطها بسماء المعاني الشفيفة وصبغها بلون الجمال المكنونفي الرسالة والدعوة العزمية، لذلك تراه لايعتبر هذه القصائد شعرا بل هي كما أسماها (مواجيد) تعبيرا عما يجده في القلب من تقلبات الروح في سماء المعاني ، أو هي الخمر يحتسى في الوجود كما قال:

ليس شعرا ما قلت حال شهودي بل هو الخمر يحتسى في الوجود

فمواجيد الإمام أبي العزائم ليست جهدا فكريا يبذله بعقله ولالغويا يصوغه بحسب قدرته في اللغة ، وإنما هي الهام عرفاني يفاض علىقلبه بقدر صفاء الروح فينطلق به لسانه إنطلاقا حرا يبدأ من حيث يبدأ وينتهي حيث ينتهي ، وقد يتوقف الفيض عند شطر غير مكتمل ولايهتم بعد ذلك بإكماله بل يعتبره عطاء الهيا توقف عند هذه اللحظة لايلبث الاّ ويسترسل في قصيدة جديدة ، وهذا يفسر الكم الهائل لأعداد القصائد التي تصل الى مئات الألوف مما يدل على أنها إمدادوسيل لاينقطع الاّ ويسترسل ليكاد لايمنح حتى فرصة الكتابة والصياغة والتمحيص كما يفعل الشعراء عادة بل هوإملاء مستمر لقصائد تكاد تكون مكتملة الصياغة والجمال تملى جملة واحدة بدون مراجعة.

والإمام في هذه المواجيد يعبر عن فكر راقي ومتكامل وشمولي يدل على قدم الوراثة العالية للرسالة المحمدية، ومن هذا المنطلق يتجلى تميزالفكر العزمي باعتياره فكرا جماليا خالصا بحكم المقام المحمدي الذي هومقام الرسالة الجمالية والرحمانية في الوجود والتي ماجاءت الاّ لتخلص الوجود من شقائه الجلالي لتزج به بحار من الجمال الإلهي والرحمة الإلهية الأزلية واللانهائية . الاّ أن هذا الفكر الجمالي الخالص هو في حقيقته فكر رسالي بحكم الرسالة المحمدية، بل إن هذه الجمالية في الفكر لاتظهر بصورتها الحقيقية الاّ من خلال رسالتها الدعوية ، فإن الجمالية العزمية ليست جمالية تهويمية محلقة في فضاء سماوي لاعلاقة له بالأرض والحياة ومايدور فيها ، ولكن الجمالية العزمية تجمع بين الطرفين أي الجانب الروحاني الخالص المسمى بأحمدية الرسالة أو المقام الأحمدي والجانب الدعوي والرسالي المسمي بالمقام المحمدي . وفي الحقيقة فإن الأمام أبو العزائم يختلف عن أولئك الفلاسفة الذين نظروا للجمال نظرات سطحية أو أحادية أوأيديلوجية ، فمنهم من نظر الى الجمال باعتباره شكلا خالصا ولم يهتم بالمضمون والغاية الإجتماعية والروح الجماعي للجمال ، فمهد لظهور حركات جمالية شكلانية خالص إتسمت بسمة (الموضة) والإشباع اللحظوي ، وهذه إرتبطت بالحركات الإجتماعية الرأسمالية والأرستقراطية الأوروبية ومنهم من نظر للجمال باعتباره زيفا حضاريا وبناء فوقي للرأسمالية والإقطاع ونادى بتحطيم الجمال الزائف ونادى بأن الجمال الحقيقي هو الجمال المرتبط بعملية الإنتاج الإقتصادي والإشتراكية. كل هذه الحركات والفلسفات نظرت للجمال من وجهة نظر محددة ومن جانب معين تبعا لمصلحتها االدنيوية والإقتصادية والإجتماعية. الاّ أن الإمام أبي العزائم وهو ينتمي في فكره الى العقيدة والفكر والفلسفة الإنسانية وهي فلسفة متكاملة ذات رؤية شاملة للوجود، يضع لنا تصورا متميزا للجمال ساحاول في الامستقبل إبرازه في دراسة تفصيلية لتراث الإمام ولفكره الجمالي ، المهمأن هذا التصور مستمدمن العقيدة الإسلامية الحقة التوحيدية التي تجمعبين الوجود الإلهي وهو وجود مطلق وقديم ، وبين الوجود الكوني وهو وجود محدث ، والعلاقة بين الوجودين ليسنت هي الإنفصال الكامل ولا الغتحاد الكامل فالله سبحانه وتعالى واحد أحد وهو مطلق لايحده زمان ولامكان ولايحيط به شيء وهو محيط بعلمه بكل شيء، وصلة الوجود الكوني المحدود والنسبي بالوجود الإلهي المطلق هي صلة الظاهر بالخفي والمشهود بالغيبي والظاهر بالباطن ،وهي صلة (دلالية) بحكم الخلق وبحكم كون الوجود أثر للموجد فهو دليل عليه فهذه الصلة تجعل الباطن ظاهر في الظاهر بحيث يكون الوجود مظهرا للموجد ، وهذه الصلة تسمى عند الإمام أبي العزائم ومن ورائه الفكر الصوفي الإشراقي والفكر الإسلامي عامة (بالتجلي)فالإمام أبو العزائم لايؤمن بفكرة وحدة الوجود التي تعني الإتحاد الكامل بين الوجود والموجد وحلول الله في العالم ، ولا يؤمن بالإنفصال الكامل التي تلغي الوجود الإلهي لصالح المادية المطلقة ، فكلتا الفكرتين أحادية غير توحيدية ، ولكن الإمام يؤمن بالفكر التوحيدي الذي يميز بين الخالق والمخلوق والعابد والمعبود فهما منفصلان بحكم الوجود ومتصلان بحكم علاقة الخلق والإحتياج فهي فكرة توحيدية من حيث تفريد الحق عز وجل بالصفات الواجبة له في العقيدة الإسلامية، ولكنها تؤمن بالمثنوية (ليست مثنوية الإله ولكن مثنوية العوالم) ومن ثم بتعدد الوجود ، وهو تعدد يبرز ويجلي واحدية وأحدية الحق من ورائه وفق علاقة التجلي والظهور والدلالة(تجلي الواحد في العدد، وتجلي الأحد في الواحد) ..

والفكر الجمالي عند ال‘مام أبي العزائم يستمد من هذه العقيدة ، فالله سبحانه وتعالى هو الجميل المطلق الجمال وهومنبع الجمال في الكون ، لنه أول ما تجلى في الوجود تجلى بالجمال وجعل الجمال في الكون لحكمة تؤدي في خاتمتها الى الجمال المطلق ، وحينما تنزل هذا الجمال من إطلاقه وأحديته ىالى الوجود المتعدد تجلى أسماء كثيرة ومتعددة إسمها أسماء الجمال وهي التي تفسر مظاهر الوجود الكوني كله ، لذلك فإن التأمل في الوجود وفي المظاهر الكونية إنما هو سياحة في ملكوت من الجمال المطلق والجمال الإلهي .. وهذا الجمال ظهر في الكون في مستويي الإجمال والتفصيل ، فيمكنك أن ترى الجما لفي كلية الوجود كله تعبيرا عن الجمال والنور الإلهي ، ويمكنك أن تراه في كل تفصيلة من تفاصيل الوجود . لذلك فإننا نرى أن الإمام أبو العزائم يلخص هذا الفكر الجمالي في مفهوم الكمال فالجمال إنما يتجلى في الكمال ، وبهذا حتى يدخل الجلال والقبح والشر الموجود في العالم تحت مظلة الجمال الإلهي ، وهذا لا يعني تصالح مع هذه الصفات وإنما الجمال يأتي من كونها مثل أنبوبة الإختبار لإظهار الصفات الحسنة والجميلة في الكون(الضد يظهر حسنه الضد) فهي تخدم الجمال أيضا فتكامل الصفات القبيحة عند البشر والجلال الموجود في الكون مع الصفات الحسنة والجمال إنما يبرز هذا الجمال الكوني الشامل والمطلق .

إذاً عند الإمام أبي العزائم فإن أهم مظهر للجمال بل المظهر الاساسي هوالكمال ، وكمال الوجود إنما يظهر قدرة الحق المطلقة وإبداعه الذي خلق وجودا متجانسا متسقا بهذا القدر حيث لاترى فيه عوجا ولا أمتا، يقول الحق عز وجل:"فارجع البصر هل ترى من فطورثم ارجع البصر كرتين ينقلب اليك البصر خاسئا وهو حسير" الاية..

لذلك فإننا نرى أن الإمام أبي العزائم يكثر من الحديث عن التجانس والإتساق فهويعلي من مفهوم (النسق) باعتباره مفهوما جماليا خالصا ، فاي شيء لا يكتسب جماله وصلته بالحق عزوجل الاّ من خلال كماله واتساقه ، أي تكامله واتساقه مع نفسه وأجزائه وتكامله واتساقه مع الوجودالكوني من حوله بحسب رتبته ومكانته في هذا الوجود ،وبحيث ينسجم مع منظومة الإتساق الكلي للوجود ، وهي سنة الله في خلقه، وخير مثال برز لناهذا الفكر الجمالي عند الإمام أبي العزالئم هو قصيدته (الآثار):


أسمعيني أيها الآثار لحنا بيني لي الغيب آيات ومعنى


قد أرى إتقان صنعك ثم شكلا وانتساقك في ظهورك ثم مبنى

فيك يا آثار ما حيرني قدألحت الحسن ياآثار لونا

بيني ما فيك من غيب علا جذبة حتى به آثار أفنى

رتلي الآيات فيك تلوح لي كرري التبيان ياآثار مثنى

أظهري الغيب المصون مشاهدا كي بنور الوجه ياآثار أهنى

رب أبدعت العوالم حكمة كي نرى غيبا به نحيا ونهنا

كل شيء جاذب لك منبيء كوننا عنها بها لي قد تغنى

غن لي ياكون أسمعني عسى ان أنيل جماله إنسا وجنا

ان أمكن باليقين وان أرى نور وجه قد يريني الكون حسنا

وسعن لي الخير من فضل هدى أشهد الأخفى بفضل الله عينا

واغفرن لي واعف عني رضني فالعبُيد الى رضا الرحمن حنا

وارض عني وامنح الأولاد خيرا يا مجيب السؤل كي أهنا وأغنا

والواقع فإن الإمام ابو العزائم يعبر عن فكرة(النسق الجمالي) الذي هو المظهر المادي للجمال ليس باعتباره غاية في حد ذاته ، بل عند الإمام ابي العزائم فإن الجمال نفسه ليس غاية إنما القضية هي قضية طريق يمر عبر مراحل نعبر فيه من مظهرللجمال الى الجمال الظاهر فيه ، وممن الجمال الى الجميل الذي هو منبع ذلك الجمال (نلاحظهنا الجميل ليس هوالنسق الجمالي وإنما الحميل هو الحق عز وجل ،والنسق إنما يقوم مقام الرمز إو المثال لجمال الحق كما سنبين ذلك)

إذاً فالضية هي قضية رسالية في المقام الأول ، والجمال عند الإمام أبي العزائم ليس من أجل الجمال كما روج فلاسفة الجمال الأوروبيون ، ولكن الجمال من أجل الحق ، والجما ل هو لوجه الله تعالى، فهي رسالة دعوية ذات طريق جمالي ، لذلك فإننا نجده عبر عن ذلك النسق الجمالي باعتباره (مثالا)، فالمثال هو النسق منظورا اليه من ناحية غايته الرسالية الدعوية ، والغاية من ذلك أن يحقق – أي المثال- وصل (الرائي) الذي هو الإنسان – مستهدف الرسالة والدعوة – (بالمرئي) الظاهر في المثال والذي هو الجميل الحق وهو الله تعالى. فالمثال إذاً هو الرابط في العلاقة الجمالية بين الإنسان والله. والمثال قديحقق عملية الوصل والربط أو لايحققها ، بمعنى أنه قديكون(صلة وصل) او (صلة قطع) بحسب إستعداد الرائي للرؤية، فالمرئي ظاهر في المثال ولكن هل الرائي يرى؟ إذا المثال الذي يمثل مشهدا يحتاج لرؤية نافذة من المشاهد للنفاذ الى ماوراء المشهد من المعاني النورانية والحقية هو حقيقته(حجاب) بين الإنسان المشاهد والله المشهود، هذا الحجاب يمكن أن يرفع تماما من عين المشاهد فر يرى لحظتها الاّ الوجه المقدس. ومابين رؤية الحجاب وغيبة الوجه(وهو مايسمى بالتحجّب) وبين رؤية الوجهالجميل سافررا تكمن مقامات الرؤية بحسب شفافية الرائي واستعداده. وفي الحقيقة فإن الرائي عند الإمام أبي العزائم هو مثال أيضا يتجلى فيه الجمال بصورة أكبر ، بل أكثر منذلك فإن الإنسان عند الإمام أبي العزائم هو المثال الأمثل،وهذا هوالجانب الثاني لهذه الرؤية والغفكر الرسالي ، فغاية هذا الفكر هوالوصول الى أنقى وأصفى صورة للمثال حتى تظهر أصفى صورة للحق وهي صورةالرحمن، أو مايسمى عند الإمام أبي العزائم بالمثال المحمدي أوالصورة أوالحقيقة المحمدية للإنسان. فبحكم كون الإنسان مثله مثل بقية الوجود هو أثر للموجد سبحانه يكون (مثالا)، وبحكم كونه مركزدائرة هذا الوجود الكوني فإنه المؤهل ليكون أصفى صورة للمثال ، عندها تكون الرؤية الجمالية رؤية بين المثل : بين الإنسان وهو المثال الراقي للوجود الإلهي وبين الوجود الكوني ، يرى فيه الإنسان ذاته كجمال إلهي صرف ويرى من خلال ذلك جمال الوجده طاغيا بنوره على الوجود وعليه ، فلا يرى عندها الاّ الجميل سبحانه .. والإمام أبو العزائم يمثل هذا الأمر بالمرآة والمرآة من الرؤية ، فالإنسان مرآة الوجود الكوني والوجود مرآة الإنسان، وعند تلاقي المرايا والمرائي لاينجلي الاّ الجمال المطلق ، يقول تعالى :"وفي أنفسكم أفلا تبصرون"

وأصفى مثال للجمال الإلهي على الإطلاق بحيث ينجذب نحوه الوجود كله المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي هو المثال الإلهي النقي الذي لاتشوبه أية شائبة فلا يظهر فيه الاّ النور الخالص. والله سبحانه وتعالى عبّر عن فكرة المثال هذه في سورة النوروهي أرقى صورة جمالية في سورة قرآنية ، يقول تعالى :" الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لاشرقية ولاغربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء.."

وفي إعتقادي أن هذه الاية الكريمة هي المرجع الذي يرجع اليه كل هذا الفكر الجمالي العزمي. إن الغاية من هذا الفكر الجمالي ليس الغرق النهائي في مشاهد من الجمال المطلق والبقاء في سموات شاهقة بعيدا عن واقع الحياة الإنسانية، ولكن هذا الفكر كما ذكرت هو فكر رسالي في المقام الأول جمالي من حيث لونيته ولكن الغاية منه دعوية تستهدف تخليص الإنسان من شوائبه وقبحه وتنقيته بعد غسله في بحار من الجمال الإلهي ومن ثم إعادته روحا نقية جميلة لتساهم في تصفية وتنقية الوجود الأرضي والواقع الإنساني وذلك بمساهمتها في نشر الجمال والنور الإلهي في الوجود، بل فتح الأعين المغلقة والمحجبة لترى تلك الرؤية الجمالية . وهذا الدور الرسالي للجمال يتحقق عبر تحقيق المثال المحمدي والرسالة المحمدية كرسالة جمالية أمام الوجود كله وذلك عبر تطبيق مستوييها الشرعي والذاتي في النفس الآفاق ..

تجليات تعبيرية وأسلوبية:

هذه الروح العزمية المنطلقة في الوجود ، التي إغتلست بماء الغيب وتطهرت بطهور القدس وشربت من رحيق القرآن فسكرت بشراب الصفات القدسية فاشرقت عليها شمس جمال المحبوب فتجلت في مرآتها صورة الوجه ، هذا في مقام جمعها وتلوينها ، عادت بعد تمكينها لتعبر عن تجربتها وتصف الطريق لمن تهيموا وشغلهم الوجد والشوق الى لقاء محبوبهم ومشاهدة جمال وجهه والتمتع بمتعة النظر اليه عما سواه، ولكن كيف السبيل الى التعبير والتجربة تفوق الخيال والعقل واللغة ، بل تدق عن النفس وعن الروح ، لأنها تجربة في فضاء الإطلاق الذي لاتصفه العبارة ولاتحدده الإشارة .لاسبيل الى ذلك الاّ بوصل الروح مع الروح ، ومواجهة القلب السليم من الأغيار مع القلب السليم، وفي الحقيقة فإن قصائد الإمام أبي العزائم لايصل الى عمق معناها وذوق صافي شرابها الاّ قلب خلص مما سوى محبوبه وروح راقت لراحها:

فلا خمر ولاقدح إذا عاينت إصلاحا

أما غير ذلك ، فإن هذه القصائد رموز وكنوز وطلاسم وألغاز، لاتفك الاّ لمن نظرت له عين العناية ، وجذبته جواذب المحبة الخالصة ، لأنها تعبير عن الروح قبل الفكر وعن المعنى قبل المبنى ، والروح نفسها طلسم عصي عن الفهم :" يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي" الآية.. فهي من عالم الأمر لامن عالم الخلق فلا يكاد مخلوق يدرك كنه روحه فكيف يستطيع العقل بل القلب أن يدرك كنه جمال ربه ، لذلك فإن الإمام أبي العزالئم ومن قبله من أئمة الرجال الذين خاضوا التجربة أشاروا الى التجربة لاتحكى ولايخبر عنها وهي شراب لمن أراد أن يتذوقها، والذوق معرفة وهي معرفة فوق الخبر وفوق العقل. إذاً لابد من السير على ذات الطريق حتى نعرف من المشاهدة والذوق لامن الخبر ، ومن رأى ليس كمن سمع، فعلمهم هذا علم يقين بل هو تحقيق باليقين وليس خبرا .. فلا يبقى أمامنا بعد هذا الاّ خوض التجربة والسير على طريق مشاهدة الجمال ..ولكن كيف؟ الإمام إبو العزائم يمنحنا الفرصة لنرى بأنفسنا ما رآه، فهذه القصائد ليست إخبارا عن تجربة عاشها الإمام ، وإنما هي دعوة وفرصة وباب يفتحه لنا لنلج معه حرم ذلك الجمال القدسي لنشاهد بأعيننا آيات السحر وننفذ من ورائها الى بحار النور والجمال المحمدي والإلهي.

إذاً نحن عندما نريد أن ندخل الى حرم القصائد ونتجول في مساحاتها ، لانريد أن نأتي بذواتنا مدعين المعرفة ومحاولين القراءة بادعاء التفسير ، فهذا الحرم هوالوادي المقدس (طوى) الذي طويت فيه الحقائق ، فعلينا أن نخلع النعلين : نعلي الحس والذات ، فقط نتلقى من روحه فنرى بعين القلب ونسمع بأذن الروح، واقفين بالأدب عند العجز عن الإدراك وهو يفتح لنا أبواب الدخول ..

والإمام ابو العزائم رضي الله عنه وهو يقودنا من أيدينا عبر قصائده لنخوض معه تجربة الجمال يضع بين أيدينا مفاتيح الولوج الى ذلك الحرم المقدس ، يدلنا على الطريق تارة بالعبارة وتارة بالأشارة ، تصريحا وتلويحا ، يخاطب فينا العقل مرة لنفتح أعيننا للحقائق ، ومرة يخاطب القلب والعاطفة ، ومرة يغازل أرواحنا لتسي وتنطلق محطمة قيود الحس والمادة التي هي سجن نأي، قال:

ألا خلصوا الأرواح من سجن نأيها وجدّوا لتزكية النفوس وسابقوا

ومرة يسري عبر أسرارنا الى قدس العزة والجبروت ليضعنا في المواجهة الحقة مع الحق عزوجل، وهي قمة المشاهدة لقلب صفى ورق حتى شعر ان هذا القول وهذا الخطاب إنما ينطلق من عمق أسراره الذاتية مخاطبا الوجود كله..لافقط يسمعه من غيره ولكنه روح تسري في روحه وصورة إنعكست في مرآته الخاصة .. والإمام أبو العزائم ينوع في قصائده هذه الأساليب ليخاطب بها حقائق فينا متعددة وليتقلب بنا في الوان من الجمال اللانهائي، فتارة يسكب لنا الإمام في قصائده شرابا واحدا صافيا راقيا يخاطب به فينا واحدية الروح السارية في أوصال الجسد ، وأحيانا ينوع بين المباشرة وغيرها وبين الحقيقة والمجاز وينتقل من الخطاب الى الحكي ومن الحكي الى الخطاب الى المناجاة الذاتية ، ومن الظهور الى الغموض ، ومن الغموض الى الظهور أي من البوح الى الإسرار ومن الإسرار والإشارة الى البوح حين تسكر الروح ويعلو عليها حال الشهود في الغيبة والجمع . فتصريح الذات عند الإمام أبي العزائم وتلويحها تعبير عن تقلبها بين حالي الغيبة والحضور ، أي بين حالي السكر والصحو ، فهو غائب عن الوجود حاضر مع الشهود ، ثم حاضر في الوجود مراعيا الشهود ..

في دراسة قدمت لنيل درجة الماجستير في الآثار الشعرية للإمام المجدد السيد محمد ماضي أبي العزائم، أبان الباحث سري محمد الحسن أن للإمام أسلوبان عبر بهما عن فكره ومعانيه في هذه المواجيدوهما : المباشرة وغير المباشرة ، أي أسلوبا التصريح والتلويح . فالمباشرة إستخدمها لبيان الحقائق الواضحة والثابتة في رسالته ودعوته، وذلك يتسم بعدة سمات هي :

1- منهج الإلتزام بالبحث عن الحقائق والنظر الى بواطن الأمور وحقائقها ومن أمثلة ذلك النظر الى

حقيقة الإنسان والغاية من خلقه، يقول:

يأيها الإنسان من طين فخار تكونت كي ترأى مظاهر أسراري

ومن نطفة أنشئت آيا جلية وصرت بمحض الفضل حصن قراري

2- الأسلوب الفلسفي الصوفي ، ومن أمثاة ذلك حثه على السياحة الفكرية في الكون والتدبر في آيات

الحق:

سح في السما مافوقها في العرش بل ما فوقه من غيهب الأنوار

بعد السياحة فافن عنك بمن علا عن مشهدالأرواح والأفكار

3- الحرص على إبراز قضايا المجتمع السياسية والإجتماعية والفكرية بأسلوب النصح والإرشاد.

4- النزعة الإيمانية والصوفية في السير والسلوك، يقول

كل ذنب وإن تراه صغيرا فهو نار إن لم تنل غفراني

صغر الذنب جاهل بمقامي وبفضلي وعزتي وحناني

اما غير المباشرة من التلميح والإشارة والرمزواستخدام التعبير البياني فقد استخدمها للتعبير عن الجوانب المعنوية والذاتية التي تعبر عن وجدان الذات واتصالها بمعشوقها في درجاتالوصل والتعبير المتصاعدة الى درجة الإطلاق التي يستحيل التعبير عنها حتى بالإشارة ، وقداستخدم للتعبير عن تلك المعاني أكثر من أسلوب :

1- الأسلوب الرمزي ، وله في ذلك متنوعة مثل رموز الحب الإلهي كالشوق والغرام والهيام ورموز الخمر والسكر ويشير بها الى خمر الحب الإلهي :

سقوني الراح في ليل التداني بكأس النور من بحر المعاني

ورموزاستخدمها في سياق هجومه السياسي على الإستعمار والدول الإستعمارية باستخدام مقلوب الكلمات مثل (زيلنكا) إشارة الى الإنجليز و(سنرفا)إشارة الى فرنسا وهكزا،ورموز الإشارة الى الأعوام الهجرية مثل غاشم وغاشن ورموز المناجاة الإلهية وهي رموز تشير الى الذات الإلهية مثل كان – كينون – أهيا – ديهور – دهر.

أياكان ياكينون يا فرد يا صمد أيا دهر يا ديهور يافرد ياأحد

كذلك استخدم الإمام المجدد رمز(العين) مشيرا به الى الذات الإلهية كقوله:

أهل المحبة في شوق الى العين والعين في غيهب التنزيه واللون

2- الأسلوب البياني ، مثل التشبيه والإستعارة والمجاز الكناية يقول :

وقفت مرتديا ذلا ومسكنة وحسن ظني إنقاذي من الكرب

ويقول:

لكن ووجه جميل لعين قلبي تجلى

والإمام أبو العزائم يمزج جميع هذهالأساليب بمزيج مركب من الأساليب الشكلية التي تمنح القصائد بتكاملها الداخلي والخارجي المعنوي والمبنى إتساقا جماليا متكاملا يجعلها مثلا لذات الإمام وشخصيته المتوجهة الى الحق مرتدية ثيابا من البهاء والجمال ، ومن هذه الأساليب الشكلية بعض الجوانب البديعية كالجناس والسجع والطباق بالإضافة الى لاموسيقى الداخلية في تلاؤم الألفاظ والمعنى وتناسقهما والرنين والجرس الموسيقي يقول مثلا:

التحلي بالتخلي بعد محوي لمحلي

وانفصالي عن فعالي وسروري بالتجلي

وشهودي لوجودي إنه نوريحلي

ولم يترك الإمام أبو العزائم قصائده للبناء الفني والجمالي المحض وإنما أراد لها أن تكون ذات تأثير كبير على نفس المتلقي وروحه لذلك نوع في أساليبه المعنوية فتارة يستخدم أسلوب الامر وتارة يستخدم النداء، ومرة أسلوب الإستفهام والشرط والتوكيد والنفي والإيجاب وأسلوب القصر والحذف والتكرار والتقديم والتأخير...الخ.

هذا مجمل مابينه الباحث سري محمد الحسن في دراسته التفصيلية عن آثار الإمام أبي العزائم الشعرية في جانبها الفني ، لكن في الحقيقة فإن هذه المواجيد يصعب بل يستحيل أن تستقصيها دراسة واحدة مهما كانت دقيقة وشاملة . يقول السيد محمد علاء الدين ماضي أبوالعزائم معلقا على هذه الدراسة :" .. لاريب أن مهمة الباحث كانت غاية في الصعوبة ولكن الذي نحب أن نلفت النظر اليه هو أن الباحث في هذه الرسالة قد تناول ظاهر المواجيد الإمام المجدد.. لم تكن مهمته تناول معانيها وبواطنها وأسرارها ، وظاهر المواجيد لابد أن تخضع للدراسات النقدية واللغوية ، ولنفس المقاييس التي يخضع لها الشعر العربي عامة . مع التسليم بأن مواجيد الإمام المجدد الهامية عرفانية كما أثبت الباحث.."

ولاتعليق لنا بعد هذا التعليق بل نتجه بسياحتنا في ملكوت من هذه المواجيد لابروح الدراسة والعلم العقلي ولكن بروح التمتع والشرب من رحيق يسقينا له الإمام أبو العزائم بكأس النور من بحر المعاني.

سامي عثمان القريش

2003 م

ن القضية الأساسية للإنسان هي التفاعل الإيجابي مع واقعه والكون وهذا مايميزه عن غيره من الكائنات التي تسعى بحسب فطرتها ووفق قانون الغاب إلى كسب العيش بصرف النظر عن حاجة الأفراد الآخرين وتتولى الطبيعة التي تعمل تحت ظل العناية الإلهيى على تقسيم الخيرات وتنظيم عملية كسب العيش والحياة بين جميع المخلوقات ، مايميز الإنسان أنه وجد ليعمل ليس من أجل مصلحته الخاصة ولكن من أجل المصلحة العامة التي قد تعم كل الوجود الكوني وهو مايفسر ظهور الحركات الخضراء التي تسعي للحفاظ على الكون كبيت للإنسان وهذه الحركات في حقيقتها تمثل البداية الحقيقية لظهور الإنسان الجديد الذي يعمل من أجل الكون .. الواقع أن حركة البشر في العالم تبدو كأنها تناقض مبدأ الفعل الإنساني والقانون الذي أراد الله تعالى بخلقه للإنسان أن يسود الوجود والذي يسود الآن بين البشر وفي العلاقات الإنسانية هو قانون الغاب الذي يقوم على المصلحة بدلا عن الأخلاق وإقصاء الآخرين وقهرهم وسلب حقوق الناس واستغلال الضعفاء وتصل حد إفناء الشعوب من أجل الكسب والربح.. هذا تفاعل مع المع الوجود سؤدي إلى إفناء الطرفين العالم والإنسان معا

الإنسان الجديد

من هو الإنسان الجديد ماذا أقصد به؟
بلا شك فإن الجميع يبحث عن التغيير الحقيقي ، ولكن الخطأ الذي يقع فيه الناس عادة هو أنهم يبحثون عن تغيير في الواقع ليجانس ذواتهم ونفوسهم الحاضرة وهذا مايخلق الصراع ،فهم يظنون خطأ أن الواقع يجب أن يكون مناسبا لهم باعتبار أن أنفسهم هي الأصل الثايت وأن الواقع هو الذي يجب أن يتغير، في حين أن الله سبحانه وتعالى يقول - في معنى الآية - : " لايغير الله مابقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" وفي الواقع فإن نفوس الناس متباينة وتجليات هذه النفوس متباينة ، أعني ما تنتجه هذه النفوس في الواقع من أشكال المؤسسات والعلاقات الإجتماعية والثقافية والسياسية والأفكار، فكل هذه المنتجات هي عبارة عن تجليات لنفوس الناس فهي تحمل ضمنيا ماتعتوره هذه النفوس المنتجة لها من الظن الخاطيء بأنها أصل العالم الثابت وكل ماسواها يجب عليه أن يتغير ليجانسها هي، هذا ما يؤدي للصراع المستميت بكل أشكاله وأنواعه ،والسبب في ذلك أن النفس الحاضرة لا تستطيع أن ترى ذاتها ،فقط تنظر للخارج وترى العالم شيئا مختلفا عنها وهي تريد أن ترى ذاتها في العالم فتحاول تغييره لصالحها وهذا أصل الصراع
ماهو الحل؟

الحل في تغيير المعادلة
أن ينظر الإنسان < لاأعني به الأفراد فحسب ، بل الجماعات / المؤسسات / التجليات الإنسانية المختلفة من فكر / وعي / إبداع / ثقافة / قانون..إلخ> إلى الداخل لا إلى الخارج ، فبعكس مايظن الناس العادة فإن الواقع الحاضر هو إنعكاس حقيقي للنفس الحاضرة لأن النفس في الواقع لاترى فعلا إلا ذاتها هي وحسب، وهي حينما تظن أن الواقع يحتاج إلى تغيير فهذا يدل فعلا أنها هي التي تحتاج إلى تغيير .
ماهي النفس الحاضرة؟
هي مايدركه الإنسان عن نفسه وتشمل مايسمى بالعقل ظاهر والعقل الباطن وكل صفات الإنسان الحاضرة ومكتسباتها المعرفية والأخلاقية ، هذه النفس الحاضرة هي نتاج تفاعل طويل بطول عمره بين ما كمن فيه من مواهب إلهية جسمانية وروحانية وبين ما إكتسبه في تجربته الحياتية منذ لحظة مولده، والأخطاء الكثيرة التي وقعت فيها هذه التجربة بسبب الفهم والوعي والتعامل الخاطي سواء من جانب تربيته أو من جانبه هو للحقيقة الإنسانية ودورها الحياتي ، ماتنتجه التجربة عادة هو ما يسمى بالنفس الحاضرة وهي بنية تربوية بنيت على أساس خاطيء وهو أن النفس الحاضرة هي مركز الكون ، في حين أن الحقيقة هي أن الإنسان < المعنى الكامل والنموذج> هو مركز الكون ، هذا المعنى والنموذج الكامل للإنسان هو ضمير مستتر وخفي موجود في ضمير كل إنسان ولكن النفس الحاضرة هي التي تغطيه وتخفيه عن الوعي وهو الذي عبر عنه المولى عز وجل حينما قال:" كلا بل ران على قلوبهم ماكانو يكسبون"

الأحد، 13 فبراير 2011

الإصلاح الديني


بسم الله الرحمن الرحيم
الإصلاح الديني (1)
سامي عثمان القريش
مقدمة
إن حركة الإصلاح الديني كما وردت في التاريخ الحديث هي الحركة الدينية التي برزت في أوروبا العصر الوسيط بقيادة المجدد مارتن لوثر، وناضلت من أجل تصحيح الكنيسة ضد قوى الكهنة والإكليريوس والملاّك وقادة الكنيسة الكاثوليكية الذين حوّّلوا الدين الى أداة في أيديهم لقهر العبيد وتأبيد جهلهم وتخلفهم للحفاظ على سلطة مؤبدة وأخطبوطية تغولت حتى على السلطة الملكية وأخضعتها فتحولت أوروبا الى أقطاعيات دينية في أيدي الملاك الكنسيين وتحول الناس الى عبيد للسادة والقسيسين والمفسدين ، لقدحاول مارتن لوثر أن ينتزع أي سلطة من أيدي هؤلاء ويبريء الدين من أن يكون أداة لقهر الناس فقاد الفلاحين الى ثورة دينية كانت تمهيدا لما سمي في التاريخ بحركة الأنوار التي أعادت للإنسان حريته وأعادت الإعتبار للعقل الإنساني وأعادت الدين الى وضعيته الطبيعية كمنبع أصيل للضمير الإنساني السليم . هذه الحركة حدثت في أوروبا العصر الوسيط وبداية العصور الحديثة ، فهل نحتاج نحن في عصر آخر هو عصر ما بعد الحداثة عصر تكنلوجيا الفضاء والجينات وعصر الديمقراطية وحقوق الإنسان، وفي مكان آخرتتعدد فيه الديانات والمذاهب والرؤى والأفكار وتصطرع فيه الأيديلوجيات حتى فقد فيه الدين رونقه وطبيعته الحقيقية كدين وتحول الى مجرد حركات سياسية ودينية تصطرع من أجل مصالح دنيوية بارزة للعيان لاتكاد تكون لها صلة بالسماء ، هل نحتاج في مثل هذا العصر الى أصلاح ديني؟ بل قل هل نحتاج الى دين أصلابعد أن ملأ العقل الفضاء الكوني واستطاع بكل قوة أقتدار أن يحقق للإنسان كل ما يصبواليه في حياته الدنيوية من الحرية والرفاه والحياة المدنيةالتي لم تترك للإنسان ولو دقائق ليفكرفي (الله)؟.في وقت تحولت الأديان الى أكبر محفز للصراع ونفي الآخر بل وقتله وتدميرالحضارة والإنسان بحجة الدين والجهاد والله ؟ام إننا مازلنا حتى في عصور ما بعد الحداثة نحتاج الى الدين من أجل (لجم) النفس الإنسانية السفلية والأمارة بالسوء والتي هي السبب في الحرب والقتل والتشريد ونفي الآخر وقهره واغتصاب حقوقه وانتزاعها ، نحتاج للدين من أجل السلام والمحبة والخير ووحدة الإنسانية وعناقها؟.
إن الإنسانية جميعها ، ليس في أوروبا أوالعالم الإسلامي أو غيرهما أو فيما يخص الإسلام أو المسيحية أو اليهودية فقط بل الإنسانية جميعها تمر بمفترق طرق خطير جدا فيما يخص موضوع الدين وضرورة وجوده في الحياة المدنية الحديثة ودوره فيها ، نحتاج من جديد ولمرة أخرى في التاريخ الى البحث في جوهر هذه القضية ، نحتاج الى (أنبياء) جدد لن يأتوا هذه المرة بخبر من السماء جديد ولكن (أنبياء) عقلانيين يجيبون عن هذه الأسئلة الكبرى في تاريخ البشرية .
أما فيما يخصنا ، فإننا نحتاج الى إعمال عقولنا في هذه القضية من أجل بناء النهضة الحقيقية لإنسان بلادنا والعالم وذلك لأن هذه القضية نعتبرها جوهرية جدا وفي قلب قضية النهضة الإنسانية ،لماذا؟
الدين يتعلق بالإنسان وجوهره لأن حقل عمل الدين الأساسي هوالقلب وهو المركز أوالقطب أوالكعبة التي تدور حولها كل الحقائق الجوهرية للإنسان كالعقل والنفس والغريزة والجوارح ، والنهضة في حقيقتها هي مسألة تحول في الإنسان أي تحول في هذه الحقائق من أن تكون مجرد حقائق منفعلة وسلبية الى حقائق فاعلة وايجابية وتقدمية، النهضة هي حركة من الداخل الى الخارج،من القلب الى العقل والنفس الى الجوارح الى الواقع الخارجي المادي ،تثوير لجوهر الإنسان واكتشاف لكنوزة الباطنة الهائلة،وتوظيف لهذه الكنوز من أجل خدمة الإنسان والعالم.في هذا الفضاء الداخلي يكمن الدين عاملا مؤثرا غاية التأثير، فهل الدين عامل إيجابي للنهضة أم سلبي ، هل الدين كدين عامل تقدم أم تقهقر للإنسان ؟.
وفي الفضاء الخارجي أيضا الدين موجود ، في شكل مؤسسات ونظم وقوانين وقوى إجتماعيةوسياسية وعادات وتقاليد وتابوهات ، فمتى تكون هذه القوى والمؤسسات عوامل دفع وتقدم للإنسان ومتى تكون عوامل قهر ؟. هذه هي قضيتنا التي يجب ان نعمل فيها عقولنا للإجابة عن هذه الأسئلة ، هذه هي بالضبط الأسس التي تقوم عليها حركة الإصلاح الديني.
· الدين والعقل :
هل يجوز(دينيا) البحث في مسألة الدين بطريقة عقلانية؟ وبعبارة أخرى هل يجوز إخضاع الدين للعقل ليكون العقل هو المرجعية النهائية للحكم على الدين؟ إن المنطق الديني البسيط(التقليدي) يرفض ذلك لأن الدين في الأصل مسألة غيبية ومرجعيته الأصلية هي الوحي بمعنى أنها خارج نطاق البحث العقلاني وفق منهجيته المادية التي تقوم على الشك والتجريب المادي، ولكن التعامل مع الدين يجب أن يتم بطريقة إيمانية بحتة بمعنى التصديق القلبي بالوحي أو عدمه ، نعم الدين يعتمد العقل لإيجاد الدلائل على (صدق)الخبر السماوي –كالتدبر في الآيات مثلا- ولكن المحك الديني هو التصديق القلبي والغرض من العقل هو دعم الإيمان، بل إن العقل نفسه جزء من هذه الدلائل باعتباره حقيقة جوهرية وغيبية في الإنسان تدل على وجود خالق مبدع لها ، إذاً العقل لايستطيع أن يكون حاكما على الدين إطلاقا في حين أن مرجعيته(أي الدين) لأثبات دلائله هي مرجعية دينية وغيبية. نحن هنا في مفترق طرق بين العقل المادي والإيمان الغيبي ، ونحتاج حتى نحكم على الدين لإعادة تعريف العقل نفسه لأننا وبالرغم مما قدمنا نجد في الدين حث بل وإصرار وتوكيد وتكرار لهذا الحث لإعمال العقل في الكثير من الأمور المتعلقة بالدين والغيب ، الاّ أن العقل الذي يتم تعريفه في الدين يختلف عن العقل كما نستخدمه نحن في حياتنا الدنيوية وفي بحوثنا المدنية ، فأي عقل من هؤلاء نعتمد في بحثنا في مسألة الدين والإصلاح الديني. إننا أمام مشكلة معرفية حقيقية أمام عقلين كلاهما يتناقض مع الآخر : عقل مادي حين النظر عبره الى الدين يذهب مباشرة الى تجريد الدين من عنصره الغيبي ولايعترف الاّ بالمشهود المدروس بنيويا وتاريخيا منه وبالتالي يحول الدين الى مجرد حركة تاريخية أو تراث جماعي أو ثقافة شعبية ويجرده من أهم خصائصه كدين مصدره الغيب، وعقل إيماني(كما يبدو عند القوى الدينية التقليدية) يبدو مسلما تسليما أعمى للغيب والنصوص المنقولة مجردا ذاته من أهم خصائصه كعقل مجمّدا لها إذاء النصوص الدينية موظفا نفسه إذاء هذه النصوص كمتلقي سلبي وحفّيظ. علينا البحث عن شيء آخر يكون حاكما على الكل نستطيع من خلاله أن نختار العقل الذي نريد ونستطيع أيضا أن نبحث في قضية الدين بإطمئنان ، فما هو هذا الشيء؟إنه حاجتنا الإنسانية للتغيير والبحث عن الأفضل لنا إجتماعيا أو ثقافيا أوحتى وجدانيا ، وهذه الحاجة لاتحتاج لدليل عقلي أو بحث علمي لأثباتها أو دين لتوكيدها ، إنما هي حاجة إنسانية واقعية وشعورية تؤكد نفسها بنفسها(يجب ان ننتبه هنا الى أن هذه الحاجة ليس المقصود بها الهوى بل يجب ان تكون محكومة بالضمير الإنساني الأخلاقي الذي يعمل من أجل مصلحة الكل والغير لا المصلحة الذاتية المجردة من الأخلاق) ، والإنسان هو الحاكم النهائي على الدين والعقل كليها باعتبارهما مجالات نشاطه العقلي والوجداني.
إذا ماهو العقل الذي نريد وفقا لهذا المفهوم الإنساني ؟. إن للدين بعدان جوهريان متعلقان بالإنسان: بعد ذاتي وهومسألة الإيمان وعلاقته بربه واعتقاده فيه ،وبعد موضوعي وهو الأشكال الخارجية التي يظهر فيها الدين من خلال اللغة والسلوك والعلاقات الإجتماعية والمؤسسية والسياسية ... الخ والعقل هو الكيفية التي يدرك بها الإنسان هذه الجوانب ويتعامل معها. الجوانب المادية التي هي الأشكال الخارجية للدين بعد تمظهره خاضعة للحكم العقلي والبحث العلمي في صورته المادية والمدنية سواء كان من حيث البنيات الداخلية والتنظيمية والكيفيات أو من حيث البنية الخارجية بمعنى علاقاتها الإجتماعية وأثرها النفسي أو من حيث تطورها التاريخي ، يستطيع الإنسان أن يطوروعيه بهذه الأشكال الظاهرية للدين وعلاقة إنتمائه بها باستخدام العقل ، أما الجوانب الوجدانية أوالروحانية للدين فلامجال فيها للبحث المادي(التجريبي) باعتبارها جوانب غيبية ومعنوية يمكن أن نسميها(فوق نفسية) إن وعي الإنسان بهذه الجوانب يظل وعيا (عقل عاطفيا) متعلقا بإيمانه وتصديقه لها ، إن التناقض الظاهري بين العقل المادي والوعي العاطفي يخلق إستقطابا حادا تجاه الدين يصل الى مرحلة رفض كل طرف للآخر رفضا تاما ونفيا له، والسبب في ذلك التمركز الشديد لكل طرف حول مركزه الذاتي لأن هذه طبيعةالذات البنيوية التي تميل الى الظن أنها مركز العالم ، والحل لهذا الإستقطاب هو التنازل من كل طرف للآخر والإعتراف به باعتبار أن العالم يسع الجميع ، والإعتراف يخلق شكلا من أشكال الوحدة والتكامل بين الطرفين يمكن أن نسميها ب(العقل الإنساني المثنوي والجديد) سميناه بذلك لأنه يجمع بين جانبي الوعي الإنساني : العقلاني والعاطفي ، وهو بذلك يمثل الجوهر والقلب والمركز للإنسان ، ومن خلال هذا القلب أو العقل يدرك الإنسان ذاته وعلاقته بالعالم بصورة شاملة ودقيقة. وفي الحقيقة فإن هذا العقل الإنساني ليس بالأمر الجديد في حركة الإنسان في التاريخ ، فإن هذه الحركة عبر التاريخ وعبر كل جوانبها العقلية والوجدانية أو الثقافية لم تعرف الفصل بين هذين الجانبين ، وقد تم التعبير عن هذا العقل في كل النصوص الدينية (يتم التعبير عنه في القرآن بمصطلح اللبّ أو- القلب الذي يعقل-) ولكن الفصل والإصطراع نتج في التاريخ نتيجة الصراع بين المؤسسة الدينية والمؤسسة الزمنية وهو الصراع الذي أنتج إبعاد ماسمي عندالفلاسفة الماديين الذين أنتجتهم حركة العلم التجريبي في أوروبا ب(العقل الحدسي)والإكتفاء فقط بالعقل المادي الذي قامت عليه كل الحضارة المادية الحديثة وموقفها من الدين.
الدين من الداخل:
الدين(في أصله) بمعنى -قبل تمظهره- هو عبارة عن علاقة وجدانية/إعتقادية مع موجود غيبي لايستطيع الإنسان أن يدركه حسا أو يدرك حقيقته عقلا ولكن شعورا يدرك أنه موجود في حياته ومؤثر فيها ،وهو يعتقد ويتطور هذا الإعتقاد مع تطور العقل باتجاه الشمولية والكلية والإطلاق أن الله هو خالق الوجود ومدبره والمحيط به بصفاته من الوجود والعلم والقدرة والإرادة والحب والقيومية والتدبير والرحمة ...الخ إن مصدر هذا الشعور الذي يدعم الإعتقاد ليس هو العقل المادي أوالحسي الذي يتعامل مع المحسوسات مباشرة ولكنه العقل الفوقي أوالحدسي الذي يتعامل مع كليات الوجود ويشعر ويؤمن بوجودها ، هذا العقل يخبره دائما أن وراء هذه المادة ذات غيبية خالقة ومتحكمة فيها ولابد من التعامل مع هذه الذات، ويخبره أن هذه الذات خالقه له هو أيضا وقائمة على كل حركته وسكنته ، وهذا الإدراك يفرض على الإنسان إن يقيم علاقة مع الله ، وهي علاقة ذات طبيعة خاصة لأنها بين طرف حسي وآخر غيبي ولها نظام خاص هو نظام تربوي في الأساس لأنه يهدف الى هدف معين، إذاً يمكننا أن نحدد أسسا لنظام العلاقة الدينية العقل قلبية مع الله :
- الرابط الأساسي بين الطرفين .
- العوامل التربوية الدافعة لتحقيق الهدف.
- الهدف نفسه كدافع.
هذه العوامل الثلاثة مترابطة ومتجانسة في كل واحد.
أولا: الرابط الأساسي بين طرفين هما الرب والعبد – والرب من التربية – أي القائم على تربية الإنسان بالإيجاد والإمداد وتربية السلوك وتحقيق الهدف المقصود ، وبالرغم من شكل التناقض القائم بين الرب والمربوب الاّ أن الرابط الأساسي بينهما هو الحب والمقصود به علاقة التجاذب بين الطرفين، إذاً هناك جدلية في هذه العلاقة أشبه بما يدور في داخل الذرة من خلال قوى الطرد والجذب المركزية ، فقوى الطرد ناتجة من خلال دوران الألكترون حول النواة وهو بذاته الدور الذي يقوم به العبد في مواجهة ربه، وقوى الجذب من وجود كتلة النواة التي تواجه كتلة الألكترون وهي المواجهة بين ذاتي العبد والرب ، وهذه الجدلية تتجلى في مفهومين أساسين هما العبادة والعبودية أو الحب ، العبادة هي السلوك الظاهري الواجب على العبد والتي تدور حول معبود واحد ، وهي مسألة قاسية ومنفرة كما قيل ( طريق الجنة محفوف بالمكاره) فهي قوى الطرد بين الطرفين وتعبر عن جانب الجلال في الله الذي يظهر(كمعبود) عالي وقهار وتظهر من خلال أسماءالجلال المختلفة. أما العبودية أوالحب فيظهر عندما يشعر الإنسان بالمواجهة المباشرة مع ذات الله (وهي حالة روحانية تسمى بالحضور) والعبودية حب لان الإنسان عندما يواجه الذات العلية يعلم أنه لاشيء لأن كل مافيه من الله فهو المالك الكلي لذات الإنسان إذاً الإنسان لايملك ذاتا يحب بها ربه إنما الذي يحب الله في الحقيقة هو الحقيقة الربانية في الإنسان فهي تحب أصلها ، أو بعبارة أخرى إن المواجهة تعني أن كل طرف يرى حقيقته في الآخر ، والحب في الحقيقة حب للذات فالعبد حينما يواجه الله لايشهد الاّحقيقة كونه عبدا فقيرا كامل الفقرلله ، والله حينما يواجه الإنسان يحب أن يشهد ربوبيته من خلال إفتقار العبد اليه ، هذا هو الأصل الأول الذي يقوم عليه الدين وهوالرابط الأساسي بين الله والإنسان .
ثانيا العوامل التربوية في العلاقة بين الإنسان والله : المقصود بالعوامل التربوية الوسائل التي عن طريقها يسلك الإنسان الى الله يعني تحقيق هدفه وهما عاملان يتفرعان الى عوامل كثيرة تفصيلية لامكان هنا لشرحها . هذان العاملان هما الخوف والرجاءوهما الذان يتجليان في الدين كنظام تربوي فيما يعرف: بالثواب والعقاب،وتتجلى الشريعة كلها كنظام عملى وسلوكي يهدف الىتحقيق الأهداف التربوية المنشودة. الخوف والرجاءفي العلاقة الوجدانية مع الله تعالى يمثلان الإطار السلوكي والمعرفي لعلاقة مركزها الحب، فهما حافتي الوادي المقدس والسراط المستقيم وهما دوافع نفسية تدفعه دفعا للإقتراب من الله فهو يفعل مايرضي الله ويقربه منه خوفا من جلاله ورجاء لجماله وهما مع الحب يشكلان النظام الثلاثي الأبعاد الذي يحقق الهدف، ولكن ماهو الهدف؟
ثالثا : الهدف من هذه العلاقة هي الوصول اليه بمعنى التحقق بالحقائق الربانية، والتحقق يعد ارفع مستوى من مستويات المعرفة والتي هي الهدف النهائي والغاية الكبرى للدين، قال صلى الله عليه وسلم:"واتقوا الله ويعلمكم الله".حتى يحقق في ذاته صورة الكمال الرباني التي هي إنعكاس الحقائق الإيجابية على مرآة الحقائق السلبية(العز والأمن والغنى والقوة.../الخوف والإفتقار والتذلل والضعف...) الإنسان الكامل هو العبد الكامل لله وهي غاية الأديان جميعا لم يستطع أن يبلغها الاّ الذين وفقتهم يد العناية الإلهية من الأنبياء والأولياء.والسبب في ذلك أن طريقها محفوف بالمكاره لأن الإنسان الذي يسعى الىالله يجب أن يتخلى عما سواه وماسوى الله هو ذات الإنسان نفسها بمعنى أن يتخلى عن ذاته نفسها التي تتعلق بشئون الحياة من القوة والمنعة والتسلط والرفعة الظالمة للآخرين وهذا يعد من أصعب الأشياء. القضية هنا ليست قضية زهد بقدر ما هي قضية حرية وأخلاق والسؤال الذي يهمنا في هذا الموضوع هو: هل هذه العلاقة تشكل عامل دفع أم صد لنهضة الإنسان وانطلاقته الدنيوية ؟ هناك سؤال فرعي ولكنه أساسي وهو:ماهي علاقة الإنسان بما هو(سوى)و(غير) الله في إطار علاقته بالله؟ هذه القضية يحكمها مبدأ التوحيد المتجسد في عبارة (لا اله الاّ الله)وهي عبارة سلوكية بمعنى أنها أداة مهمة في يد الإنسان في سلوكه الى الله وهي مَركبُه أو (بُراقُه)الى الله . وهي في نفس الوقت الأساس الجذري لحرية الإنسان على الأرض ،والأديان جميعها في حركتهاالأرضية ماجاءت الاّ لتؤكد هذه الحرية وتحرر الإنسان ، فكلمة (اله) واسعة المعاني والدلالات وليس المقصود المعبود بمعنى مجردالعبادة المعروفة فقط، ولنا أن نتساءل هنا عن معنى العبادة نفسه هل هي مجرد أداء شعائر دينية معروفة في أطار الأديان المعروفة إجتماعيا في التاريخ أم لها معنى أوسع من ذلك؟ إن الشعائر ماهي الى وسيلة ومظهر خارجي وليست العبادة نفسها، والعبادة هي التعلق القلبي بالإله ، واله الإنسان هو كل مايتعلق قلبه به وهو ما(يأله) اليه بمعنى يحتاج اليه ويجعله أساسه ومرجعه في كل شأن ،أي هو القيد المطلق للإنسان ولايوجد من يستحق ذلك دينيا الاّ الله تعالى ، وهذا يعني أن كل ما سوى الله من الموجودات الكونية لاتستحق أن تستعبد الإنسان بل على العكس هي دونه وهي التي تحتاج وتلجأ اليه بمافي ذلك نفسه وهو لايلجأ الاّ الى الله وهذه هي قمة الحرية.
بهذه الطريقة يشكل الدين في وعي الإنسان رؤية للعالم تتمركزحول وعي بالعالم سميناه (عقلوجداني)يقوم على المنطق الحدسي باعتبار الإنسان منصة للوعي بالعالم الخارجي بما يتطلبه من إنعكاس لهذا العالم في وعي الإنسان. إذاً هي رؤية تستند على ثلاثة عناصر جوهرية هي:الإنسان – العالم(بشقيه المادي والوجداني) – الله . هذه الرؤية تعتبر أكبر محفز على الإطلاق لحرية الإنسان في العالم ولنهضته فيه لأن الإنسان يمثل الصلة الجوهرية بين الله والعالم لذلك فله علاقة مزدوجة مع كلي الطرفين، وكل منهما شرط للأخرى فالعبودية(لله) لاتتحقق الاّ بشرط الحرية والحرية لاتتحقق الاّ بشرط العبودية، أكثر من ذلك ، فبما أن الإنسان صلةالعالم بالله والعكس فالله يظهر للعالم من خلال الإنسان (رمز آدم) وهذا هو سر تسخير العالم للإنسان فهو طوع إرادته الحرة التي تظهر من خلال العبودية، ومن جانب آخر فإن الله يظهر للإنسان من خلال العالم في صورة كمال جلالي جمالي فيتحول العالم بين يدي الإنسان الى معراج وحقل إمداد لانهائي يتخلق فيه الإنسان من جديد وبإستمرارلانهائي.
الدين من الخارج:
المقصود هنا شيئان:
- الدين كسلوك شخصي يعلق بالعبادات من ناحية ومن ناحية أخري كأخلاق ومعملات.
- الدين كمؤسسات إجتماعية وجماعات ، سياسية كانت أم فقهية.
لقد جسدت الأديان في التاريخ الإنساني على هذا المستوى صورا لتطور العقل الإنساني حسب ظروفه التاريخية وحاجاته المعيشية في كل مرحلة ، فالأديان المختلفة وبكل أشكالها الأرضية والسماوية تجسد ذلك وتعبر عنه ليس ذلك فحسب بل كان لتلك الأديان أكبر الأثر في تطور صورة العقل إيجابا أو سلبا . فالدين هو إنعكاس للعقل وفي نفس الوقت هو باني لهذا العقل وصانع له ،وفيما يخص الدين فلا يمكن أن نفصل فصلا جذريا بين (الداخل) أو العقل وبين (الخارج) ، فالدين هو نتاج تفاعل الإنسان مع الوجود الكوني بشقيه المادي والروحي أو هو إبداع إنساني خالص مصدره الوحي (العقل الحدسي) متفاعلا مع العقل المادي أو صورة العالم كما يفهمها الإنسان في تاريخه ، وعموما في أي مرحلة من مراحل التاريخ يمكن تقسيم الدين على مستواه الخارجي إلى مؤسستين :
* مؤسسة فردية أي الدين على مستوى الفرد وعلاقته بالوجود الكوني :العالم والله والناس، * العالم : أي علاقته بالأشياء المادية وكيفية التعامل معها* والله : بالنظر إلى الطقوس الدينية وأشكال العبادات المختلفة * والناس : بالنظر إلى أخلاق الفرد وأشكال تعاملاته الإجتماعية والاقتصادية والسياسية معهم ، وفي هذا الإطار يمكن التعرف على ثلاث بني أساسية مشتركة في كل مرحلة تحكم هذه المؤسسة وهي
- المعرفة .
- المهارة أو الجودة .
- الإتجاه .
وبحسب هذه البني يمكن الحكم على الدين في هذا المستوى باعتباره دينا إيجابيا أو سلبيا ، بالطبع فإن الدراسة العقلية المادية (الأمبريقية) تستطيع تتبع والتحقق من الآثار المادية أو النصوص والحكم عليها وفق المناهج التحليلية والمقارنة ، أما الحكم على الدين ككل في أي مرحلة من المراحل يحتاج إلى إعمال العقل المزدوج أي العقل المادي - الإنساني بإستصحاب الإتجاهات الدينية في كل مرحلة . وفي هذا المستوى يمكن القول أن الدين الإيجابي هو الذي يستطيع أن يرفد الفرد بالمعرفة التي تؤهله لتجاوز أوضاعه المتخلفة للإرتقاء إلى أوضاع أفضل ، كما يستطيع أن يملكه المهارات االعملية والإجتماعية التي بها يساهم في تطوير واقعه ، كما يعطيه القدرة على تحقيق إتجاهات إيجابية في تعامله مع الوجود والكون .
· مؤسسة جماعية : أي تكوّن الجماعة الدينية كهياكل تنظيمية وكقواعد أخلاقية وكقواعد تنظيمية وقوانين ، إن بناء المؤسسة هو إنعكاس لذوات أصحابها ، إن الهدف الأساسي للمؤسسة الدينية هو تربية الأفراد على أساس الدين بحيث يصبح الأفراد صورة متحركة لهذا الدين فهي مؤسسة معرفية وتربوية في الأساس ، والمؤسسة الدينية في أي وقت من الأوقات تمثل أفراد ذلك الدين وقد تتناقض معهم بحيث تتحول من مؤسسة معرفية وتربوية تساهم في تطويرهم إلى سلطة عليهم وحينها تصبح مصادر المعرفة شيئا آخر غيرالمؤسسة : التجربة الفعلية المادية للأفراد أو إستبطانهم الذاتي ، وإذا حدث تطور ما في وعي الأفراد بالعالم حسب تطور احتياجات جديدة في هذه الحالة تصبح المؤسسة الدينية مؤسسة تقليدية ويعمل الأفراد على تطويرها بالتفاعل مع قياداتهم الدينية فإذا كان هناك توافقا على أهداف التغيير حدث ذلك بصورة سلمية وتجدد الدين، أما إذا عملت القيادات الدينية على المحافظة على الأوضاع القديمة ومحاربة التغيير أصبحت المؤسسة الدينية وبالاً على الجماعة ويجب تغييرها بصورة ثورية لأنها تقف حائلا أمام نهضة الأفراد وحريتهم الذاتية التي قوامها المعرفة والمهارة والإتجاه الإنساني ، بديلا عنها يبدأ الأفراد في بناء مؤسسات جديدة تمثل مرحلة جديدة من مراحل تاريخ الجماعة.
فيما يخص النهضة الإنسانية الحديثة فإن الإصلاح الديني في مستوييه الفردي والجماعي يحتاج بدأً - كما أسلفنا – إلي ثورة على المستوى الثقافي والعلمي العام نستطيع من خلالها تطوير المفاهيم المعرفية والمنهجية التي من خلالها نحدد معايير إصلاح المؤسسات التربوية والقانونية والتشريعات وفق رؤية إنسانية إيجابية كما نحتاج إلى ثورة إجتماعية عميقة نستطيع بها إنتزاع السلطة الدينية من أيدي القوى غير الإنسانية التي تتزيا برداء الدين والتي تقف حجر عثرة ضد حرية الإنسان.
سامي عثمان القريش
منبر أصدقاء الإنسان الجديد
2007
بسم الله الرحمن الرحيم
الإصلاح الديني(2)
سامي عثمان القريش
مقدمة
إن قيام حركة ثقافية ذات بعد واهتمام خاص بقضية الدين وعلاقته بالمجتمع والتطور الإنساني مسألة تقتضيها الحاجة الملحة إجتماعيا وسياسيا للنهضة، فالدين يمكن إن يكون عامل دفع قوي جدا لعملية النهضة باعتباره منبعا جوهريا لثورة الإنسان من اجل حريته ومناهضته الظلم والقهر والإستعباد .إن واقع الدين متمثلا في مؤسساته الإجتماعية والسياسية يدل على إنحراف كبير وتأويل فاسد للحقائق الدينية إستمر أزمانا طويلة وخلق حالة من الإعتقاد البدهي أن أصل الدين هو قهر للإنسان بما يتجلى فيه من أسماء القهار والمنتقم وغيرها المسماة بأسماء الجلال والتي إنعكست وتجلت في بناء المؤسسات الدينية التي (تنوب عن الله ) - كما يشاع- في إستخدام هذا القهر لإستعباد الناس للناس بدلا عن الله . هذا الأنحراف خلقته المؤسسات الدينية (المقصود بالمؤسسات الدينية كل الجماعات الفكرية أو السياسية أو الدينية) والتي إرتبطت مصالحها عبر التاريخ بالسلطة السياسية لتلعب معها أدورا متكاملة : تبرير الفساد وارتكاب الظلم والكبائر في مقابل الحفاظ على سيادة فكرية وعقدية بين الناس، وللحفاظ على هذه السلطة ومن ورائها مصالحها الذاتية عمدت الى تأبيد حالة الجهل بالدين من خلال الغائها للعقل لمصلحة النقل الذي تحتكره هي بالذات وتحتكر تفسيره.
إذا أردنا أن نقيم إصلاحا للدين بمعنى إعادته لأصله الإنساني الذي لايستعبد الإنسان الاّ لربه، لابد لنا من هذه التحديات والمهام:
1- إعادة الإعتبار ل(العقل الإنساني) –لا أقصد العقل في صورته المادية المجردة كمعيار وحيد ، بل العقل الإنساني بشقية المادي والوجداني أي الحدسي - كحاكم على الدين والدنيا وكمرجعية نهائية لكل حركة الإنسان في التاريخ.
2- إصلاح المؤسسة الدينية لتتحول من مؤسسة ذات (سلطة) دينية على الإنسان الى مؤسسة تربوية وإرشادية مجردة، إذ لاوجود لما يسمى بالسلطة الدينية في الدين الاّ سلطة الله على الإنسان التي يمثلها الضمير الإنساني الحي، ومهمة المؤسسة الدينية هي تنمية هذا الضمير الإنساني الرباني وتربيته وليس إستبداله بسلطة خاصة في يد قادة هذه المؤسسة .
3- إصلاح المؤسسة السياسية لأنها مؤسسة زمنية تختص بشئون الناس الدنيوية ، وتفويضها جماعي بمعنى أنها ملك الجماعة التي تمثلها وتعبرعن الذات الكلية لها ، فقد خرجت بذلك من الدلالة الذاتية الى الدلالة الموضوعية ، فالحاكم فيها هذا التفويض المتجلي من خلال التشريعات والقوانين التي تتوصل اليها الجماعة وتتفق حولها بعد المناقشة العقلانية حول أحوال الجماعة وشئونها وحاجاتها ولايحق لأي طرف من أطراف الجماعة أن يفرض تصوراته الخاصة بحجة الحاكمية الدينية ، فحاكمية الدين موجودة ولكنها على الضمير وحسب(حتى على ضمائر أصحاب السلطة).
إصلاح الدين في السودان :
في السودان أديان كثيرة ومتعددة وثنية وسماوية الى جانب وجود أفراد وجماعات وثقافات لادينية أو تمتلك ضميرا الحاديا يشكل في ذواتهم ضميرا مالكا وحاكما ومرجعا لرؤيتهم الكونية ولكل حركتهم في الحياة . الاّ أن الأديان الرئيسية في السودان والتي ترتبط إرتباطا وثيقا بالمجتمع ككل من خلال وحدته وتطوره هي الإسلام والمسيحية . السؤال الجوهري هنا وفيما يخص حركة النهضة الإنسانية في السودان هو : هل تستطيع هذه الأديان والضمائر إن تعمل من أجل مصلحة الإنسان السوداني كإنسان وحسب (أي بصرف النظر عن إنتمائه العرقي أو الشعوبي أو الثقافي او الأيديلوجي) حقه في الحرية والتطور والمساواة أم تعمل على عكس ذلك ؟ هذا سؤال مرجعي ومنهجي لتحديد موقفنا من /وعلاقتنا مع هذه الأديان ومحاولتنا لإصلاحها .
إن وجود تعدد للأديان وخصوصا في أوضاعها (الزمنية) يخلق حالة أشبه بالصراع أو الحرب الدينية نفسية كانت أم فكرية إن لم تكن حرب فعلية وسياسية، بل أكثر من ذلك عنيفة وإرهابية. والدين باعتباره رؤية للعالم يمكن أن يصبح اشد رؤى العالم نفيا للآخر ورفضا له ليس فقط لأنها تتمركز حول نفسها وتظن نفسها مركزا للعالم ، بل أكثر من ذلك تستند على سند رباني والهي مطلق يقوم على أن العالم كله بيد الله تعالى وراجع اليه وطائف من حول كعبته المطلقة. لذلك فإن لهذه الأديان اخطر الأثر على الحياة الإجتماعية والسياسية خصوصا إذا استطاع أحد هذه الأديان إخضاع السلطة السياسية في المجتمع والدولة وجعلها أداة من أدواته لفرض رؤيته هذه ، وهذا بالضبط ما يحدث في السودان الآن.
والمسألة أوسع من ذلك في ما يخص النهضة الإجتماعية العميقة في قواعد المجتمع الواسعة في المدن والقرى والأرياف والمجتمعات المحلية ، لأن هذه الأديان من خلال رؤاها المختلفة تسيطر على الضمائر والنفوس والقلوب وتتحكم في حركةالحياة الإجتماعية بصورة عميقة وجذرية وإطلاقية ، وسيكون لها أثر كبيرجدا إيجابا أوسلبا في حركة النهضة . إننا لانستطيع ان نقول أن كل الرؤى الدينية المتجذرة في المجتمع رؤى سلبية تجاه النهضة وخصما عليها بل إن الرؤى الدينية الإيجابية التي يمكن ان تكون في قلب حركةالنهضة وتمثل قوة دفع فيها موجودة ولكنها متنحية مكنوزة وخابئة وكامنة في جوهر الإنسان وضميره الحي وتحتاج الى لبحث وتثوير وإخراج واكتشاف ، إنما السائد المتحكم في المجتمع هي الرؤى والقوى السلبية ، والتحدي الكبير هنا هو إنتزاع السلطة (زمنية كانت أو دينية) من أيدي هذه الرؤى والقوى وتنحيتها لفتح الباب للضمير الإنساني الحي أن يتقدم ويصنع نهضته، إن أسلوب حركة النهضة لاتزاع هذه السلطة من أيدي القوى والرؤى السبية يجب ألاّ يكون عنيفا الاّ إذا اقتضت الضرورة السياسية ذلك ، ولكن الأصل في إنتزاع هذه السلطة هو تعريتها وكشف حقيقتها الزائفة : بأن لاأصل لها في الدين.
سأحاول هنا أن أضع بعض الإضاءات السريعة لواقع الرؤى الدينية المؤثرة ومواقفها من حركة النهضة والإصلاح:
اولا: الدين المسيحي:
الديانة المسيحية ديانة أقلية في السودان – خصوصا في الشمال - (من حيث عدد الأتباع) إذا نظرنا اليها بصورة عامة ، لذلك هي لاتملك أية سلطة سياسية أو إجتماعية على غالبية المجتمع ، وأثرها على هذه الغالبية سيكون من حيث علاقتها بها سلمية أم صراعية. ولكن سلطة هذه الديانة واقعة على أتباعها وهم فئة مقدرة وكبيرة من الشعب السوداني(الغالبية في الجنوب) ولها الأثر الكبير في حركة النهضة لذلك فإن هذه السلطة مهمة وذات أثر . وفيما يخص الديانة المسيحية، فإن حركة الإصلاح الديني التي حدثت في أوروبا منذ القرن السادس عشر كان لها أثر كبير على هذا الدين الذي إنقسم أتباعه الى تيارين رئيسيين: تيار الكنيسة الكاثوليكية وهذه تؤمن بفلسفة الحلول والإتحاد المادي والطبيعة الإلهية للمسيح والإتحاد الكامل بينه وبين الله وبالتالي فهي تعبد المسيح باعتباره ربا لها ، ثم يتحول المسيح متحدا في الكنيسة كمؤسسة ذاتية له والتي تتجلى في قادتها ، هذه المؤسسية الدينية تتحول الى سلطة دينية وزمنية مطلقة في أيدي القادة والكهنوت ، تستعبد الأتباع وتعتبرهم جزءا لايتجزأ من الكنيسة وبالتالي تنزع منهم حرية التعبير عن الضمير الشخصي فهم لايستطيعون التعبير الاّ عن آراء الكنيسة فلا وجود لذواتهم الخاصة.أما التيار الرئيسي الثاني هو تيار الكنيسة الأرثوذوكسية وهي كنيسة نشات في الشرق وتأثرت كثيرا بالإسلام خصوصا في مستواه السياسي ، وهي لاتختلف كثيرا (كما أعتقد)عن الكنيسة الكاثوليكية الاّ في علاقتها المتحالفة من القوى الشعبية الإسلامية وتداخلها الإجتماعي مع المجتمعات المسلمة.أما الكنيسة البروتستانتية البريطانية فإن أثرها في السودان ضعيف الاّ أنها وبالرغم من تحالفها مع القوى الإستعمارية تقترب كثيرا من فلسفة النهضة باعتبارها تعترف بحرية الإنسان والمستمدة من الطبيعة البشرية للسيد المسيح.
ثانيا الإسلام :
الإسلام هو أخطرالديانات في السودان وأكثرها التصاقا بقضيتنا وتأثيرا فيها لأنه صاحب السلطة السياسية والإجتماعية والذي يشكل الحياة الإجتماعي والثقافية لغالبية أهل السودان إن لم يكن كلهم إطلاقا .فهل الإسلام في السودان يمثل عامل دفع أم صد لحركة النهضة الإنسانية ؟ طبعا لانستطيع أن نحكم ونجيب هكذا وبصورة عامة ما لم نبحث في التيارات والمذاهب الفكرية والعقدية وتطورها التاريخي وعلاقتها بقضية (حرية الإنسان)، لن أستطيع هنا أن أدخل في هذا البحث لأن له مكان آخر غير هذه الورقة، إنما سأواصل في الإضاءات السريعة للتيارات الرئيسية:
للإسلام في السودان تياران رئيسيان يتفرعان الى عدة تيارات ورؤى مختلفة تصب في تيارها الرئيسي :
1- الإسلام السلفي في شقيه السياسي والدعوي وهو تيار نصوصي بالأساس بمعنى أنه يستمد أدلته إستنادا على التفسير الظاهري للنصوص، ويتوسل بذلك لتأكيد وجود السلطة الدينية(كسلطة زمنية)بمعنى وصايتها المباشرة والقانونية على السلوك الظاهري للناس، وذلك بدون إعمال المبادئ العقلية التي تحكم عملية التفسير أوالتأويل ممايؤدي الى تأويل فاسد وتحريف عملي للمقاصد الخيرة والشرعية للإسلام من اجل الحفاظ على السلطة السياسية أو إنتزاعها من الغير مستفيدة غاية الإستفادة من العاطفة الدينية للجماهير وجهلها بالمقاصد الإنسانية للدين، ومستفيدة أيضا من المؤسسة الفقهية كمرجعية معرفية وهي مؤسسة متجمدة منذ عصور الأئمة لم تستطع الإضافة لجهودهم بما يتطلبه الواقع الإنساني المتغير .
2- الإسلام الشعبي والمتمثل في الطرق الصوفية وهو تيار متفاعل مع حركة القواعد الإجتماعية مؤثرا ومتأثرا بواقعها الإجتماعي والإقتصادي والثقافي والسياسي ، لذلك لانستطيع أن نقول أنه تيار متجمد اوجمودي الاّ في إطارجمود الحياة الثقافية والمعرفية العامة، والواقع أن الحياة الإجتماعية والثقافية في المجتمع السوداني جامدة ومتخلفة، وللتيار الصوفي علاقة بهذا التخلف فيمكن إعتباره من ناحية أحد أسباب هذا التخلف ويمكن إعتباره من ناحية أخرى مظهرا من مظاهر التخلف.والتصوّف نوعان أوتياران : التصوف كرؤية معرفية(التصوف العرفاني)أوالفلسفي وهو عبارة عن مشاهد قلبية تستجلي حقيقة الدين وتستفيد من الأسس العقلية لتفسير الظواهر والنصوص الدينية بما ينسجم مع تلك المشاهد ومع ضمير أخلاقي صافي وسليم، وهي بذلك تنظر الى جوهر الدين وباطنه لتصل من خلاله الى حقيقة الإنسان والكون والله ولتعرف ماهية الدين والشريعة ودورهما ودور الإنسان في الحياة، لذلك هو لايعتبر تيار نصوصي بقدر ما يعتبر تيار (عقل وجداني)، الاّ أن هذا التيار العرفاني ضعيف التأثير على المجتمع وهو يؤثر على المطّلعين عليه من أفراد الصوفية الكبار وهو محجوب عن القواعد الوسعة للمتصوفة بحجة عدم قدرة العقل العادي على الفهم وتحمل تلك المشاهد القلبية العالية في حين أن قادة وعلماء الصوفية لا يقومون بالدور العلمي لتنزيل تلك المعارف الى مفاهيم يفهمها عامة الناس ويستطيعون التعامل بها مع دينهم .النوع الثاني هو (التصوف العملي) وهو التيار الأوسع إنتشارا والأكثر تأثيرا على القاعدة العريضة من المجتمع ويمكن إعتباره بشكل مباشر حركة إجتماعية ثقافية ضخمة مثلت في تاريخ معين ذات وضمير الشعب وشكلت وجدانه وبنت شخصيته المميزة وهويته الوطنية الخاصة، الاّ أن هذا التيار تخلف وتوقف عند مرحلة معينة وتحول الى نظام إجتماعي طقوسي وجامد ساهم في جمود الحياة العقلية والثقافية والإجتماعية والسبب في ذلك النظام الإجتماعي للطرق الذي حول النظام التربوي والإرشادي الى ما هو أشبه بالسلطة الدينية الكنسية التي تسعى الحجب المعرفة عن عقول الأتباع لتحافظ على (المكانة الدينية) للمشايخ في قلوب الناس في حين أن المعرفة الصوفية الحقيقية هي التي ترفع هؤلاء المرشدين الى مكانتهم كمرشدين ربانيين وسرج هدى للقلوب.
إن حركة الإصلاح الديني في اعتقادي تهدف الى إعادة الدين كمؤثر إيجابي في حركة النهضة والتقدم الإنساني وتنحية العوامل السلبية فكرية كانت أم اجتماعية . وليتم ذلك لابد من بناء نظام معرفي للتعامل مع الدين : لتعريفه ولتحدديد دوره ومعرفة النصوصوكيفية التعامل معها والمؤسسات العقدية والإجتماية والسياسية التي تنبني عليها .
إن الرؤية الصوفية كرؤية معرفية وكحركة إجتماعية أكثر الرؤى تجانسا مع حركة النهضة ويمكنها أن تساندها وتتحالف معها بشرط العمل على تصحيح الأوضاع المتخلفة وتتطوير التجربة الصوفية عمليا وعلميا واجتماعيا.
سامي عثمان القريش
منبر أصدقاء الإسان الجديد
2007